كل العربالنسخة الكاملة ↗
رأي حر

التربية البراغماتيّة هي الحل الملحّ/بقلم: د.كمال موعد

موقع العرب وصحيفة كل العرب - الناصرة · 11/10/2013 الساعة 15:52

 د.كمال موعد في مقاله:

ابرز واخطر ما نتج عن الاستهلاك المكثف "لخيرات" الثورة المعلوماتية هو اتساع الفجوة الفكرية القيميّة بين الاجيال حتى بدا وكان الاباء والأبناء يعيشون في عصرين زمنيين بعيدين بعد الارض عن المريخ

المخزون الفكري والثقافي اختلف بسرعة وها نحن اليوم نقف امام عقليتين مختلفتين الامر الذي وضع الطرفين في وضع جديد حرج جعل المجتمع العربي الحالي يتأرجح حائرا بين ضرورة التمسك بالأصالة وبالقديم وبين عدم القدرة على كبح جماح الجديد الجذاب

الحل الوحيد والمخرج الاكيد من هذا "الورطة" التي يحياها المجتمع العربي في الوقت الراهن هو التربية البراغماتيّة العمليّة التي تشخص الواقع بدقّة وموضوعيّة وتتجه باتجاه تصوّرات عمليّة للنهوض به

الحل هو التربية وينبغي أن يكون هذا الحل جهدا قطريا ومحليا في ان واحد ينبغي أن يذوّت الجميع بأن حماية المجتمع العربي بواسطة التربية تشكل مهمة وجودية وطنية جماعيّة بامتياز 

بإمكان اباء وأمهات واعين مثقفين حماية اولادهم وتحصينهم من مخاطر وتحديات وتعقيدات الزمن الذي نعيشه وإكسابهم المعلومات الضروريّة والشخصية الناقدة المتطورة القادرة على التحليل والاستنتاج واتخاذ القرارات الصائبة العقلانيّة ومن ثم الافلات من "مصيدة" التقليد الاعمى 


تزخر الصحف العربية المحلية ومواقع الانترنت الاخباريّة بالأخبار والتقارير التي تتناول بالوصف تارة وبالتحليل والاستنتاج تارة اخرى الحال الرديء الذي انحدر اليه المجتمع العربي خصوصا على مدى العقدين الاخيرين : توتر وعنف كلامي وجسدي مستفحل حيثما وليت وجهك (في البيت، في المدرسة، في الشارع وفي مختلف المؤسسات الرسمية وغير الرسميّة)، اضمحلال المبادئ وتهافت الاخلاق والانجرار وراء المظهر على حساب الجوهر، ولوج عالم الاستهلاك المفرط والتقليد الاعمى لكل ما هو غربي واعتباره قمة الحداثة، الانبهار بالعولمة( وهي في جوهرها أمركة) وتقديس افرازاتها ومخرجاتها في عالم التكنولوجيا والفن والأزياء والغذاء على حساب الاصالة، ألتماهي التام مع "خيرات" الثورة المعلوماتية وعلى رأسها الانترنت وما انجبه من شبكات تواصل اجتماعي مثل فيسبوك وتويتر، اتهام كل من لا يواكب تلك الثورة ولا "يتمتع بخيراتها" بأنه متخلف رجعي يعيش خارج المكان والزمان ويحتاج الى علاج فوري.

ولعل من ابرز واخطر ما نتج عن الاستهلاك المكثف "لخيرات" الثورة المعلوماتية هو اتساع الفجوة الفكرية القيميّة بين الاجيال حتى بدا وكان الاباء والأبناء يعيشون في عصرين زمنيين بعيدين بعد الارض عن المريخ. لقد تبدلت القناعات واختلفت الاولويات بين الاجيال ومن ثم ظهرت التوتّرات بين شركاء الاسرة الواحدة حتى غدت نقاط ومحاور الالتقاء والتفاهم غاية في الندرة وبدأ العقد الاسري بالانفراط وبتنا نسمع بوتيرة عالية الابناء والآباء يكررون تلك الشكوى المألوفة بان "الطرف الاخر لا يفهمني!".

وضع جديد حرج 
المخزون الفكري والثقافي اختلف بسرعة وها نحن اليوم نقف امام عقليتين مختلفتين الامر الذي وضع الطرفين في وضع جديد حرج جعل المجتمع العربي الحالي يتأرجح حائرا بين ضرورة التمسك بالأصالة وبالقديم وبين عدم القدرة على كبح جماح الجديد الجذاب الساحر وبدأنا نقرا ونسمع العديد من الحوارات الفلسفية التي تحاول اعادة النظر في معنى وفي جوهر ثنائيات فكريّة مثل "الاصالة والقدم" و "الحداثة والتجديد" وغيرها. هل كل قديم هو اصيل وهل كل جديد هو حديث!!هل يمثل الفيسبوك وتويتر وكاسترو وفوكس ومكدونالد وسمارتفون مركبات الحداثة بمفهومها الحديث الآني!! هل باتت قيم الصداقة والتسامح واحترام الكبير والتطوع والتبرع والإخلاص والقناعة وحب الاخر والتواضع والتكافل من مخلفات "القديم الذي خرج من الموضة"!! مما لا شك فيه اننا نعيش اليوم زمن من اختلال التوازن والضبابية الفكرية وبالتالي فإننا نشعر بضرورة البحث عن مخرج أو حلّ.

التربية البراغماتيّة العمليّة 
في هذه المقالة المتواضعة اودّ ان ازعم بأن الحل الوحيد والمخرج الاكيد من هذا "الورطة" التي يحياها المجتمع العربي في الوقت الراهن هو التربية البراغماتيّة العمليّة التي تشخص الواقع بدقّة وموضوعيّة وتتجه باتجاه تصوّرات عمليّة للنهوض به. نعم، بعيدا عن الكليشيهات وعن الشعارات الرنانة فان التربية اذا ما مورست وفق اصول وشروط جليّة تستند الى تجارب عمليّة ومخزون فكري فلسفي اجتماعي نفسي علمي فإنها حتما ستشكل المخرج من هذه الازمة. من الضروري بمكان الاشارة الى ان التربية العمليّة كما اقصدها هنا لا تقتصر على التربية الاسريّة وحدها ولا على التربية المدرسية وحدها وإنما على المؤسسات الرسمية وغير الرسمية بحيث يعملان معا بتناغم تام ويكمّل احدهما الاخر. التربية التي اقصدها تهدف بالأساس وقبل كل شيء توعية الاباء قبل الابناء الى حقيقة وجود تلك الازمة الراهنة والى ضرورة الاعتراف بوجودها وحتمية التعاون بغية التعامل معها بنجاعة لإنقاذ المجتمع العربي من المزيد من التهافت والتشتت والتناقض. لكن على من تقع مسؤولية توعية وتثقيف الاسرة العربية؟ عندما ندرك تماما بأننا كمجتمع نقف امام ازمة وجوديّة غاية في الخطورة، فان كافة الشرائح المثقفة المتعلمة الواعية والجهات الرسميّة وغير الرسميّة ستأخذ دورها في عملية التثقيف والتوعية: مدارس، جمعيّات ثقافية، مؤسسات وشخصيّات دينية، علمية وفكرية وغيرها.

الحل الوحيد
الحل هو التربية وينبغي ان يكون هذا الحل جهدا قطريا ومحليا في ان واحد، ينبغي أن يذوّت الجميع بأن حماية المجتمع العربي بواسطة التربية تشكل مهمة وجودية وطنية جماعيّة بامتياز لكن يجب أن ياخذ فيها المثقفين والعلماء النصيب الاكبر عملا بقوله تعالى "وهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون". الحل يكمن في خلق تربية براغماتيّة جديدة تُأسس لأجيال جديدة تتمتع بشخصية متينة واثقة بنفسها وبمخزونها الثقافي، اجيال قادرة على اتخاذ القرارات بصورة براغماتية علمية عقلانية، قادرة على تشخيص التحولات الفكرية العلمية العالمية ومن ثم استقبالها والتعامل معها بنوع من الانتقائية الموضوعية التي تصب في مصلحة المجتمع العربي بدلا من الوقوع في فخها وتبنيها كلها على علاّتها كما هو حاصل اليوم. لا فائدة من أي محاولة لا تبدأ بالأسرة وعلى رأسها الأم التي تنجب وتربّي وبالتالي ينبغي على كافة المؤسسات الرسمية وغير الرسمية العمل على تثقيف الامهات الشابات واعتبار ذلك غاية عليا مصيريّة. اذ كيف يمكن لأم شابة في مقتبل العمر ليس لديها ادنى معرفة لا بالأمومة ولا بقواعد التربية ان تربي اولادها بنجاعة وبنجاح ونحن في القرن ال 21 القرن الزاخر بالتحولات المعرفية والتكنولوجيّة السريعة علماً بان التربية تشكل عملية غاية في التعقيد والدقة وتحتاج الى معرفة ولو بسيطة في مجالات مثل التربية، علم الاجتماع وعلم النفس التطوّري!! اذا كانت قيادة السيارة تحتاج الى تعليم وتدريب صارم على يد مختصين ضمن مؤسسات رسمية خاضعة لرقابة الدولة، وإذا كان العامل في المصنع يحتاج الى تدريب وإعداد حتى يؤدي عمله البسيط بفاعليّة فما بالك بالأم التي تقوم بتربية الابناء والأجيال وبقيادتهم في خضم كل تلك التعقيدات سالفة الذكر! اليس من حق تلك الام فهم الواقع وإدراكه حتى تتمكن من التعامل معه بفاعليّة وإلا كان العبئ ثقيلا عليها فلا تلام على فشلها. تربية الام وتثقيفها وإخراجها من جهلها على يد المجتمع يشكل العمود الفقري للتربية العمليّة التي اتحدّث عنها لكنني في ذات الوقت لا اغفل تربية الاباء ايضا وبنفس المقدار والاهميّة. ان المخرج من حالة الارتباك التي يعيشها المجتمع العربي يكمن بنظري في اعداد امهات وآباء واعين مثقفين مدركين لخطورة الدور الذي يقومون به وانعكاسه على اولادهم وعلى مجتمعهم برمته.

حماية الأولاد
بكلمات أخرى فان بإمكان اباء وأمهات واعين مثقفين حماية اولادهم وتحصينهم من مخاطر وتحديات وتعقيدات الزمن الذي نعيشه وإكسابهم المعلومات الضروريّة والشخصية الناقدة المتطورة القادرة على التحليل والاستنتاج واتخاذ القرارات الصائبة العقلانيّة ومن ثم الافلات من "مصيدة" التقليد الاعمى والانخداع بكل ما هو سطحي ،جديد وبرّاق واعتباره قمة الحداثة. صحيح انني اطرح هنا حلاً يحتاج الى قدر كبير من الصبر وطول النفس، الى التنسيق والتعاون بين كافة الشركاء داخل المجتمع العربي وخصوصا المجالس والبلديّات، لكنه يشكل بلا شك حلاً مضموناً سبقتنا اليه بنجاح شعوب كثيرة منذ اليونان القديم. خلاصة الكلام ان التربية البراغماتيّة العمليّة قادرة على ردم الهوّة بين المدرسة وبين المجتمع، بين الكبار وبين الصغار، بين الاباء وبين الابناء ومن ثم خلق واقع جديد في مجتمعنا العربي اقل عنفاً ونفوراّ واستقطاباً وتوتراً وأكثر تناغماً وتفاهماً ورقيّاً.

موقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان:alarab@alarab.net


التربية البراغماتيّة هي الحل الملحّ ، د.كمال موعد ،رأي حر ، مقالات
واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع