لا خير فينا إن أقمنا بمنازل أهالينا بل علينا التمتع بروح الابداع والخلق/ بقلم: خالد كامل
خالد وليد كامل في مقاله:
هذا يريد أن يصبح طبيبا إستمرارا ً لمكانة خاله وهذا محاميا ً وارثا سمعة عمه أو مراقب حسابات ليحفظ أملاك أبيه
العمران الانساني إنما يبنيه الشباب الطامعين غير الخانعين لأهواء بيئتهم الذين يأتون بما لم يأته الاوائل الذين لا يعرفون معنى القناعة بعملهم
أعظ نفسي وأبناء جيلي أن نحافظ على روح الابداع والخلق التي بعثها الله في نفوسنا وذلك من خلال أبنائنا مستقبلا نربيهم ليكونوا المميزين والسبـّاقين دائما
نعم تربّينا أن نكون كأعمامنا وأخوالنا نسخة مقولبة من الآباء لم يسل أحد عن مواهبنا رغباتنا وقدراتنا لم يأبه أحد بإحتياجات المجتمع الصناعية الزراعية الفكرية والفنية
في هذه الأيام تتغلغل عصارة تربية الأمس، في حاضر التعليم الأكاديمي، وينغمس شباب هذا المجتمع ودمه الخفـّاق، في عروق الجامعات، وتندمج أبوّة المستقبل في الكليّات مع البنوّه وآخر عهد للإتكاليه الأسريه. آلاف الشباب سيجلسون على مقاعد الدراسة الأكاديمية، منهم من للمرة الأولى ومنهم من هو مستمر بتمثيل أسرته، تربيته ومجتمعه في قاعة المحاضرات. والسؤال كم من هذه الآلاف يمثل نفسه بقدراتها، رغباتها وإحتياجاتها؟
الإختيار الأكاديمي
- لا أحد فالإختيار الأكاديمي وفقا ً لثلاثة محاور: التحصيل السيكومتري، الإمكانيات الماديّه والمحور الأهم التطلـّعات الأسريه، حيث تخلق الأسره في طفولة الأكاديمي العربي توجهات تخص رغبات الأسره عموما، وبالتالي يمثل الشاب على مقعده الدراسي مكانة أهله وتطلـّعاتهم المغروسة فيه.
لأن النكبه مازالت تنخر بشخصيّات آبائنا وتشوّه شخصيّاتنا، طوّر وسطنا العربي نزعه إتكاليه بتصرفاتها وأفكارها، فغدونا نسخا ً من بضع صور نقلـّد نماذج حياتيـّه معدوده. أي أن مجتمعنا سعى طيلة أول جيلين بعد النكبه لخلق صور إنسانيه تتعايش مع الكينونه الجديده، وتعيش في إطار ما يسمى دوله.. الكلمة التي لم تـَخبرها عروبتنا لقرون، وقد نجح هذا المجتمع الخصب بتوليد شخصيات طلائعية في العائلة، فتمخّضت كل عائلة طبيب أو محام ناجح وبدأت أطفال الأسرة تحذوا حذو هذا الرائد بتوجيه أهاليهم وتصبو للوصول إلى إنجازات هذا الطليع،- فهذا يريد أن يصبح طبيبا إستمرارا ً لمكانة خاله وهذا محاميا ً وارثا سمعة عمه أو مراقب حسابات ليحفظ أملاك أبيه.
نسخة مقولبة
نعم تربّينا أن نكون كأعمامنا وأخوالنا نسخة مقولبة من الآباء لم يسل أحد عن مواهبنا، ملكاتنا، رغباتنا وقدراتنا لم يأبه أحد بإحتياجات المجتمع الصناعية، الزراعية، الفكرية والفنية. يربّي الآباء أبناءهم بالإشارة إلى أملاك الأطباء والمهندسين و... ومكانتهم في المجتمع، فينشأ الطفل شابا ًأكاديميا ً يكمل ما بدأ غيره، كوسيلة لإستمرارية عائلته وروّادها متغاضيا ًعن تطلـّعاته، يطمح ليكون قمراً في سماء عائلته وفقا ً لمعايير حدّدتها الأخيرة متناسيا ً أن:
" قل للمشير الى أبيه وجده ... أعلمت للقمرين من أسلاف؟".
متناسيا أن الله تعالى لو شاء أن نكون أشباه ً لما جعل آدم وحواء يتناسلون ليصبحوا مليارات، فلماذا يخلق الله هذا الكم من الإنسانية ليعمروا الارض ما دمنا نسخا ًمعدودة لا نتميز بأعمالنا عن بعضنا؟. والإجابة أنه دائما يجب أن يكون هنالك مدراء مصانع يلوثون البيئة ومهندسو بيئة يصلحون ما أفسدت المصانع، أهمية عامل النظافة في الشارع كأهمية الطبيب بكليهما تتوازن الطبيعة لا غنى لأحد عن الآخر فقمة العطاء أن يكون الشخص هو الأفضل في مهنته أيا ً كانت، فمُسلـّك المجاري الذي يجيد عمله ويتميز به خيرٌ من المحام العاله على مهنته.
المجال الحرفي والفكري
وأتوقع أنه خلال أقل من خمس سنوات سيعاني مجتمعنا من ثغرة في المجال الحرفي والفكري، لن نجد حينها حدادا ً، نجارا ً او مزارعا ً في الاسواق فكل الشباب أرسلهم آباءهم الى الجامعات والكليات، وبهذا لن يبقى أناس ليمارسوا هذه المهن العظيمة صناعية او زراعية، فإفتتاح كليات "إدفع وإمشي" يهدم شرائح مجتمعنا أكثر مما يساعد شبابه، فتفتح هذه الكليات المجال لمن هم أدنى من مستوى الكفاءة لإمتهان مهنة ليسوا جديرين بها وكان الأصلح لو كان توجههم لملئ الفراغات المهنية في مجتمعنا وفقا ً لقدراتهم. لا أتهم نفسي وجيلي أننا منجرّون وراء خطوات غيرنا، بل أجرِّم آباءنا الذين إغتالوا فينا نزعة التميّز والإبداع.
روح المغامرة
أيها الآباء أذكركم " أنتم الأقواس وأولادكم سهام حية قد رمت بهم الحياة عن أقواسكم ... نفوسهم لا تقطن بمساكنكم لأن الحياة لا ترجع الى الوراء ولا تلذ لها الإقامة بمنازل الأمس". إستبحتم فينا التشبّه بالآلهه والتميز قتلتم روح المغامرة فينا والإبداع، لم نعد نصبو لنكون الأفضل في الإطار الذي بإمكانه أن يحوينا بل نصبو لنكون رجال كباقي الرجال نعمل ونكدح من أجل تربية أولادنا، فغدونا حيوانات نكمل سنة الحياة وحسب، لا نبتكر جديدا ً ولا نخلق ميزة تميزنا عن الغابرين، فنشغل ونحقق ما أراد أهلنا خوفا ً من أن نفشل في مرادنا إن سلكناه، ولكي نعلـّق فشلنا على أهواء أهالينا ورغباتهم الخاطئة ما وإذا لفظتنا الحياة دون تحقيق الغاية.
روح الابداع والخلق
وقد كان لآبائنا في نبي الله أسوة اذ يكتشف ملكات صحبه فيدفع حسّان بن ثابت ليتعلم العبرية والتوراة بأقل من عشرين يوم مستغلا مهاراته الأدبية ليُحاكي اليهود، ويسخـِّر دبلوماسية جعفر الطيار ليبعثه سفيرا ً إلى الحبشة، ويرسل ابن الوليد الى الروم متأملا شراسته وحنكته العسكرية، فيضع الرجل المناسب في مكانته التي يملؤها بهبات الله. لا يكرر الشخصيّات ولا ينسخها بعضها عن بعض كما يفعل آباؤنا. وأخيرا ً أعظ نفسي وأبناء جيلي أن نحافظ على روح الابداع والخلق التي بعثها الله في نفوسنا وذلك من خلال أبنائنا مستقبلا، نربيهم ليكونوا المميزين والسبـّاقين دائما في المجال الذي نتفرّس أنهم ذوي ملكات فيه، في الفن واللأدب، الزراعة والصناعة، ليطمعوا بشرف مروم ولا يقنعوا بما دون النجوم ليستحقوا إنسانيتهم، لقول فاليري" إن الانسان الذي لم يجرب أن يتشبه بالآلهه هو أقل من انسان".
العمران الانساني
وأختم بأن العمران الانساني إنما يبنيه الشباب الطامعين، غير الخانعين لأهواء بيئتهم، الذين يأتون بما لم يأته الاوائل، الذين لا يعرفون معنى القناعة بعملهم، دائمي التطلع إلى أعلى لا حدود لأفكارهم، لا يعرفون الراحة والرضى إلا عند موتهم.
"شبابٌ خـُنـَّعٌ لا خير فيهم وبورك بالشباب الطامحينا" .
موقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان:alarab@alarab.net