أمي يا آذار الأرض/ بقلم: محمد كناعنة
محمد كناعنة:
سبب وجودي في هذه النزهة الليلية هو عقاب على محاولتي سؤال أسرى قادمين من سجن الجلبوع الى سجن شطة عن أحوال شقيقي حسام القابع هناك
أخط هذه الرسالة من داخل زنزانة طولها أقصر من طول جسدي بسنتيمترات، ومرحاض رائحته تزكم الأنف، وعرضها اقل من طول ذراعيَّ، من كوّةٍ صغيرةٍ يتسلل زَحْف الربيع على سفوح الجبال، بردُ بقايا الشتاء يقرص غضبي، يقلّب مواجع الماضي، ليست المرة الاولى التي أكون فيها هنا، ولكن اليوم "سبب" وجودي في هذه النزهة الليلية عقاب على محاولتي سؤال أسرى قادمين من سجن الجلبوع الى سجن شطة عن أحوال شقيقي حسام القابع هناك للعام العاشر على التوالي، وفي خِضَمّ هذا التلاطم أرحل أول ما أرحل الى أمي.
البحث عن الحقيقة
اليك امي اكتب من قلب هذا الكيس الحجري، وأقرأ في عينيك ذاك القلق الذي لازمك والعتاب خوفا، علينا قبل 34 عاما عند عودتي من اعتقال لعدة ايام، وكانت زيارتي الاولى لزنازين التحقيق، يومها ضربني المحقق وهو بالصدفة عربي مسلم، يومها كانت الخيانة وجهة نظر، واليوم هي ضمن الحريات الشخصية، في تلك المرحلة كنت اتلمس طريقي في الحياة بعد تجربتي مع يوم الارض عام 1976، طفلا كنت حين خرجت ليلة الثلاثين من آذار الاول، الى النهر الذي جرفني صوب نبع الحقيقة.
مظاهرة غضب
لم أُتم الحادية عشر من عمري، سرت في مظاهرة غضب لم أعرف معناها، شاهدت أبطالها الحقيقيين، شباب لا يحترفون الكلام والخطاب، في مقدمة مواجهة عساكر الجيش والشرطة، رأيت فيهم ما كنت أبحث عنه، أحدهم حملني بعضا من الطريق وما زالت بسمته محفورة في ذاكرتي، كانوا من رجال رجال البلد، أذكر منهم: محمد الترك، محمد الرافع كناعنة، عثمان البطاطا عاصلة، محمد يحيى نصار وغيرهم ، صورهم مازالت محفورة في ذاكرة الارض، وهتف ذاك الطفل معهم، يحمل بيديه حجرين لا يعلم الى أي مدى يستطيع أن يرميهم، ولكنه عرف في أي اتجاه.
ليلتها، لأول مرة لم يخَف ذاك الطفل من عقاب والده اذا ما عاد الى البيت ما بعد المغيب ، كسر حاجز الخوف وانتفض على طوق الصمت، تماما كما حصل ليلتها مع جماهير يوم الارض الخالد، كانت الانتفاضة الاولى بعد النكبة، صرخة غضب وتلبيةً لنداء الام – الارض، خرج الناس الى الشوارع مُتَّحدين، ولاطم الكف المخرز، "وتمرد الشيخ والعكاز والحجر"، وكانت صرخة الرؤساء الوطنيين نعم للاضراب متَحدّين السلطة وأعوانها، وفي طليعة هؤلاء طيِب الذكر المرحوم محمود نعامنة أبو المأمون رئيس مجلس عرابة والقائد توفيق زيّاد أبو الامين طَيّب الله ثراه رئيس بلدية الناصرة، وهذان بالتحديد من الرؤساء – ابا الامين وأبا المأمون – من تعرضا للضرب والاعتداء من قبل أوباش السلطة وشرطتها.
اجساد تحترق بفعل القنابل
ليلتها، فجأةً وجدت نفسي على مدخل البلد الرئيسي، آلاف الناس من حولي شيوخ نساء شباب وأطفال، صراخ ودماء، هتافات عن الشهيد، ما هذا الشهيد؟! تساءلت، اجساد تحترق بفعل القنابل المضيئة التي أطلقها حشد جيش "الدولة التي نحيا بها" أحدهم يحمله الشباب على الاكتاف، يداه تتدلى الى الاسفل، خيط من الدم يصل رحم هذه الارض، منها اليها عليها، صوت الرصاص أرعب الطفل الهائم بين ضجيج المجنزرات ونداء الام لأبنائها، وكذا انتبهت أن وقتا آخر قد بدأ، قد تجاوزنا المغيب منذ زمن، ركضت صوب مركز البلد كما كان يفعل الكثير من الناس، جئتك أمي لاهثا، إحتضنتني، سمعت صراخا في كل مكان، الجيش إحتل البلد صاح أحدهم، ممنوع التجول قال آخر، خرجنا لنتفرّج على منع التجول هذا، غدا هو الاضراب ومعه منع التجول، من على شرفةٍ مُطلةٍ على ساحة باب الزاوية شاهدت نساء الارض يتصدّين للجيش، يخلّصن الشباب من أيدي الجنود، يُخرجن احد "الرجال" من قن الدجاج، ام سليمان وام السعيد وام مصطفى الجغروف , نساء من بلدي ومعهن الكثيرات .
وكما الأم الفلسطينية دائما هي في مقدمة الذَودِ عن الكرامةِ والانتماء، ولّادةٌ للحياة، الى جانب الرجل في خندق المقاومة، حينها لم يكن بعد قد تغلغل التمويل الاجنبي، ولم يهبط على مسامعنا "أنّ النساء لهن ميلٌ طبيعي نحو السلام " وتصبح العلاقات النسوية الفلسطينية - الصهيونية شرطاً لهذا التمويل وبوابةً للتطبيع. فالأم الفلسطينية لا ترمي ابنها الى الموت، فهي تهبُ ابنها ونفسها للمقاومة من اجل الحياة.
منعيش بهاي الدولة ومنحمل هويتها!
ليلتها لم تكن نساء عرابة تعلم ان التطريز يتم بالخرز الازرق والابيض كما ذهبت مديرة احدى الجمعيات النسائية الناشطة، ليلتها تم كسر حاجز الخوف وبُدأ برفض جماعي لرفع علم "اسرائيل" في مدارسنا لتعود هذه المديرة ذاتها وتشرعن بعد ثلاثة عقود لطالبات المانيات وعرّابيات ان يرفعن رمز الاحتلال مرسوماً على جسرٍ كرتوني مع الهلال والصليب على انه رمز للسلام، يداس بالاقدام عند اول امتحان، طبعاً لن تفهم هذه المديرة ما اقول، فهي ليست ابنة هذه الارض، وتحمل عقدة الذنب تجاه الاخر وقالت بنبرة امبريالية "انا بدي اساعدكم ، احنا منعيش بهاي الدولة ومنحمل هويتها" عفواً سيدتي فهذه الارض تتكلم عربي وهي هويتنا وانتماؤنا.
عدت اليك امي باسماً بعد اعتقالي ذاك وقد خبرت معنى النوم في الزنازين والضرب والشتائم على ايدي اشخاص يتكلمون العربية مثلنا، اسمائهم كاسمائنا، عدت وقد كبرت في داخلي فلسطين التي رسمتها في دفتر يوميات الصف وكانت سبباً في هذا الاعتقال وبداية لعذاباتك مع ابناءك، وما زلتِ حتى اليوم في الفراقِ والبعدِ، شممتِ في ملابسنا رائحة الزنازين، هرمتِ قبل الاوان بكثير وكبرنا بك ، جلستِ وما زلت على حافة شباك البيت المطل على الطريق انتظاراً لعودة قد تطفئ دمعة او تشعل اخرى..
عذراً منك امي وكلَ عامٍ وانتِ قِبلَتي وقُبلتي .
موقع العرب يفسح المجال امام المبدعين والموهوبين لطرح خواطرهم وقصائدهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع منبرا حرا في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية منبر العرب. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع على العنوان:alarab@alarab.net