المسألة أكبر من تآمر على غزة وحماس
إيهود باراك، وزير الدفاع الإسرائيلي، يقول إن موعد عملية اجتياح غزة عسكريا يقترب يوما بعد يوم. ورئيس وزراءه، إيهود أولمرت، يجدد تأييده لعمليات الاغتيال المحددة الهدف ضد قادة المقاومة الفلسطينية، الإسلامية منها والوطنية، وخصوصا من حركة حماس. وبعض وزراءه يذهبون أبعد من ذلك بتأكيدهم على أن رموز حماس ومسؤولي حكومتها في قطاع غزة موجودون على قائمة الاستهداف هذه.
يترافق ذلك كله، مع مزيد من السياسات والإجراءات الإسرائيلية الهادفة لخنق قطاع غزة إنسانيا واقتصاديا وجغرافيا. فالوقود يتدفق إلى غزة في حدوده الدنيا، بما لا يكفي لسد أقل القليل من احتياجات سكانه، والكهرباء غائبة الآن عن منازل غزة ومنشآتها أكثر مما هي حاضرة. أما الأدوية والمعدات الطبية اللازمة، فلا وجود يذكر لها. وحدث ولا حرج عن إغلاق الحدود وتحويل القطاع إلى ما يشبه "حديقة حيوانات" على النمط الإفريقي، أين توضع الحيوانات في مساحات مفتوحة من الأرض تحاكي بيئتها، ولكن في المحصلة فالعزل هو العزل، والسجن هو السجن.
إلا أن المسألة لا تقف عند هذا الحد، فثمة "أعداء" آخرون، ولكن هذه المرة من داخل الجسد. فسلطة رام الله، ممثلة برئيسها، ورئيس وزرائها، وجلّ قيادات حركة فتح، وملحقاتهم الأمنية، لا يقلون عدائية عن إسرائيل نحو قطاع غزة وأهله. وأعلنها صريحة، أنه لا ينكر هذه الحقيقة إلا متواطئ، ولا أقول مغيب عن الحقائق أو مخدوع. فالخبر يقين، والأدلة قطعية لا ظنية، ولا مجال للأعذار بقطع النظر عن طبيعتها.
عندما تدفقت الجموع البشرية الغزاوية باتجاه الحدود مع مصر رافضة الموت جوعا أو عطشا، أو ميتة الكلاب الشاردة، فوجئنا برموز سلطة رام الله يتباكون على السيادة المصرية "المنتهكة"!. وجدناهم يحرضون مصر على أبناء شعبهم، ووجدناهم يحرضون الولايات المتحدة وإسرائيل على مصر لأنها سمحت، ولو مرغمة، لشعب شقيق عضه الجوع أن يلجأ إلى حضن "الشقيقة الكبرى"، علهم يجدون عندها الدفء وبعض الأمان الذي حرموا منه. أبو مازن طار إلى القاهرة حاملا رسالة رفض لأن يتحول معبر رفح إلى معبر فلسطيني-مصري. "سيادته" ذهب في مسعى لنفخ الروح في جثة هامدة اسمه اتفاق المعابر الذي وقعه أحد أذرع فساده، محمد دحلان، عام 2005، والذي جعل من المعابر الفلسطينية، معابر تدار بإشراف أوربي تحت رقابة إسرائيلية. لقد أصبح لدى "سيادته" معنى لكلمة "الشرف" التي أعطاها في اتفاق المعابر ذاك لإسرائيل لتبقى هي الآمر الناهي في المحصلة الكلية. وهو لا يرتضي أن تنزل "كلمة شرف" أعطاها الأرض وذلك عبر أن يلغى الوجود الإسرائيلي الآثم من على معابر الأرض الفلسطينية التي داسها مئات الآلاف من الفلسطينيين تحت أقدامهم، سواء المنتعلة منها أم الحافية. يبدوا أن لا أحد يتذكر أن "فخامته" قد أقسم على حماية الدستور والقانون في السلطة، واللذان ينتهكهما "سيادته" اليوم، فكلمة "الشرف" عنده لها مجالان وسياقان، الأول مع "الأعداء" فتحفظ، والثانية مع الشعب فتداس. راح أبو مازن وعاد من القاهرة "متوجا" بأكاليل "النصر"، فقد نجح في إقناع المسؤولين من "الأشقاء المصريين"، والذي لم يكونوا بحاجة إلى إقناع أصلا، في أن يبقوا على "إسرائيلية" المعبر، احتراما لوعد "الحر" في اتفاقية عام 2005.
أما المسؤولون في "الشقيقة مصر"، فهم سمحوا تحت ضغط الشارع المصري والعربي لأفواج الغزاويين لدخول أراضيهم في رفح وحتى العريش. إلا أنهم لم يلبثوا أن تداركوا الأمر وبدأوا-بعد إعادتهم الفلسطينيين إلى قطاع غزة وإعادة تشييد الحدود من جديد-حملة مسمومة ومسعورة عبر إعلامهم الرسمي على الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة وحركة حماس. وهكذا بدأ التباكي من تلك القلة "المرتزقة" والتي تخنق شعب مصر العزيز، على "السيادة" المصرية التي انتهكها الفلسطينيون، وعلى أحوال المصريين الاقتصادية والتي أثر عليها الفلسطينيون من الذين دخلوا أراضيها سلبا، بذريعة أنهم رفعوا أسعار السلع الأساسية على عاتق المواطن المصري "الغلبان". لا شك أن المواطن المصري "غلبان"، بل هو مقموع ومضطهد، والكل يعرف سبب ترهل حال المواطن المصري الأصيل، إن حيرتكم الإجابة "فعند النظام المصري الخبر اليقين".
ولم نكد نفرح قليلا بموقف مصري الرسمي، والذي كان فيه بعض الكرامة عبر السماح بفتح الحدود لأيام قليلة أمام جوعى غزة، حتى فوجئنا بتصريحات عنترية-على حد وصف القيادي الإخواني المصري الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح-لوزير الخارجية أحمد أبو الغيط، والذي هدد بكسر رجل كل من "ينتهك" سيادة مصر. طبعا، سعادته، حتى لا تحسنوا الظن، كان يتحدث عن الفلسطينيين لا الإسرائيليين. وكيف يتحدث عن الإسرائيليين، وهم من يتحكم بعدد قوات الحماية المصرية للحدود المصرية-الفلسطينية المحتلة. المضحك المبكي، أن الإسرائيليين يتهمون مصر بالتساهل مع "مهربي" السلاح لقطاع غزة عبر الأنفاق، في حين يشتكي النظام المصري من قلة عدد القوات على الحدود-750 جنديا-والمحدد استنادا إلى اتفاقية كامب ديفيد، وتطالب بزيادة أعدادهم لضبط الحدود بطريقة أفضل وترفض إسرائيل ذلك، حتى لو كانت الزيادة بقوات أممية أو أوروبية! وبعد ذلك يتباكى أبو الغيط وبعض "مرتزقة" الصحافة المصرية الرسمية على "انتهاك" الفلسطينيين للسيادة المصرية! يتناسى أولئك أن مصر عبد الناصر هي من خسرت قطاع غزة مرتين للاحتلال الإسرائيلي عامي 1956 و 1967. يتناسى أولئك أن النظام المصري حينها هو من كان يطارد على فترات المقاومة الفلسطينية ويجمع سلاحها، وذلك حتى لا تورطه بحرب مع إسرائيل، وعلى أساس أنهم هم من يحمي الأرض والعرض، ثمّ إذا بهم الآن يلقون بالعبء على الفلسطينيين وحدهم ويحملونهم المسؤولية كاملة! كما يتناسى ذلك النفر القليل في مصر، أن مصر وشعب مصر أكبر وأعرق وأشرف من أن يكونا طرفا في مؤامرة على أشقائهم الفلسطينيين أو على أي مكون من مكونات أمتهم.
شعب مصر شعب أصيل، ومصر وشعبها، منذ أن جاءهم نور الإسلام وهم ذخر لأمتهم، لا عبئا عليها. ولم تستقل مصر يوما من مسؤولياتها كدولة محورية في المنطقة إلا تحت هذا النظام والذي سبقه. أليس من العيب، أن يكون الفلسطينيون بلا غاز ولا كهرباء ولا وقود، في حين أن الغاز يصل إسرائيل من مصر وكذلك إمدادات الوقود لها تمر في جزء منها عبر الأراضي المصرية!؟ بمعنى أنها تلتف عن غزة "الشقيقة"الأقرب جغرافيا لمصر وتصل لإسرائيل العدو!؟ أليس عيبا أن يعامل الفلسطيني كـ"الكلب المسعور" عند وصوله أرض مصر، ويطالب بتأشيرة وإجراءات تعجيزية، في حين يدخل الإسرائيليون سيناء وشرم الشيخ.. الخ بلا تأشيرة!؟ أهذه هي "السيادة" التي لا يسمح النظام المصري لأحد بانتهاكها!؟ أليس من المعيب أن يتحدث نظام مصر عن "السيادة" في ذات الوقت الذي تنتهك فيه حرمات وحقوق شعب مصر!؟ لو خيرت شعب مصر ما بين مساندة إخوانهم في غزة وفي فلسطين بل وفي العالمين العربي والإسلامي وما بين حياة اقتصادية مترفة، ترى ماذا كانوا سيختارون!؟ أويحتاج هذا السؤال إلى تفكر!؟ شعب مصر كبير وعزيز ولا يستحق تلك "الفئة المرتزقة" التي يعاني من كبتها وجورها، كما يعاني إخوانهم في فلسطين وبلاد العرب والمسلمين اليوم من أمثالهم، وبئس المثل وبئست الوجوه.