همٌ مُتَسائِل /بقلم:محمد كناعنة
محمد كناعنة في مقاله:
أكتبُ وأشعرُ أنني في حالة من الانفجار أو الانهيار،وكلتا الحالتين إنعكاس لحالة من البؤس أشاهد تفاصيلها يومياً في زواريب هذا المجتمع
ألسنا غائرين في الهَم الشخصي بعيداً عن العام؟ أَلم نتحوّل إلى مجتمع مستهلك غير مُنتج؟ فكيفَ لهذا المجتمع أن ينهض من سُباتهِ الطويل وأحياءهِ أموات؟
نحنُ بحاجة إلى أَن نَحس بما نؤمن به من أفكار وهذه باتت تكون مفقودة في قاموس العمل السياسي الاجتماعي الثقافي والمصيبة أنّنا قد نفقدها من مُعجم الحُبّ والمحبّة،لا يكفي أّن نَقول بالثورة يجب أن نُمارسها
قبل أيام كانَ ينوي المأفون مارزل وعصابته الدخول الى عرابة البطوف فقد تجمهرَ على مدخل عرابة المئات من الشبان لمنعه من الدخول شاركتُ مع إبنتيَّ عند دخولنا الى الحشد لم تكن هناك أيّة فتاة وشاب في مقتبل العُمر يقف مع أصدقاءهِ إلتفتَ الى صوت الأنثى وإستأسدَ كأنّ الفريسة وقعت في شِباكهِ
" تساءلتُ، مثلاً، لماذا نعجز عن العمل لتحقيق أهدافنا الاجتماعية في حين تبدو الظروف الموضوعية مواتية لتحقيق هذه الأهداف؟ لماذا نحنُ فَرديون وسَلبيون في تصرّفاتنا الاجتماعية إلى حد يمنعنا حتى من التعاون، في حين أن التعاون من مصلحتنا جميعاً؟ لماذا نقبل في اعمالنا ما نرفضه في أقوالنا وتفكيرنا الخاص؟ ما الأسباب الاجتماعية (الموضوعية) وما الدوافع النفسية (الذاتية) التي تصنع هذه الهوة بين ما نرمي إليه وما نفعلهُ بالممارسة، فنبقى غائصين في تناقضاتنا عاجزين عن تغيير وضعنا؟".
أصحاب الرؤية النقدية
هذه التساؤلات للمفكر هشام شرابي وردت في كتابه "مقدمات لدراسة المُجتمع العربي" الصادر قبلَ حوالي ثلاثة عُقود، وهو من الكُتب التي أحاول دائماً العودة إليها في مُراجعاتي بالاضافة إلى مجموعة من العناوين في مخزون الثقافة الانساني العالمي والعربي التقدمي خاصة، بدأً بإبن رشد وابن خَلدون وعادل سمارة وفريدة النقّاش وفاطمة المرنيسي ويوليوس فوتشليك وغرامشي ماركس إنجلز لنين وآخرين من أصحاب الرُؤية النقدية ممّن يمتلكون مَلكَة النبش في المحظور، ويَسبحون عكس التيار، إنَّهُم أصحاب " الرصاص الحي" بأقلامهم الجريئة، في السياسة والثورة في المُجتمع والتاريخ، في الثقافة وبؤسها، العودة إلى أمثال هؤلاء هي من باب التمكين الذاتي في توسيع الأُفق رغم إنحسار حَيّز الفكرة الثورية في مناخ ٍ لا ثورة حقيقة فيه في الفضاء الموضوعي وإنعكاسه على فضاءهِ الذاتي، وفي سياق قد يكون مُتّصل يقول الكاتب الفذّ غسان كنفاني: " إنّ الفكرة النبيلة لا تحتاج غالباً إلى الفهم، بل إلى الاحساس" وأنا أُسقط هذه المقولة على واقع ما نتحدث عَنهُ هُنا، فنحنُ بحاجة إلى أَن نَحس بما نؤمن به من أفكار , وهذه باتت تكون مفقودة في قاموس العمل السياسي الاجتماعي الثقافي، والمصيبة أنّنا قد نفقدها من مُعجم الحُبّ والمحبّة، لا يكفي أّن نَقول بالثورة، يجب أن نُمارسها، الثورة فيها إنقلاب على الواقع السقيم في جُهد للاتيان بما هو أفضل، الثورة فيها إيمان بالفكرة وليس القولُ بها فقط، الإحساس بالمعنى وليس التَغنّي بِه، وأن تقول ما لا يُقال، وأن تقف في وجه العاصفة، لا أن تختبئ "أيُّها الثوري" في عباءةِ العائلة والطائفة، لا أن تهرُبَ إلى كأس النسيان اللذيذ بعيداً عن مرمى الفعل الحقيقي.
إبن خلدون ثارَ على واقع التخلُّف وصاغ في كتاباته ما أعتُمدَ كمدخل لعلم الاجتماع الحديث، وشخّصَ قبل قُرونٍ خَلَت واقع حالنا كمجتمع عربي، ومن اقواله، خاصةً للأحياء الأموات منّا: " إتباع التقاليد لا يعني أنّ الأموات أحياء، بل أنَّ الأحياءَ أموات". يا الله كم يُشبه هذا القول واقع الحال اليوم في مجتمعنا ، الأحياء أموات بركضهم وراءَ عادات لا علاقة لها بتُراث عُروبتنا الأصيل، ولا علاقة لها بالدين، فتَرى التخلُّف يلبَسُ لحية وعَمامة، أو تلبسهُ بدلة رسمية وربطة عُنق، نرى الأشياء على حقيقتها ونخجل، أو بالأحرى نخاف أن نُسميها بأسمائها الحقيقية. نقفُ عاجزين عن تحقيق أهدافنا الاجتماعية رغم أنّ الظرف الموضوعي قد يسمح بذلك.
لماذا هذا العجز؟
ألسنا غائرين في الهَم الشخصي بعيداً عن العام؟ أَلم نتحوّل إلى مجتمع مستهلك غير مُنتج؟ فكيفَ لهذا المجتمع أن ينهض من سُباتهِ الطويل وأحياءهِ أموات؟ كيف لنا أن نتحرّر من مُستنقع التخلُّف ونحنُ ما زلنا نعتقد أنّ اللّحية قد تصنَعُ "شيخاً" وزجاجة الويسكي قد تصنعُ "مناضلاً"؟! كيف لَهُ هذا المجتمع المسكين، أن يكونَ سَويّاً وقتلُ النساء فيهِ مثلَ "شربة المي"؟! كيفَ لأبناءنا أن يناموا في ليلِ راحتهم وصوت المفرقعات والرصاص لا يهدأ حتى مع آذان الفجر.
أكتبُ وأشعرُ أنني في حالة من الانفجار أو الانهيار، وكلتا الحالتين إنعكاس لحالة من البؤس أشاهد تفاصيلها يومياً في زواريب هذا المجتمع، في الحياة اليومية وهمومها في السياسة وعُهرها في الشارع وضجيجهِ، في حالة الارتباك لدى جمهور الشباب من واقع لا فراغ فيه إلا الفراغ، في حالة الاغتراب والاحتراب، ما أوصلني إلى ابن خَلدون وشرابي وغيرهم مشهدين، أسمع وأرى على شاكلتهم الكثير، ولكن ليس هناكَ من يحركُ ساكناً، كأنّكَ على دكة الموتى تكتبُ وصيتكَ الأخيرة، قبل أيام كانَ ينوي المأفون باروخ مارزل وعصابته الدخول الى عرابة البطوف، ليسَ مهماً الدافع المُعلن وراءَ ذلك , تجمهرَ على مدخل عرابة المئات من الشبان لمنعه من الدخول شاركتُ، رغم عدم قناعتي، في هذا التجمهر مع إبنتيَّ ،عند دخولنا الى الحشد لم تكن هناك أيّة فتاة، كانتا تتقدماني بخطوة أو خطوتين، شاب في مقتبل العُمر يقف مع أصدقاءهِ، إلتفتَ الى صوت الأنثى وإستأسدَ كأنّ الفريسة وقعت في شِباكهِ، "وغرّدَ" ترحيباً لم ينتبه أنني معهنَّ وهن حاملات لعلم فلسطين ليتظاهرنَ ضدَّ القادم ليغتصبَ شرفَ البلد.
في واقعة أخرى حدَّثني صديق أنَّه سمع حواراً بين شابٍ وفتاة بالبثّ المباشر على الهاتف المحمول بالصوت والصورة، حيث جلس صُدفة في مقهى في إحدى القرى العربية، وكان هذا الشاب يتحدّث مع فتاة عربية في محادثة حميمية جداً وهو يشاهدها على شاشة هاتفهِ وهي كذلك ، وحولَ طاولةِ هذا الشاب يتحلّق مجموعة من الشبان يشاهدون الفتاة وهم بعيدون عن عين الكاميرا وطبعاً صوت المحادثة يملئ فضاء المقهى، واشتدَّ المشهد حميمية عندما طلب منها أن تكشف عن صدرها وقد فعلت.
كل هذا لن يمنعني من أن ازرع معنى الشرف في أبنائي وبناتي وأمام هذا الواقع لا يسعني الا ان اقول لمارزيل: نَم وإستَرح، فَأنتَ حاضرٌ بيننا بقوة .
موقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان:alarab@alarab.net