يد الوزير مؤيدو بيتار وتقبيل ايدي
من حين لآخر ننشغل نحن العرب بمشاهد أو لحظات اقل ما يقال عنها أنها مضحكة ومحزنة طبعا في ذات الوقت. مثل هذه اللحظة كانت في المباراة النهائية للكأس في إسرائيل بين بيتار القدس وهبوعيل تل ابيب، التي امتنع بها لاعبو بيتار مد يدهم للوزير غالب مجادلة الذي تواجد على أساس انه وزير الرياضة والثقافة في الحكومة الإسرائيلية.
وطبعا انتفض بعض المستكتبين على جمهور بيتار العنصري، ودافعوا عن "كرامة الوزير" التي أهانها لاعبو بيتار، ووصلت المسالة لدى البعض إلى حد التضامن كما لو أن شهيدا سقط في غزة. غالب مجادلة ليس وزيرا، لأنه عربي، ولا يمكن لعربي ان يكون وزيرا في إسرائيل.
مجادلة لديه سائق خاص وحراسة خاصة في بلدته باقة الغربية (من من؟؟)، حتى ان اسمه يذكر في نشرات الأخبار ،"صرح الوزير غالب مجادلة، او "هسار مجادلة أمار.."، مجادلة لا يختلف بالنسبة للإسرائيليين، وللصحفيين بشكل خاص الذين يفحصون ولاء من يشكون في امره، عن لاعبي كرة القدم العرب الذين كانوا يصلون الى المنتخب وهناك بالذات كانوا يسالون عن ولائهم للعلم والنشيد الوطني حتى ان كاميرا المخرج كانت تركز على شفاه اللاعبين العرب، للتأكد ما اذا كانوا ينشدون "هتكفا"، او "دلعونة"، العرب كانوا يحافظون على الصمت، وأحيانا يتمتمون للصورة.
لا يختلف غالب مجادلة عنهم، مجادلة ليس الوزير العربي في الحكومة الإسرائيلية، هو في احسن الحالات العربي الذي يسمح له بالجلوس مع الوزراء في الحكومة الإسرائيلية في جلسة يوم الاحد، حين يبتسم الوزراء امام الكاميرا ثم تغلق الكاميرات.
يبدي مجادلة بشكل يكاد لا يصدق انه "استغرب بشكل خاص من مدير الفريق غيورا شبيغل"،أي انه كان يتوقع ان يمد يده على الاقل، في هذه تكمن ماساة مجادلة، ومعه الذين اصطفوا الى جانبه ليحولوا
في كل صباح يسال مجادلة عن ولائه، وهو وزير، لاعبو بيتار لم يهينوا مجادلة ،بل أكدوا ولاءهم لجمهور بيتار، بيتار القدس يحظى بأكبر عدد من المشجعين في البلاد، تقريبا في كل أسبوع عنده حفلة شتيمة، او عدوان، همجيتهم متوقعة، لكن هناك من حولها إلى "انتصار وطني"، ونسي ان الوزير مجادلة هو عضو في حزب العمل، أي هو الذي وجه الاهانة أولا للعرب قبل ان يوجهها مؤيدو بيتار القدس وغيورا شبيغل، وهنا تكمن ماساتنا.
عربي في الحكومة الإسرائيلية منظم في حزب العمل، لا يمكن ان يمسح عنه مؤيدو فريق كرة قدم شديدو التعصب والتطرف والكراهية للعرب ،كل ما هو مطالب بالإجابة عليه، فهو ليس ضحية بتاتا، الا اذا قررنا اعتبار شتائم اليمين (من أي نوع وأنى كانت)،هي دليل على سلامة طريقنا، او انها تكفي لنصبح ضحية.
ليست التحية التي أرسلها بعض الصحفيين إلى مجادلة على "صموده الكبير"، إلا تعبيرا عن حالة لم يعد بها من الممكن التمييز بين أن تكون عضوا رسميا في الحكومة الإسرائيلية، كعربي، وبين أن تقصف الحكومة الإسرائيلية ذاتها ، وجدانك وذاتك واهلك كل يوم، وهي تعبر كل الوقت عن "رباطة جأش"، على أساس وعلى اعتبار أنها لم ترد كما يجب على أهل غزة.
هذه هي الأزمة بذاتها، التي أوصلتنا إلى مكان صرنا نعتقد أو نعتبر انه بالإمكان ممارسة كل متناقض سياسيا وأخلاقيا دون أن يكون في المسالة أية حرج.
فافتتاح "الوزير" لمصلى للمسلمين في المستشفيات صار انجازا لا يقدر ،وصار بالإمكان أن يظهر الوزير وهو يصلي في المصلى ويبتسم في نفس اللحظة، ليثير أسئلة معاكسة حول الذين يشككون بنوايا الوزير، الذي يقف دقيقة صمت أيضا على أرواح "ضحايا غزة"، رغم أن بإمكانه أن يفعل شيئا ابسط من ذلك بكثير ولكنه أكثر تأثيرا إعلاميا، ببساطة أن ينسحب من الحكومة التي تستعمله لتغطية عوراتها، مع انه لم تعد أي عورة لهذه الحكومة.
وغيورا شبيغل الذي تأثر منه مجادلة للغاية، أي من شبيغل، لأنه على ما يبدو يلبس بدلة وياقة ويؤمن باللعب والإدارة على الطريقة الأوروبية، وليس مثل مؤيدي بيتار من اليهود الشرقيين خريجي السوق الشعبي الأكثر شهرة وغوغائية في القدس ، محني يهودا، وفي هذا وجه مجادلة لنفسه صفعة أخرى، لأنه يتوقع الاهانات من مؤيدي بيتار ، من أنصار اليمين، لكنه لا يتوقعها من "الاشكنازيم" من أمثال شبيغل!!
في الحكومة الإسرائيلية يجلس من لا يؤدون الولاء لإسرائيل العلم والنشيد، بعضهم حتى لا يجلس حول طاولة الحكومة لأنه يعتقد بذلك انه "يغضب الرب"، وان جلسته هذه تتناقض مع ما يؤمن به هو، على ذلك يرفض أنصار الأحزاب اليهودية المتدينة الأرثوذكسية (ديغل هتوراة، اجودات يسرائيل..) تبوؤ أي منصب وزاري وهم في أحسن الحالات يقبلون بمنصب نائب وزير، لان الوزير بالنسبة لهم يمثل "سيادة الدولة" المعارضة لإرادة الرب، لكنهم في ذات الوقت لا يطالبون بإثبات أي ولاء من أي نوع، وهؤلاء يتمنى مؤيدو بيتار القدس ليس أن يصافحوا أيديهم بل أن يقبلوها ليحصلوا على "البركة"، ويذهبوا إلى آبائهم الروحيين (أي الحاخامات) ليحصلوا على بركة "تفوز" بواسطتها بيتار في ألعابها.
اية مفارقة عجيبة تجمع الوزير مجادلة مع مؤيدي بيتار ولاعبيه مع حاخاماتهم ،واحد يرفض اللاعبون حتى مد يد له بالبث الحي والمباشر، خوفا من أن يتهموا بالخيانة من قبل جمهورهم، وآخر يتمنى هؤلاء تقبيل يده.
لم يهن لاعبو بيتار الوزير مجادلة ،لقد أهانوا من يمثلهم كما يعتقدون، أي العرب ،مع انه لم يذهب إلى الحكومة على أساس انه يمثل العرب، لم يطلب منه ذلك، ولم يقل له من قبل من عينوه انه سيمثل العرب، نقطة سطر جديد.
وعندما يضحك وزير عربي في مصلى معد للمسلمين في احد المستشفيات فان المهزلة تصل ذروتها، لان حركة طلابية نجحت من قبله بافتتاح مصليات في الجامعات الإسرائيلية في حيفا وتل أبيب ،هي حركة أقرا، لا تملك صلاحيات وزير.
ليس المشكلة من وجهة نظرنا في افتتاح المصليات في المستشفيات ،بل بتحويلها الى مشهد يبتز بها مجادلة الفقراء ، بواسطة صورة ،ويثير بذلك اسئلة حول من يثيرون أية شبهة حول نوايا الوزير.
الوزير الآن يستهزأ منه ، ليس هو بل الذين يعتبرون وجوده في الحكومة يوم الاحد انجازا لنا، والذي يستهزئ بنا اكثر هم الذين يعتبرون امتناع لايبو بيتار القدس عن مد اليد للوزير هي "شرف عظيم " له في سياق التمييز بين الاثنين، الذين وصلوا الى هذا الاستنتاج هم الذين يعيشون على الفارق بين افيغدور ليبرمان وايهود براك ،يعيشون ويعتاشون، الوزير مجادلة اوصل الحالة الى ذروتها، ونسينا ببساطة ان الوزير يمثل حزب العمل ،والحكومة وسياستها، ولا يمكن له رغم قلة تاثيره ان يحول نفسه الى ضحية بالبث الحي والمباشر.