هل خسر اوباما في سوريا؟/ بقلم: ثائر أبو راس
ثائر أبو راس في مقالته:
اول انجاز حصدته الادارة الامريكية من الاتفاق "الكيماوي" هو التجريد الكامل لسوريا من الاسلحة غير التقليدية دون ان تطلق رصاصة واحدة
الحديث المبالغ فيه عن انتصار الحلف الروسي السوري في معركة "الكيميائي" هو نتاج لتحريض اعلامي من قبل اعداء النظام السوري المستعدين لدفع اي ثمن لإسقاطه
الاسلحة السورية كانت تعتبر ندا للنووي الاسرائيلي ومع تجريد الدولة السورية من اسلحتها الكيماوية بقيت اسرائيل الدولة الوحيدة في منطقة الهلال الخصيب تمتلك اسلحة غير تقليدية
الاعلان عن الاتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا في جنيف الاسبوع الماضي هو فقط نقطة البداية في عملية تجريد سوريا من اسلحتها والتي من المفروض ان تستمر لعام على الاقل
منذ الاتفاق الروسي الامريكي حول نزع الاسلحة الكيماوية من سوريا نسمع الكثيرين من تيار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة بالإضافة لحلفائهم في اسرائيل ودول الخليج يتحدثون عن نصر روسي – سوري على الغرب. بعض المحللين في اسرائيل تحدثوا عن ضعف اوباما وسذاجته في التعامل مع ملفات الشرق الاوسط. بعض الكتاب والمحللين تحدثوا بصراحة عن نهاية التفوق الامريكي في الشرق الاوسط ونهاية السيطرة الاحادية القطب للعم سام في العالم اجمع. ان الحديث المبالغ فيه عن انتصار الحلف الروسي السوري في معركة "الكيميائي" هو نتاج لتحريض اعلامي من قبل اعداء النظام السوري المستعدين لدفع اي ثمن لإسقاطه. بعد تهديدات اوباما فرح اعداء النظام السوري من الاسرائيليين والانظمة الاقطاعية في الخليج وتركيا، لكنهم لم يأخذوا بعين الاعتبار المصالح الامريكية، فقد ظنوا ان الولايات المتحدة ستنفذ مطامعهم دون مقابل بالرغم من ان التاريخ الامريكي يؤكد ان الولايات المتحدة كانت دائما اول المتنازلين عن حلفائها من اجل مصالحها.
التجريد الكامل لسوريا من الاسلحة
اول انجاز حصدته الادارة الامريكية من الاتفاق "الكيماوي" هو التجريد الكامل لسوريا من الاسلحة غير التقليدية دون ان تطلق رصاصة واحدة. في خطابة الشهير في برلين عام 2008 تحدث اوباما عن نزع الاسلحة النووية والكيماوية في العالم تمهيدا لعالم خال من النووي وبعد تجريد العراق في التسعينات وليبيا في العقد الاخير من اسلحتها ها هي سوريا تتجرد ايضا. نجاح اوباما يعتبر باهرا مقارنة بالكوارث الذي صنعها سلفة جورج بوش في العراق وافغانستان حيث قتل الملايين من المواطنين العزل وكسرت هيبة امريكا امام العالم دون انجاز يذكر لصالح بلادة. الاتفاق الكيماوي مع روسيا مكن حليفة الولايات المتحدة واسرائيل من الحصول على اكبر انجاز جيو استراتيجي لها منذ تدمير مفاعل تموز النووية في العراق عام 1981. ان الاسلحة السورية كانت تعتبر ندا للنووي الاسرائيلي ومع تجريد الدولة السورية من اسلحتها الكيماوية بقيت اسرائيل الدولة الوحيدة في منطقة الهلال الخصيب تمتلك اسلحة غير تقليدية. فبالرغم من ان الاسلحة الكيماوية السورية صنعت في فترة آل الاسد الا ان هذه الاسلحة كانت ملك للشعب السوري اجمع والذي دفع ثمنها من اموال ضرائبه لتمكين مصالح سوريا الاستراتيجية. وبحسب الاتفاقية لن تعاد هذه الاسلحة للشعب السوري بعد انهيار النظام وهذا يعتبر انجازا اسرائيليا لا مثيل له في تاريخ المنطقة الحديث.
تحدث مع العدو بهدوء ولكن احمل معك عصا غليظة
لقد نجح اوباما في هذا الاتفاق على تأكيد تفوق سياسته التي ينتهجها امام الرأي العام الامريكي. اوباما هو ابن مدرسة "الدبلوماسية العنيفة" في داخل الحزب الديمقراطي . هذه المدرسة الفكرية تفضل العمل الدبلوماسي امام الخصم لكن بلغة تهديدية وعنيفة، منظر هذة الدبلوماسية الرئيس الامريكي ثيودور روزفيلت صاحب المقولة الشهيرة " تحدث مع العدو بهدوء ولكن احمل معك عصا غليظة". وهذا ما فعلة اوباما حيث تحدث بهدوء حول نزع الكيماوي السوري مع التخويف في امكانية ضربة عسكرية فحصل على مرادة، وآخر الاستطلاعات تؤكد دعم الشعب الامريكي لطريقة تعامل رئيسهم مع ازمة الاسلحة السورية. نجاح سياسة اوباما في سوريا اثرت على القيادة الايرانية ايضا حيت بدأت تصل واشنطن رسائل معتدلة من طهران تتحدث عن السلم والتوافق ومنع المنطقة من الانجرار لكوارث محتملة. بعض المصادر الامريكية تحدثت عن تبادل رسائل بين الرئيس اوباما ورئيس ايران الجديد حسن روحاني. هذا يعتبر تغير في التوجه الايراني وينم عن معرفة ايران ان الولايات المتحدة قد عادت للشرق الاوسط عبر البوابة السورية ويجب التعامل مع امريكا كقوة ذات وزن في المنطقة.
تجريد الأسلحة
ان التحولات الكثيرة في الملف السوري في الاسابيع الماضية تدل على تحولات جذرية في الحرب. فبعد مذبحة الغوطة الشرقية في آب المنصرم حصل تغييران مهمان يصبان في مصلحة الولايات المتحدة، حيث تم الاعلان في اسطنبول عن اقرار انضمام المجلس الوطني الكردي للائتلاف الوطني السوري السوري المعارض. المجلس الكردي يعتبر حليفا للولايات المتحدة ومحاربا شرسا ضد الجماعات الاسلامية المقاتلة في سوريا فانضمامه يقلل من مخاوف امريكا تجاه طبيعة المعارضة السورية المسلحة. اما التطور الثاني فهو رسالة زعيم تنظيم القاعدة ايمن الظواهري لأنصاره في سوريا بعدم التعامل مع القوة العلمانية المقاتلة هناك. لقدت انتظرت الولايات المتحدة الفرصة لتميز بين حلفائها واعدائها داخل المعارضة السورية وخطاب الظواهري مكنتها من ذلك. حيث اصبح من الممكن الان التحدث عن قوات صحوة سورية مدعومة من الغرب لتحارب النظام وتنظيم القاعدة في ان واحد. ولكن اكبر انجاز امريكي من الاتفاق هو تجنيد غريمتها التقليدية روسيا في لعبة الامم السورية . حتى الان روسيا كانت شريكا فعالا في الحرب السورية دون الاخذ في عين الاعتبار مسؤولياتها . فمنذ بدء الازمة بعثت روسيا مئات الملايين من قطع الاسلحة للنظام السوري تقدر بمليارات من الدولارات، تجريد الاسلحة سيوقف هذه العملية نسبيا. تشريع استخدام البند السابع في مجلس الامن و الذي يجيز استعمال القوة العسكرية من جانب الامم المتحدة في حال تعاون سوريا في نزع سلاحها الكيماوي يعتبر ضربة كبرى لروسيا وبالإمكان استعماله من طرف الولايات المتحدة مستقبلا. والان افتتحت الطريق لعقد اجتماع جنيف 2 وامكانية انهاء الحرب في سوريا مما يمهد للسياسة الخارجية الامريكية ان تستثمر وقت اكثر بملفات اخرى كعملية السلام الاسرائيلية الفلسطينية والانسحاب من افغانستان في العام القادم.
إنقاذ سوريا من الضربة
الاعلان عن الاتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا في جنيف الاسبوع الماضي هو فقط نقطة البداية في عملية تجريد سوريا من اسلحتها والتي من المفروض ان تستمر لعام على الاقل. سيحاول النظام السوري وحليفة الروسي المراوغة في هذه العملية كضمانة ضد اسقاط النظام، لكن دون ادنى شك تحولات الشهر الاخير لربما انقذت النظام السوري من ضربة في الوقت الحالي لكنها ضمنت سقوطه على المدى المتوسط. فبعد تجريده من أسلحته الكيميائية من جهة وبعد "تطهير" المعارضة المسلحة من تنظيم القاعدة من جهة اخرى ستنقلب الموازين كليا لصالح الولايات المتحدة، والخاسر الوحيد كما هو منذ عامين ونيف الشعب السوري.
موقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان:alarab@alarab.net