المعلم: مسؤولو اليوم كما في زمن المسيح يكمون الأصوات بالرصاص والدبابة والمدفع
سيادة المطران بطرس المعلم في مقاله:
لا انتصارَ للخير على الشر إلا بانتصار الحُبّ على البُغض والحياة على الموت وهذا هو ختام الأسبوع العظيم في فجر أحد القيامة
أكثر صالبي المسيح اليوم لا يجهلون ما هم فاعلون بل هم يفعلون عن سابقِ علمٍ ومعرفةٍ وتصوُّر تساندهم في التخطيط والتنفيذ عقولٌ وآلياتٌ جهنمية
متى يفيق المسؤولون من جميع الأطراف "فيعرفوا طريق السلام وزمن الافتقاد" قبل فوات الأوان فيُقلعوا عن المهاترات والمكابرات ولغة التهديد والحروب
حُبّ المسيح ليس للمسيحيين فقط بل هو لكل إنسان بدون استثناء ألم يأمر أتباعه: أحِبّوا حتى مَن يعاديكم؟ ففرح الحُب الشامل وانتصاره بالقيامة هو للجميع بدون استثناء
الإسخريوطي ليس وحيدَ التاريخ فالفضّة (والذهب والعملات الثقيلة على اختلاف أسمائها وبأكثر من ثلاثين بكثير) والخيانة والعملاء هي في كل عصرٍ ولكل جيل وفي كل مكان
منذ ألفي سنة لا تزال حجارة المستضعَفين في كل مكان تصرخ في وجه المستكبِرين الظالمين الذين يريدون كَمَّ الأصوات والضمائر بالرصاص المطّاط والغاز المُدمع أو بالدبابة والمدفع
عيّدَ "الغربيون" فصحهم الأسبوع الماضي، و"الشرقيون" يعيّدونه هذا الأسبوع. وفي كلا التقويمَين، الغربي والشرقي، يُسَمّى الأسبوعُ الذي يسبق الفصح "الأسبوعَ العظيم المقدّس"، ويبدأ مع أحد الشعانين. وفي تأملاتي هذه السنة، مرتين على التوالي، أحداثَ هذا الأسبوع العظيم، استوقفني بعضها وكأنه يجري اليوم: ففي دخوله أورشليم يوم الشعانين، كانت الجماهير تتزاحم من حول يسوع، فيفرشون له ثيابهم في الطريق، أو يقطعون أغصان الشجر ليفرشوها، هاتفين متهللين: أهلاً، مبارَكٌ الآتي باسم الرب، فيغتاظ البعض: يا معلم، إنتهِر تلاميذك. فيأتيهم الجواب: إن سكت هؤلاء صرخت الحجارة (لوقا 19: 39-40) - واليوم فالهتاف لمن يأتي باسم الرب لا يزال يغيظ الكثيرين، فيطلبون إسكاته وكَمَّ الأفواه، فتصرخ الحجارة. ومنذ ألفي سنة لا تزال حجارة المستضعَفين في كل مكان، تصرخ في وجه المستكبِرين الظالمين، الذين يريدون كَمَّ الأصوات والضمائر بالرصاص المطّاط والغاز المُدمع، أو بالدبابة والمدفع. فهل ذلك من الماضي فقط؟
يسوع يبكي
ووسط أهازيج الفرح من حوله، نرى يسوع يبكي: " فلما اقترب من المدينة وأبصرها بكى عليها قائلا: ليتكِ عرفتِ اليوم طريق السلام...ستأتي عليك أيامٌ يطوّقكِ فيها أعداؤكِ بالمتاريس، ويحاصرونك ويضيّقون عليكِ من كل جهة، ويمحقونكِ أنتِ وبنيكِ الذين فيكِ، ولا يتركون فيكِ حجرًا على حجر، لأنكِ لم تعرفي زمن افتقادكِ" (لوقا 19: 41-44). فما عساه يقول لها اليوم؟ أليس العالم كله يغلي حولها كالبركان؟ أليست هي الآن بؤرة الصراعات والاحتقان العالمي، الممكن تفجيره في كل لحظةٍ هيروشيما جديدة؟ فمتى يفيق المسؤولون، جميع المسؤولين، من جميع الأطراف، "فيعرفوا طريق السلام...وزمن الافتقاد"، قبل فوات الأوان، فيُقلعوا عن المهاترات والمكابرات ولغة التهديد والحروب، ويفهموا أن شعوبهم، جميع شعوبهم، قد ملّت الكلام والوعود، وإنما هي تتوق إلى السلام، وهو حقٌّ لها، وعليهم واجب تأمينه؟
بيتي هو بيت صلاة
ويدخل الهيكل، فإذا هو سوقُ تجارة، فيتّقد غيرة، ويطرد منه الباعة والمشترين، ويقلب موائد الصيارفة والسماسرة: بيتي هو بيت صلاة، وانتم جعلتموه مغارة لصوص (مرقس 11: 15-19). أليست في الهيكل قد تمّت أنذلُ صفقة في التاريخ بين يهوذا ورؤساء الكهنة، فنقدوه هناك الثلاثين من الفضة ثمَن الخيانة (متى 26: 14-16)؟ أليس في الهيكل قد صبَّ المسيح أقسى ويلاته على الكتبة والفريسيين المرائين وعلماءِ الشريعة، أولادِ الأفاعي، ففضحَ كبرياءهم وحبّهم الظهور، واتّجارهم بالدين من خلال فتاوى من صنعهم، يقوّلون فيها الله ما لم يقل، فيحلّلون ويُحَرِّمون وفق مصالحهم وأهوائهم، مستغلّين بساطة الشعب، يرهقونه بالفرائض الظالمة، ويتبرأون هم منها بممارساتٍ سخيفة وغسلِ أطرافٍ أو آنية، يقدّمون زكاة العُشر من النعناع والكمّون ويُهملون العدل والرحمة والأمانة، يُصًفّون من البعوضة ويبلعون الجَمَل؟ إنهم القبور المكلّسة، يبدو ظاهرها جميلا، فيما الباطن مملوء بكل نجاسة...يا أورشليم، يا أورشليم... كم من مرّة أردتُ أن أجمع بنيكِ كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، فلم تريدوا (متى 23: 1-39) - فلو عاد المسيح اليوم ليتفقّد بعضَ أحفادِ أولئك، فماذا تراه يقول ويفعل؟ وهل مَن يسمع أو يرى؟
الإسخريوطي ليس وحيدَ التاريخ
وهل الحاضر غيرُ الماضي؟ الإسخريوطي ليس وحيدَ التاريخ. فالفضّة (والذهب والعملات الثقيلة على اختلاف أسمائها، وبأكثر من ثلاثين بكثير) والخيانة والعملاء هي في كل عصرٍ ولكل جيل وفي كل مكان، وحسبُكَ أن تقرأ أو تسمع. والجماهير هي هي في كل عصرٍ ولكل جيل وفي كل مكان. بالأمس كانوا يزحمونه: هوشعنا، بالروح، بالدم !- واليوم: إصلِبه ! وما التهمة على هذا الرجل؟ الجواب: لو لم يكن مجرمًا، هل كنا أسلمناه إليك؟ تلك إذَن هي التهمة، وعلى بيلاطس الآن الاستجوابُ والتحقيق لاكتشاف جريمة. وبعد الفحص والتدقيق: إني لم أجد أيّ سبب لإدانته. – ولكن الشيوخ وعلماء الشريعة هيَّجوا الشعب (مسكينٌ هذا الشعب يساق كالسائمة): إصلِبه! - وأيَّ شرِّ صنع؟ - إرفعْه، إصلِبه!.
إصلِبه إصلِبه!
الجماهير هي هي، والحكام أيضًا لا يشذّون عن القاعدة. بدأ بيلاطس يتراجع: أنا لا أجد فيه علّة لإدانة، ولكني سأؤدبه وأطلقه، وأخذه فجلده، وهزئوا به وبصقوا في وجهه، وكللوه بالشوك، وأتاهم به علّ الشفقة تمسّ قلوبهم: هوذا الرجل، قال. فكانت الصيحة الكبرى: إصلِبه، إصلِبه! وراح بيلاطس يتأرجح: أأصلب مَلِكَكم؟ - ليس لنا مَلِكٌ غير قيصر. إذَن هناك القيصر، وهزّ العصا، والخوف على المنصب ... فهل بعد ذكر القيصر مجال لتردُّد أو تأرجح أو ترنُّح؟ إنه الانهيار السريع أمام الضغط. فأمر بيلاطس بماء، وغسَلَ يديه: إني بريء من دم هذا الصديق. وقضى بإجراء مطلبهم. أليس مثلُ ذلك ما جرى ويجري اليوم حولنا وفي البعيد؟ الحاكم في الغالب إمّا دكتاتورٌ مستبدّ يسحق مَن يعارضه، وإما دُميةٌ يلهو ويلعب بها كل مَن استشعرَ ضعفَه وتأرجُحه.
ويمضون به إلى الجلجلة، فيمدّدونه على الصليب بين لصّين، فيما هو يصلّي: يا أبتاه، إغفرْ لهم لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون. ويغرزون المسامير في يديه ورجليه، ويطعنون جنبه بالحربة. ولكن مأساة الحب أنها لم تنتهِ بعد. فالحَدَث ليس أسطورة ولا مجرّد تاريخ. إنه واقعٌ مستمرّ، ينال المسيحَ كل يوم في جسده السرّي، الذي هو المؤمنون به في شتى أنحاء العالم، مع الفارق أن أكثر صالبي المسيح اليوم لا يجهلون ما هم فاعلون، بل هم يفعلون عن سابقِ علمٍ ومعرفةٍ وتصوُّر، تساندهم في التخطيط والتنفيذ عقولٌ وآلياتٌ جهنمية، لا تستطيع اكتناه الحُبّ، ونبذَ الكراهية والبغضاء، ولا إدراكَ وتَمثُّلَ قولِه: ليس لأحدٍ حُبٌّ أعظمُ من أن يبذِل نفسه عن أحبّائه. ولكن في النهاية لا انتصارَ للخير على الشر، إلا بانتصار الحُبّ على البُغض، والحياة على الموت، وهذا هو ختام الأسبوع العظيم في فجر أحد القيامة. وحُبّ المسيح ليس للمسيحيين فقط ، بل هو لكل إنسان بدون استثناء. ألم يأمر أتباعه: أحِبّوا حتى مَن يعاديكم؟ ففرح الحُب الشامل، وانتصاره بالقيامة، هو للجميع بدون استثناء،. فللمعيّدين بعد نقول: المسيح قام – حقًّا قام! ولجميع المواطنين بلا استثناء نقول: كل عام وأنتم بألف خير.
موقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرا في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان:alarab@alarab.net