سقى الله تلك الأيام/ بقلم: زهير دعيم
زهير دعيم في مقاله:
أضحى العنف بيت القصيد وصار الظلم سيدا مطاعا يلوّنونه تارة باللطف ويسمونه أحيانا ديمقراطية
اليوم يا صاحبي فإننا نكاد نصول ونجول في الفضاء وعلى سطح القمر والمريخ وقد أضحت الدنيا بلدة صغيرة وأضحى اختراع الأمس بائتًا عتيقاً اليوم وطغت التقنية على كل حياتنا ووجودنا
كثيرا ما أتحسّر على، الأيام الخوالي، أيام البساطة والفقر "والقلة" وخبزنا كفاف يومنا... أيام كنا نقضي الصيف كله حفاة نركض خلف النورج شهرا كاملا حتى نتمكن من الحصول على "شروة" من الحبوب نبادلها بحفنة أو أكثر من السكاكر الحمراء الشهية، وٍأيام كنا نتربّص لدى جيراننا ساعات حتى نحصل على ملء صحن من البليلة، فنحّليها بالسكر الأبيض النادر تارة والأحمر تارة اخرى. سقى الله تلك الأيام، أيام يا حامي الحمى تحمي البيت وأصحاب البيت، حين كانت الأمطار أمطارًا والرعد رعدا والبرق وميضًا يمّزق وينهش السماء، وحين كان وادي قريتنا يُعربد ويزبد ويرغو فلا نأبه به ونحن نزرع جانبيه بالمصائد، ونروح ننتظر أسراب الزرزور والقطا والسمن وعرائس التركمان حتى نملأ منها جرابنا وبطوننا الخاوية.
"الفقر المقدس"
سقى الله تلك الأيام حين كانت شعرة الشاربين كمبيالة مقدسة، وكلمة الرجل وثيقة فتبيع وتشتري وأنت مطمئن، وتنام على سطح البيت آمنا، وتصحو على زقزقة الدّوري والشحرور والحسون والأبواب ُمشّرعة للشمس والهواء. سقى الله تلك الأيام حين كان الفقر "المقدس" يستحوذ على حياتنا فلا نتأفف ولا نتذمر، بل نروح ننتظر الوالد عائدًا من حيفا معطفاً كمعطف غوغول اشتراه من سوق الخرداوات، أو حذاءً مستعملاً أخذ مقاسه بخيط معقود الحاجبين!! كانت أياما لذيذة، تملؤها المحبة ويملؤها الذوق البكر رغم ضيق اليد، ورغم التعب، فمنظر الراعي يسوق قطيعه الى المرعى لوحة رائعة قلّ ما يقدر على رسمها فنان، ومرأى الحاصدين والحاصدات وهم يزرعون الحقول عتابا وميجانا، تقف أمامه فيروز حيرى! سقى الله تلك الأيام وذكرها بالخير أبدًا، يوم كان الخضار يشدّك برائحته، فيسيل لعابك على حبة بندورة لوّحتها شمس الصيف، أو حبة تين غزالية تملأ كفك عسلا ولا أحلى، ناهيك عن القطين والزبيب والسدة الملأى بخيرات الشرق.
التربية الحديثة
أما اليوم يا صاحبي، فإننا نكاد نصول ونجول في الفضاء وعلى سطح القمر والمريخ، وقد أضحت الدنيا بلدة صغيرة وأضحى اختراع الأمس بائتًا عتيقاً اليوم، وطغت التقنية على كل حياتنا ووجودنا، في هذا اليوم فقدنا كل شيء، فقدنا المحبة هذه التي نفتش عليها بألف فتيلة فلا نجدها، وخسرنا الطمأنينة، أما القيم والشيم والمروءة فحدّث ولا حرج، فقد اختفت كما اختفى السمن والزرزور والأمطار الهادرة وجاء الجديد ..!! ومن قال أن لا جديد تحت الشمس، فالجديد يملأ كل أكناف المعمورة. فانظر يا رعاك الله أينما وكيفما شئت، تجد الأغاني المائعة والأجساد المتأوّهة "المتفزعة" والرجولة المخنثة، والأقراط تزين آذان الشباب، والهيروين سيّد الموقف، والسرقات تدب في كل ليلة في الأحياء والبيوت والمصانع، أما العنف بأنواعه وأشكاله فلا يهدأ أبداً، فتراه يتمرّغ في وعلى أرضية حياتنا ليلا ونهارًا صبحًا ومساءّ، في النوادي والمدارس والمعاهد والشوارع والبيوت. لقد أضحى العنف جزءًا من حياتنا، وحيّزًا من وجودنا، فامّحت هيبة المعلم وديست كرامته تحت وطأة ما يسمى بالتربية الحديثة، فانقلبت الآية وغدا الطالب يعتدي على معلمه، في حين كان المعلم مُربّياً يزرع الأخلاق الحميدة ويسقيها بالحنان والأبوة وأحياناً بالعقاب المعقول!
بيت القصيد
أما الإبن البار فقد انقلب بقدرة قادر الى عاقّ، يسرق مخصصات تأمين أمه وجدته وجده ولا يتورّع من استعمال العنف إن اقتضى الأمر. لقد أضحى العنف بيت القصيد، وصار الظلم سيدا مطاعا يلوّنونه تارة باللطف ويسمونه أحيانا ديمقراطية !! لستُّ متشائمًا وحقك، فالدنيا رغم كل هذا بألف خير، فالخير رغم سوء توزيعه يملأ الأرض وما حولها، والحضارة المرنان في كل زاوية من زوايا البيوت والحياة، فما أحلى عادات الأمس ودفء الأمس تتعانق مع حضارة اليوم، ووهج اليوم وعلم اليوم، عندها قد نقول: "ورأى الله ذلك أنه حسن".
موقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان:alarab@alarab.net