صمت الحملان بالجولان.. وعواء الذئاب//صبحي حديدي
صبحي حديدي
قبل وبعد القرار الإسرائيلي بضمّ الجولان كان النظام قد ارتكب مجازر
المفارقة المريرة، في ناظر أهل الجولان وأهل سورية عموماً، كانت مقدار اللاتناسب بين ممارسات سلطات الاحتلال الإسرائيلية الهادفة إلى كسر الإضراب، وسلوك أجهزة النظام السوري في حصار المدن وقصفها وارتكاب الفظائع هنا وهناك
إنصاف ذاكرة الجولان الوطنية يقتضي الإشارة إلى نضالات الجولانيين قبل الإضراب، وقبل قرار الضمّ، حين أخذت سلطات الاحتلال تعتمد سلسلة إجراءات إدارية تستهدف تذويب الهوية الوطنية السورية
هنا يسود صمت الحملان، وفي حمص وحماة وجبل الزاوية وإدلب والزبداني... يتعالى عواء الذئاب!
مرّت، قبل أيام، الذكرى الثلاثون للإضراب الكبير الذي نظمه المواطنون السوريون في بلدات وقرى هضبة الجولان المحتلة، الذي بدأ يوم 14/2/1982 وامتدّ حتى 19/7 ذلك العام، وعُدّ الأطول في تاريخ سورية الحديث. وكان الإضراب بمثابة حركة الاحتجاج الأوسع نطاقاً، والأرقى تنظيماً، والأرفع التزاماً، ضدّ قرار الحكومة الإسرائيلية بتاريخ 14/12/1981، ثمّ الكنيست بعدئذ، وقضى بضمّ الجولان. وثمة عشرات التفاصيل المشرّفة التي اقترنت بتنفيذ ذلك الإضراب، والتي يتناقلها الجولانيون بفخار مشروع، واعتزاز بالغ لا يخلو من غصّة كبرى: موقف التخاذل الذي اتخذه النظام السوري إزاء خطوة ترقى إلى مستوى إعلان الحرب، والتزامه صمت القبور على خطوط الجبهة كافة، لا سيما وأنّ أجهزة النظام الأمنية ومعظم وحداته العسكرية الخاصة الموالية كانت منهمكة بتنفيذ المجازر في الداخل، ضدّ مدن وبلدات وقرى سورية!
تصفيات جماعية مباشرة
وحين بدأ إضراب الجولان المحتل، كانت 12 يوماً قد انقضت على شروع النظام السوري في تنفيذ مجزرة حماة (30 إلى 40 ألف قتيل)؛ وقبل، وبعد، القرار الإسرائيلي بضمّ الجولان كان النظام قد ارتكب مجازر أخرى (جبل الزاوية، 13ـ15/5/1980: 14 ضحية؛ سرمدا، 25/7/1980: 11 ضحية؛ سوق الأحد، حلب، 13/7/1980: 43 ضحية؛ ساحة العباسيين، دمشق، 18/8/1980: 60 ضحية؛ حيّ المشارقة، حلب، 11/8/1980، صبيحة عيد الفطر: 100 ضحية...). وإلى جانب هذه المجازر التي شهدتها التجمعات السكانية المختلفة، كان السجون السورية تشهد تصفيات جماعية مباشرة (مجزرة سجن تدمر، 27/6/1980: 500 ضحية على الأقل)، أو مئات الحالات من الموت جرّاء التعذيب.
انشغال جيش النظام بمعاركه ضدّ الشعب السوري
المفارقة المريرة، في ناظر أهل الجولان وأهل سورية عموماً، كانت مقدار اللاتناسب بين ممارسات سلطات الاحتلال الإسرائيلية الهادفة إلى كسر الإضراب، وسلوك أجهزة النظام السوري في حصار المدن وقصفها وارتكاب الفظائع هنا وهناك.
ولقد توفّر إجماع لدى مراقبي تلك الحقبة، سانده المنطق السليم البسيط، بأنّ مناحيم بيغن، رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك؛ وأرييل شارون، وزير الدفاع الصقر؛ ويوسف بورغ، وزير الداخلية الممثل للأحزاب الدينية المتشددة؛ وجدوا أنّ الفرصة سانحة لضمّ الهضبة المحتلة، في هذا التوقيت تحديداً. ولم يكن السبب أنهم استغلوا انشغال جيش النظام بمعاركه ضدّ الشعب السوري، إذْ كانت الحكومة الإسرائيلية واثقة تماماً أنّ الأسد الأب لن يحرّك ساكناً في كلّ حال؛ بل لأنّ ضمّ الجولان آنذاك كان سيمرّ دون حرج دبلوماسي دولي، ودون تعاطف مع نظام يذبح مواطنيه في طول سورية وعرضها، وبالتالي فهو غير مكترث بخسران أرض محتلة هو عاجز أصلاً عن تحريرها، لا بالحرب ولا بالسلام.
الجنسية العربية السورية
إنصاف ذاكرة الجولان الوطنية يقتضي الإشارة إلى نضالات الجولانيين قبل الإضراب، وقبل قرار الضمّ، حين أخذت سلطات الاحتلال تعتمد سلسلة إجراءات إدارية تستهدف تذويب الهوية الوطنية السورية؛ وهي الذاكرة التي يسردها الصحافي والكاتب الجولاني حسان شمس، في دراسة مفصلة معروفة، وجيدة التوثيق. على سبيل المثال، هنالك وثيقة شهيرة صدرت عن اجتماع حاشد عُقد في مجدل شمس، يوم 52/2/1981، ولكنها صارت عهداً ينتظم أبناء الجولان، من جهة؛ كما يفصل القول في طبيعة علاقتهم بالوطن الأمّ، وبالاحتلال، من جهة ثانية. الوثيقة تقول التالي عن الجنسية العربية السورية: نعتزّ ونتشرّف بالانتساب إليها، ولا نريد عنها بديلاً، والتي ورثناها عن أجدادنا الكرام، الذين تحدّرنا من أصلابهم، وأخذنا عنهم لغتنا العربية التي نتكلّمها بكل فخر واعتزاز، وليس لنا لغة قومية سواها، وأخذنا عنهم أراضينا الغالية على قلوبنا وورثناها أباً عن جد منذ وجُد الإنسان العربي في هذه البلاد قبل آلاف السنين.
جوهر المسألة
وللوهلة الأولى، سوف يظنّ المنصت إلى هذه الأقوال أنّ أراضي الجولان السوري المحتلّ هي حاضنة المقاومة الأولى والأهمّ في هذا الخيار الوجودي المقاوِم، وأنّ عمليات المقاومين في مسعدة وتلّ الفرس والخشنية وكفر نفاخ وتلّ أبو الندى، وغيرها من بطاح الجولان المحتلة، قائمة على قدم وساق، بدعم مباشر وصريح من الجيش السوري. أو: أنّ الشعب السوري عازف عن المقاومة، مستسلم، خامل، كسول، عديم الوطنية! ذاك مُنصت جاهل، بالطبع، أو متجاهل متعام مرتزق بوق... لأنّ جوهر المسألة هي أنّ النظام السوري ـ الأسد الأب والأسد الابن، مثل أنظمة حزب البعث التي سبقته، منذ احتلال الجولان سنة 1967 ـ يطري المقاومة في كلّ مكان، ويرحّب بها على أية أرض، ما خلا الهضبة.
هنا يسود صمت الحملان، وفي حمص وحماة وجبل الزاوية وإدلب والزبداني... يتعالى عواء الذئاب!
موقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرا في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.co.il