عجائز الحي: قصة ممتعة لأطفال العرب.نت الحلوين
"هِوايتي الوحيدةُ مساعدةُ عجائزِ الحيِّ" هكذا قالَ التلميذُ فارسٌ عندَما جاءَ دورُه بين أقرانِهِ منَ التلاميذِ ، عندَها ضحكَ جميعُ تلاميذِ الفصلِ، فقد اعتادوا جميعا أن تكونَ الهوايةُ ممارسةُ الأشياءِ الممتعةِ مثلَ لعبِ الكرةِ أوِ الرَّسمِ أو السباحَةِ أو التنزُّه في الحدائقِ أو حتىَّ القِراءة. طلبَ المعلمُ مِنَ التَّلاميذِ الكفَّ عنِ الضَّحِكِ ثمَّ طلبَ من فارسٍ التحدُّثَ عن هوايَتِهِ .ومعَ ضَحِكاتِ التَّلاميذِ التي عادَت مرَّةً أخرى بدأَ فارسُ شرحَ هوايَتِهِ فقالَ: أنا أصحو مبكِّراً، وأذهبُ إلى المخبَزِ لإحضارِ الخبزِ إلى الخالةِ "زينب " التي لا تستطيعُ المشيَ لِكِبَرِ سنِّها، ثمَّ أذهبُ مسرعًا، وأشتري صحفَ الصباحِ حتى يقرأَها العمُّ "صبحي ".
ويستمرُّ ضحكُ التلاميذِ، ويفشلُ المعلمُ فى إسكاتِهِم، فى حينِ يتمالكُ فارسٌ نفسَه، ويواصلُ حديثَه بعد أن يطلبَ منه المعلمُ الاستمرارَ: أساعدُ أيضاً العمَّ "محمود" فى فتحِ دكَّانهِ فهو يعيشُ وحدَه وليسَ لديه أولاد يساعدونَه.
يتوقَّفُ فارسٌ عنِ الكلامِ مع تصاعُدِ ضَحِكاتِ التَّلاميذِ، وسخريَّتِهِم يحاولُ الحديثَ وهو على وشكِ البُكاء : كما أنَّني .. كما أنَّني أذهبُ إلى بيتِ المسنِّين عَقِبَ صلاةِ العصرِ لزيارةِ أصدقائي من عجائزِ الحيِّ. وما إن يتوقَّف فارسٌ عنِ الكلامِ حتَّى يصفِّق المعلمُ فرحًا قائلا : جزاكَ الله كلَّ خيرٍ .. جزاكَ الله كلَّ خيرٍ .. هذهِ أجملُ هوايةِ سمعتُ عنها في حياتي.. ينظرُ فارسٌ إلى المعلمِ بدهشةٍ كبيرةٍ وهو غيرُ مصدِّقٍ ردَّةَ فعلهِ، ثم تتحوَّلُ دهشتَه إلى سعادةٍ كبيرةٍ حينما يطلبُ المعلمُ من تلاميذِ الفصلِ القيامَ والتَّصفيقَ لفارسٍ مكافأةً له على هوايَتِهِ الرائعةِ ، وتزيدُ دهشةُ فارسٍ ومعه تلاميذُ الفصلِ حينَما يخلعُ المعلمُ ساعتَه من يدِهِ ويعطيها لفارسٍ قائلا: هذه الساعةُ أعطاها لي والدي رحمَهُ الله هديَّةً، ولكنِّي سأعطيها لفارسٍ بشرطٍ.
يحبسُ الجميعُ أنفاسَهم وهم ينظرون إلى المعلم وهو يواصلُ كلامَه: سأعطيها لفارسٍ شرطَ أن يَعِدَني بألا يتخلَّى عن هوايَتِهِ أبداً.. يبكي فارسٌ فرحاً وامتناناً لمعلِّمِهِ ويحاولُ أن يثنيَ المعلمَ عن قرارِه قائلا: سأعدُك يا أستاذي بدون أن أحصلَ على أيِّ هدايا ولكنَّ المعلمَ تقدَّمَ، وأعطى الساعةَ لفارسٍ وهو يربِّتُ بيدِه على كتفهِ.
ثم التفتَ المعلمُ إلى تلاميذهِ قائلا: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "مثلُ المؤمنين في تراحُمهم وتوادِّهم وتعاطُفهم كمثلِ الجسدِ إذا اشتكى منهُ عضوٌ تداعَى لهُ سائرُ الجسدِ بالسهرِ والحمَّى". وحثَّنا رسولُ الله صلى الله عليهِ وسلَّمَ على احترامِ الكبيرِ، وتوقيرِه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم...."
واختتمَ المعلمُ حديثَه قائلا : ولابدَّ أنكم تعرفونَ قولَ الرسول صلى الله عليه وسلم: " ليس منا من لم يرحَم صغيرنا ويوقّر كبيرنا".
وتمرُّ السنواتُ، ويصبحُ فارسٌ شابًّا يافعاً ولا يتوقَّف يوماً عن مُمارَسَةِ هوايَتِهِ المفضَّلَة التى أصبحَت تشغَلُ جزءاً كبيراً من وقتِهِ فقد أصبحَ معظمُ عجائزِ المدينةِ وشيوخِها من أصدقاءِ فارسٍ وخصوصاً بعد أن أنشأَ مع أصدقائِهِ جمعيَّةً لرعايةِ العجائِزِ ومساعدَتهِم ، وتقتربُ الانتخاباتُ البرلمانيةُ وإذا ببيتِ المسنين َيطلبُ من فارسٍ الحضورَ إليه فى أمرٍ هامٍّ، وعلى الفورِ يذهبُ فارسٌ إلى هناك، ولكنه ما إن يقتربْ من بيتِ المسنين، حتى يرى مفاجأةً تتسمَّرُ لها قدماهُ، فقد وجدَ لافتةً كبيرةً تكسو بيتَ المسنِّينَ بأكمله وعليها صورته، مع كلماتٍ تدعو الناخبينَ إلى انتخابِ "مرشح كل العجائز والمسنين بالمدينة".
يدخلُ فارسٌ إلى بيتِ المسنِّين مشدوهاً وسطَ استقبالٍ حافلٍ من كلِّ العجائزِ الذين حضروا لردِّ الجميلِ لفارسٍ، ويقفُ فارسٌ صامتاً عاجزًا عن الكلامِ و يقفُ مديرُ نادى المسنِّين قائلا: نحنُ لا نريدُ منكَ أن تقولَ شيئاً، نحنُ فقط نريدُ منكَ أن تكملَ مشوارَك الذي بدأتَه وذلكَ بأن تكونَ ممثِّلَنا فى البرلمان لمساعدةِ كلِّ عجائِز المدينةِ، ونحن جميعاً خلفَك ."
وتنتهي الانتخاباتُ، ويفوزُ فارسٌ بمقعدِ البرلمانِ وسطَ فرحةٍ شديدةٍ من كلِّ عجائزِ المدينةِ رجالا ونساءً، الذينَ جاؤوا للاحتفالِ بصديقِهم وإذا برجلٍ عجوزٍ يتحرَّكُ بصعوبةٍ يطلبُ الكلمةَ ثم يقتربُ من مكبِّرِ الصوتِ: ويقولُ أريدُ أن أسألَ نائبَنا فى البرلمانِ سؤالا فهل يسمحُ، وهنا يجيبُ فارسٌ بالطبعِ يا سيدي تفضَّل.
يقول الرجلُ: ما هوايتُك المفضَّلة ؟
ينتفضُ فارسٌ من مكانِه راكضاً ليحتضِنَ الرجلَ وهو يبكي و يقولُ: هوايَتي مساعدةُ عجائزِ الحيِّ يا معلمي.. والفضلُ يعودُ لله ثمَّ لك.
موقع العرب يتيح لكم الفرصة بنشر صور أولادكم.. ما عليكم سوى ارسال صور بجودة عالية وحجم كبير مع تفاصيل الطفل ورقم هاتف الأهل للتأكد من صحة الأمور وارسال المواد على الميل التالي: alarab@alarab.net