مدينة حزينة.. بقلم: غسان عبد الرحمن
انطباعات بمناسبة منح كفر قاسم مكانة مدينة
(1)لأن العالم مسرح كبير, على حد قول شيكسبير..
أخيراً جرت الامور اذاً كما كان ينبغي لها وكما كنا نتوقع لها أن تجري:
بعد اعوام من الوفاء وال"تنسيق" مع السلطات, أنبأتنا الصحف أن وزير الداخلية بشخصه قد اتصل بالعمدة السعيد وزف اليه البشرى, وقال بلسان المستعرب,مبروك!.
في اليوم الموعود من شباط حضرت حاشية الوزير الى البلد واستقبلته المنازل والنواطير وبعض الممثلين الصغار الذين يظهرون دائماً في أسفل الشاشة.
في حفل بسيط ملفق,في حضن المركز الجماهيري الذي لا تأتي اليه الجماهير, في مسرحية ركيكة بغير جمهور, عنوانها (العبث).. قضي الأمر وتم الاعلان عن كفر قاسم كمدينة.
(الجماهير كانت تمر في سياراتها وحسبها أن تنظر)..
منذ ذلك الحين خرجنا من بلد الشهداء رسمياً ودخلنا في عهد- ما بعد كفر قاسم...
والمفروض الان أن نفرح رغم أنوفنا وأن نذوب في غراب البين, وأن نسرع لدفع الفواتير وضرائب الحماقات والمزيد من الرسوم والفواتير لتغطية العجز والصفقات وقلة البركة بما كسبوا وأحدثوا.. ولكم أيضاً أيها المواطنون المثابرون .. أن تعدوا أصواتكم عندما يحين الوقت ..
.. لأن الحياة أيضاً.. هي لغز كبير: ما الشيء الذي يضرك ويرهق كاهلك وأنت لا تنفك تعبده وتسعى من أجله؟!
(2) الهدية لم تصل بعد..
ولكن.. وعدنا المسؤول والوكلاء بأن الأموال والهبات ستتدفق علينا من كل الجهات, وأن الشكات الراجعة كلها سوف تصرف قريباً, ويتنفس الطين وتنبسط الشياطين وينجلي الغم.
كما وعدوا بأنهم سيهدون الينا قطعةً كبيرةً من أرضنا.. ليقيموا عليها مصانعهم ومشاريعهم.. (هدية من عندهم!)
وردد الاخوة ما قيل, ولكن, لا حياة مع الغباء.
* * * * *
وكذلك أصبح بلدنا مدينة.. مدينة حزينة.. ووا أسفاه على تلك الدروب والطيوب والمراعي والوجوه الرائقة.. وبأي شيئ أصبحت كذلك؟
اسألوا أخواتها القريبات والبعيدات في المثلث والجليل والنقب عن حالهن وعن موَالهن وعن شبابهن المغلوب. واسالوا أطباء القلوب عن القلوب. ومن الان فصاعداً ..
-اسألوا الشرطة عن كل ما تريدون.
(3)لا حياة بغير حياء
لأن شيئاً لم يتغير في طريقنا غير لافتة هزيلة كتب عليها بغير حب ولا رحمة: (مدينة كفر قاسم ترحب بكم)!!
ولأننا نعرف أن الرعاة في صف الذئب .. وأن عمال الخراب منا وفينا.. وأنهم لا يرجعون.. ولأن الكل يعرف أن بلدنا لا يملك من المواصفات الا الاسم- (هو في الحقيقة ليس قرية ولا مدينة ولا مخيماً, بل شكل جديد مبتكر من أشكال الهندسة السكانية).
فمعنى ذلك أنهم لا يزالون يكذبون علينا, حتى في وقت يعرف فيه الجميع يقيناً أنهم يكذبون ويتمتعون بذلك.
وأنه.. أصبح من اللازم أن نسجل في هذا السياق أهم منجزات الاخوة خلال عشرين عاماً من توليهم لادارة شؤون بلدنا: الكذب ثم الكذب.
(4) لمن يهمه الامر
نسي أولوا الأمر ام تناسوا أن يشرحوا لمن يهمهم الأمر بأي شيئ استحقت المدينة وصفها؟
فها نحن اولاء نستنبط ما سكتوا عنه:
سمة أولى للمدينة في مفهوم العهد الجديد, أنها تحتضن وتؤوي كل من هب ودب. فلا مجال لأحد أن يعترض على أحد.
وسمة ثانية, أنها تتميز من هذه القترة التي ترهقها من الدخان والضغط والافات والنفايات. ومن المؤكد أن وزير السياحة لن يأتي الى هنا أبداً الى أن يرث الله الأرض.
(5) اذا نامت السباع فارتعي يا سعاة..
كل شيئ في مدينتنا على ما يرام..
كل جدع في مكانه, كل حجر, كل شجرة, كل مسمار, كل مصباح, كل حفرة او مطب في الشارع السلطاني, كل شاردة وواردة, كل وظيفة,كل كرسي..
كل شيء في مدينتنا, في مكانه المناسب.. لدرجة أنها تبدوا أحياناً مرتبةً أكثر من اللازم.. وحتى أنها أصبحت غير صالحة للسكنى(طبعاً بالنسبة لأهل القرى).
(6) شيخ
كما يليق بكل قرية ان يكون لها شيخها ومرجعها, كذلك تفخر مدينتنا بشيخها الثقة الظريف الأموي الراسخ في الحرفة والحرف.
-لولا أنه- وبدلاً من الانصراف لمحاسبة نفسه والتفكر في أمر مساجد عامرة مزدحمة مزخرفة لكنها خربة من الهدى..- قد جعل أكبر همه, ويا للعجب, الغمز واللمز على طهران وأطماع الفرس!!. وحتى الموتى في قبورهم في الذكرى الاخيرة للمجزرة سمعوه يرطن بمثل هذه الدعاوي وانزعجوا..
يليه ذلك الالحاح الشديد والدعوة الجاهدة لاثبات ضرورة التوصل الى تسوية مع طرف لا يريد التسوية أصلاً. (هو ما أوضحه الصحفي جدعون هليفي في مقالة له نشرت بصحيفة هارتس بعد مبادرة السلام العربية- قال: أثبتت اسرائيل وزعماؤها منذ البداية وما زالوا انهم لا يريدون السلام وما كانوا يريدونه يوماً).
يبقى لنا الغبار والاهات.. ويبقى للشيخ مركزه(مركز ادم للحوار بين الحضارات) وبيته الدافئ الذي أسسه على أساس الهواء في العراء.
والله أعلم
ملاحظة:يقول لك ابونا ادم عليه السلام: قد ابتذلت الاسم وحشرتنا مع التجار.. ويقول أيضاً: دعك من الحضارات ومن هذه الحكايات ايها الموفق,(وحتى غزة يمكنك أن تنساها) وركز على نظافة بلدك وطهارة مائه وأجوائه. أولى لك فأولى.
(8) خير يا طير
قل لكل طير:
خير أيها الطير؟
ذلك ما ينبغي أن يكون في كل أمة لكي لا تختل الموازين –((ولتعرفنهم من لحن القول))..
قل للدجال أنه دجال. وقل لمن خان الأمانة: لا تحص أمامنا فضائلك وبطولاتك.
قل للتافه, ما دام يتمطى ويتباهى: اجلس ولا تقم فينا خطيباً واعظاً.. قل لمن تولى الظالمين او سكت عنهم أنه منهم.
قل: أيها الأستاذ, أيها الفقيه!
متى, أخيراً, تكلمنا في الموضوع, تحكي عن الوجع أو تريحنا..
أو, فاقرأ-كذلك تكلم "الفلاح الفصيح" في النص المصري القديم:
"أنزل العقاب بمن يستحق العقاب, ولن يوجد شيء يشبه نهجك الصائب.هل تخطئ الموازين؟ هل ينحرف ذراع الميزان الى جانب؟ لا تنطق بالكذب لانك عظيم! لا تنطق بالكذب لانك أنت الموازين.لا تنحرف لأنك مقدار صائب.تأمل: انك والموازين واحد. واذا مالت فأنت تميل. ان لسانك هو مؤشر الميزان. وقلبك هو المثقال. وشفتيك هما ذراعاه".
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع
(1)لأن العالم مسرح كبير, على حد قول شيكسبير..
أخيراً جرت الامور اذاً كما كان ينبغي لها وكما كنا نتوقع لها أن تجري:
بعد اعوام من الوفاء وال"تنسيق" مع السلطات, أنبأتنا الصحف أن وزير الداخلية بشخصه قد اتصل بالعمدة السعيد وزف اليه البشرى, وقال بلسان المستعرب,مبروك!.
في اليوم الموعود من شباط حضرت حاشية الوزير الى البلد واستقبلته المنازل والنواطير وبعض الممثلين الصغار الذين يظهرون دائماً في أسفل الشاشة.
في حفل بسيط ملفق,في حضن المركز الجماهيري الذي لا تأتي اليه الجماهير, في مسرحية ركيكة بغير جمهور, عنوانها (العبث).. قضي الأمر وتم الاعلان عن كفر قاسم كمدينة.
(الجماهير كانت تمر في سياراتها وحسبها أن تنظر)..
منذ ذلك الحين خرجنا من بلد الشهداء رسمياً ودخلنا في عهد- ما بعد كفر قاسم...
والمفروض الان أن نفرح رغم أنوفنا وأن نذوب في غراب البين, وأن نسرع لدفع الفواتير وضرائب الحماقات والمزيد من الرسوم والفواتير لتغطية العجز والصفقات وقلة البركة بما كسبوا وأحدثوا.. ولكم أيضاً أيها المواطنون المثابرون .. أن تعدوا أصواتكم عندما يحين الوقت ..
.. لأن الحياة أيضاً.. هي لغز كبير: ما الشيء الذي يضرك ويرهق كاهلك وأنت لا تنفك تعبده وتسعى من أجله؟!
(2) الهدية لم تصل بعد..
ولكن.. وعدنا المسؤول والوكلاء بأن الأموال والهبات ستتدفق علينا من كل الجهات, وأن الشكات الراجعة كلها سوف تصرف قريباً, ويتنفس الطين وتنبسط الشياطين وينجلي الغم.
كما وعدوا بأنهم سيهدون الينا قطعةً كبيرةً من أرضنا.. ليقيموا عليها مصانعهم ومشاريعهم.. (هدية من عندهم!)
وردد الاخوة ما قيل, ولكن, لا حياة مع الغباء.
* * * * *
وكذلك أصبح بلدنا مدينة.. مدينة حزينة.. ووا أسفاه على تلك الدروب والطيوب والمراعي والوجوه الرائقة.. وبأي شيئ أصبحت كذلك؟
اسألوا أخواتها القريبات والبعيدات في المثلث والجليل والنقب عن حالهن وعن موَالهن وعن شبابهن المغلوب. واسالوا أطباء القلوب عن القلوب. ومن الان فصاعداً ..
-اسألوا الشرطة عن كل ما تريدون.
(3)لا حياة بغير حياء
لأن شيئاً لم يتغير في طريقنا غير لافتة هزيلة كتب عليها بغير حب ولا رحمة: (مدينة كفر قاسم ترحب بكم)!!
ولأننا نعرف أن الرعاة في صف الذئب .. وأن عمال الخراب منا وفينا.. وأنهم لا يرجعون.. ولأن الكل يعرف أن بلدنا لا يملك من المواصفات الا الاسم- (هو في الحقيقة ليس قرية ولا مدينة ولا مخيماً, بل شكل جديد مبتكر من أشكال الهندسة السكانية).
فمعنى ذلك أنهم لا يزالون يكذبون علينا, حتى في وقت يعرف فيه الجميع يقيناً أنهم يكذبون ويتمتعون بذلك.
وأنه.. أصبح من اللازم أن نسجل في هذا السياق أهم منجزات الاخوة خلال عشرين عاماً من توليهم لادارة شؤون بلدنا: الكذب ثم الكذب.
(4) لمن يهمه الامر
نسي أولوا الأمر ام تناسوا أن يشرحوا لمن يهمهم الأمر بأي شيئ استحقت المدينة وصفها؟
فها نحن اولاء نستنبط ما سكتوا عنه:
سمة أولى للمدينة في مفهوم العهد الجديد, أنها تحتضن وتؤوي كل من هب ودب. فلا مجال لأحد أن يعترض على أحد.
وسمة ثانية, أنها تتميز من هذه القترة التي ترهقها من الدخان والضغط والافات والنفايات. ومن المؤكد أن وزير السياحة لن يأتي الى هنا أبداً الى أن يرث الله الأرض.
(5) اذا نامت السباع فارتعي يا سعاة..
كل شيئ في مدينتنا على ما يرام..
كل جدع في مكانه, كل حجر, كل شجرة, كل مسمار, كل مصباح, كل حفرة او مطب في الشارع السلطاني, كل شاردة وواردة, كل وظيفة,كل كرسي..
كل شيء في مدينتنا, في مكانه المناسب.. لدرجة أنها تبدوا أحياناً مرتبةً أكثر من اللازم.. وحتى أنها أصبحت غير صالحة للسكنى(طبعاً بالنسبة لأهل القرى).
(6) شيخ
كما يليق بكل قرية ان يكون لها شيخها ومرجعها, كذلك تفخر مدينتنا بشيخها الثقة الظريف الأموي الراسخ في الحرفة والحرف.
-لولا أنه- وبدلاً من الانصراف لمحاسبة نفسه والتفكر في أمر مساجد عامرة مزدحمة مزخرفة لكنها خربة من الهدى..- قد جعل أكبر همه, ويا للعجب, الغمز واللمز على طهران وأطماع الفرس!!. وحتى الموتى في قبورهم في الذكرى الاخيرة للمجزرة سمعوه يرطن بمثل هذه الدعاوي وانزعجوا..
يليه ذلك الالحاح الشديد والدعوة الجاهدة لاثبات ضرورة التوصل الى تسوية مع طرف لا يريد التسوية أصلاً. (هو ما أوضحه الصحفي جدعون هليفي في مقالة له نشرت بصحيفة هارتس بعد مبادرة السلام العربية- قال: أثبتت اسرائيل وزعماؤها منذ البداية وما زالوا انهم لا يريدون السلام وما كانوا يريدونه يوماً).
يبقى لنا الغبار والاهات.. ويبقى للشيخ مركزه(مركز ادم للحوار بين الحضارات) وبيته الدافئ الذي أسسه على أساس الهواء في العراء.
والله أعلم
ملاحظة:يقول لك ابونا ادم عليه السلام: قد ابتذلت الاسم وحشرتنا مع التجار.. ويقول أيضاً: دعك من الحضارات ومن هذه الحكايات ايها الموفق,(وحتى غزة يمكنك أن تنساها) وركز على نظافة بلدك وطهارة مائه وأجوائه. أولى لك فأولى.
(8) خير يا طير
قل لكل طير:
خير أيها الطير؟
ذلك ما ينبغي أن يكون في كل أمة لكي لا تختل الموازين –((ولتعرفنهم من لحن القول))..
قل للدجال أنه دجال. وقل لمن خان الأمانة: لا تحص أمامنا فضائلك وبطولاتك.
قل للتافه, ما دام يتمطى ويتباهى: اجلس ولا تقم فينا خطيباً واعظاً.. قل لمن تولى الظالمين او سكت عنهم أنه منهم.
قل: أيها الأستاذ, أيها الفقيه!
متى, أخيراً, تكلمنا في الموضوع, تحكي عن الوجع أو تريحنا..
أو, فاقرأ-كذلك تكلم "الفلاح الفصيح" في النص المصري القديم:
"أنزل العقاب بمن يستحق العقاب, ولن يوجد شيء يشبه نهجك الصائب.هل تخطئ الموازين؟ هل ينحرف ذراع الميزان الى جانب؟ لا تنطق بالكذب لانك عظيم! لا تنطق بالكذب لانك أنت الموازين.لا تنحرف لأنك مقدار صائب.تأمل: انك والموازين واحد. واذا مالت فأنت تميل. ان لسانك هو مؤشر الميزان. وقلبك هو المثقال. وشفتيك هما ذراعاه".