كل العربالنسخة الكاملة ↗
منبر العرب

باسل ذو العين الواحدة..قصة بقلم: كفاح

موقع العرب وصحيفة كل العرب - الناصرة · 16/03/2013 الساعة 11:38

في زاوية المقهى ، يجلس رجل يناهز عمره الثلاثين ، تقمص الليل عينيه، والبراءة وجهه ، خصلة شعر بيضاء ملقاة على جبينه بإهمال ، يدخن سيجارته ، يمسكها بإصبعين رفيعين ، ينفث دخانها ، ويختلط دخان سيجارته مع دخان افكاره...ويسرح في خيال من ماضٍ بعيد ..
على تلة منسية..في بقعة منسية..في زمان منسي....تقبع قريته الصغيرة...يسمونها قرية النسيان يتعارك غسقها مع دجاها ..تنتثر دماء المعركة على اصال السماء...وفي الجولة الاخيرة ، يحسم المعركة قمر القرية المنسي بعدّة حياكته الأزلية ، ينسج رقعا من النجوم المتلألئة على قماش حالك السواد..وبين الفينة والأخرى..يطل القمر على شباك بيته القديم...يطمأن عليه....فهو لم ينم بعد ، وصديقه لم ينم بعد، يسترق السمع الى شوشرته ، يود لو ترجم عذابه الى ثوب براق ليهديه الي محبوبته الشمس...شمس القرية المنسية ، اللتي تأبى ان تلاقي القمر ..
ينسدل خجلاً شعاع شمس خافت الى مساحة الليل ، لينور اول خيط ضوء معلنا قدوم الفجر،قدوم ملكته الشمس ، تزور الشمس شباك باسل بعد ليل مضني....وتبدأ الحكاية اليومية.
- باسل قم هيا ، حان وقت المدرسة ، اذهب واشتري الفطور.
- حاضر امي ...
أم باسل ، ربة بيت نشيطة ، انجبت بعض الأطفال ، تزوجت في السادسة عشر من عمرها زواجا تقليدياً ، تفني نفسها في اعمال البيت ، وعندما يعود اولادها من المدرسة ، تذهب الى جارتها سعاد حتى حلول الليل !! وعودة زوجها من عمله في ساعة متأخرة ، تحضر له العشاء ، يذهب الأولاد الى النوم ، وأحيانا يطلب منها حقه الزوجي وأحيانا اخرى يتناسى وجودها الى جانبه ، ويخلدان في نوم عميق.
يتذكر امه بردائها المهمل،وجهها البارد الملامح ، نبرة صوتها القاسية.يتذكر مرة بها كان خائفا بعد حلم فظيع، كم تمنى حضنها ، يعبق في رأسه رائحتها المميزة، وتتلاشى الرائحة دوما بصوت تكسير الاواني...
-سيدي ، هل احضر لك فنجان اخر من القهوة؟
يسحبه صوت النادلة من ماضيه البعيد،ويومأ لها بالإيجاب.
يذكر نفسه قليل الكلام ، قليل الحركة ، لا ينبس ببنت شفة ، كان دائم التوتر والخوف... نفسه الصغيرة كانت تعلم انه ليس ككل الأولاد ، ولكن نفسه الصغيرة لم تسعفه على ايجاد الأجوبة.
-تفضل سيدي قهوتك ..
اخذها راسما نصف ابتسامة ، ترى ما كل هذا الحزن الذي يحتويه؟ولماذا يستصعب الحوار مع الغرباء...يذكر مرة عندما جلس مع عائلته في غرفة الصالة ، ويضج المكان بضيوف وكلام هو لم يفهمه كثيرا.
-ولدي باسل هو ولد مطيع ، يذكر صوتها مفتخرة،وسوف يكون الاول بمدرسته بالصف الأول.
يذكر كيف تساءلت نفسه ، لماذا لا يسمع هذه الحنية في نبرتها بعدم وجود الغرباء؟
-اذهب يا بني واحضر صينية القهوة للضيوف.
للان لم يفهم باسل ، لماذا غضبت امه عندما تعثرت رجله بالسجادة ووقعت الصينية من يده ، ولكنه يذكر تهامسهم وتهامزهم عليه ، وانه من ذلك الحين لم يعد ينطق بكثير من الكلمات في حضرة الغريب إلا وقت الضرورة.
- اتريد المزيد من القهوة سيدي؟
- لا ، الحساب لو سمحتي.
دائما كان يعلم بأنه يهاب حواء ، وانه لا يستطيع الاقتراب منها ابدا ،منذ التقاءه بتلك الحواء، معلمته الاولى ...باتت لأسئلته اجوبة، فقط منذ ذلك اليوم...
- باسل انت اليوم سوف تصبح بالصف الأول ، اريدك ان تصغي جيدا للمعلمة، وان تشارك بالصف،وويلك إن لم تفعل!
- حاضر امي...
كان بوده لو ربتت على كتفه بلطف ، كان بوده لو اجابته لماذا هو دونا عن باقي الناس يشعر بأنه مختلف ، كان بوده لو سألها بماذا هو مختلف ؟ ولماذا هي دائمة الغضب منه؟وتقول انه مدلل وقليل التركيز هائما دوما؟


- مرحبا بكم يا طلاب بالصف الاول ، في البداية بودي ان يرسم كل طالب منكم على دفتره، شيئا هو يحبه جدا..
الرسم ؟ هو يعلم جيدا انه يخشى الرسم فطالما سخرت منه معلمة البستان ، ومن رسوماته الناقصة.
- ما اسمك عزيزي؟
- باسل ( يجيبها خائفا مطأطأ الرأس)
- وماذا ترسم؟
- ارسم صديقي "سمسم " ، انه صديقي جدا ويذهب معي اينما ذهبت ، حتى في حلمي اراه يلعب معي،وعندما تصرخ امي... ثم يتدارك نفسه ويصمت.
تلاحظ المعلمة ان الرسمه حصرت بقسم واحد من الورقة والقسم الاخر ابيض.
- باسل عزيزي ، لماذا لا ترسم على كل الورقة ؟ اهناك رسمه اخرى بودك ان تضيفها هنا؟
- لا .. يقول مستغربا سؤالها
- ضع يدك على عينيك اليمين ، كم اصبع على يدي؟
- ثلاثة...
- والآن على عينيك اليسار ، كم اصبع؟
- صمت
- لماذا لا تجيب؟
- لا ارى أي شيء !!!!! ارى سوادا حالكا لا ارى !! لا ارى !! ....ويجهش بالبكاء...
يداري دمعة تنزلق من عينه ، بطريقه من المقهى،يهرول الخطى الى بيته المنسي ، في قريته المنسية،وقصته المنسية.... إلا من خلايا ذاكرته التي تتلذذ بالتذكر دوما ، انه منذ ذلك اليوم وهو باسل ذو العين الواحدة ، شيء واحد فقط تناسته الذاكرة ..صوت تكسير الاواني...

 


موقع العرب يفسح المجال امام المبدعين والموهوبين لطرح خواطرهم وقصائدهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع منبرا حرا في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية منبر العرب. لإرسال المواد يرجي إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع علي العنوان: alarab@alarab.net

واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع