أسمع جعجعة ولا أرى طحيناً/ بقلم:يوسف جمل
يوسف جمل في مقاله:
نجاح حفلات الزفاف يكون بالسعادة والوفاق في الحياة الزوجية بعد انتهاء الأعراس وليس بكمية الحضور والرقم القياسي والنقوط
المركبة أو الطائرة التي تقلنا وتقلع بنا إلى بر الأمان ولا يمكن أن نتهاون أو نتغاضى عن أي عطل أو خلل فيها وندفن رؤوسنا في الرمل
كلنا نعاني ولا نبالي ولا نهتم ولا نبحث عن حلول فقط نجيد التذمر والنقد واللوم والوعظ ونبرع في متابعة ما يحصل ونحسن توجيه أصابع الاتهام إلى غيرنا
إن المقياس الحقيقي للنجاحات يكمن في ما بعد النتائج . فالحج المبرور يظل في موضع الاختبار في الفترة التي تلي الحج والتغيير الحاصل والنتائج التي أفرزتها بعد العودة من أداء الركن العظيم والقيام بالمناسك على أكمل وجه . وعصر الزيتون في المعصرة يقاس بالمردود من الزيت كما وجودة وليس بكمية الجفت الذي خلفته هذه العملية . ونجاح حفلات الزفاف يكون بالسعادة والوفاق في الحياة الزوجية بعد انتهاء الأعراس وليس بكمية الحضور والرقم القياسي والنقوط . والأكل والشرب والنوم تأتي فوائدها بعد الشبع والارتواء والاستيقاظ والشعور باللذة والمضي بعدها قدماً في سبل الحياة . ونجاعة الدواء ليس في تناوله إنما في تقبله ومفعوله وفائدته ونتائجه وأعراضه . وعملية البناء تظهر نتائجها بقوة الاحتمال والصمود على مدى السنوات وليس فقط على الجمال والشكل والمساحة والمحتويات والكماليات .
التفكير بالواقع
وتعلم قيادة السيارة والحصول على الرخصة هو ليس الهدف إنما هو الوسيلة التي تؤهلنا للقيادة بسلام وأمان على الطريق وليس المهم في النهاية عدد الاختبارات النظرية أو العملية التي أجريتها لتنال هذه الرخصة . وعمليه تعبيد الشوارع هي ليست هدفاً في مجرد انجازها وإنما في ثباتها وصمودها وصيانتها والمحافظة عليها واستعمالاتها الصحيحة بعد الانتهاء من تعبيدها . كل هذا يقودنا إلى التفكير بالواقع الذي نحياه والنتائج الجميلة التي نسمع ونقرأ عنها ونشاهدها في وسائل الإعلام والفعاليات والنشاطات والتقارير التي تزين بالصوت والصورة والكلمة والجداول واللوائح والمعدلات والنسب المئوية,للنجاحات التي تحققت في مؤسساتنا التعليمية والتربوية . لكن المردود الحق لهذه النتائج هو الواقع الذي نحياه والمجتمع الذي يحتوينا وسبل التعامل في ما بيننا وأفراد هذا المجتمع الذين تفرزهم هذه المؤسسات سنوياً أو تلفظهم إليه .
سوق العمل والباحثين
ففي كل عام يلتحق العشرات والمئات بل الألوف من الخريجين بالتعليم العالي لإكمال دراستهم وتحقيق توجهاتهم وأحلامهم وطموحاتهم ويعودوا بعد عدة سنوات إلى بلادهم ومجتمعاتهم يساهمون في البناء كل بحسب تخصصه ودراسته ووظيفته ومهنته ويتناولون أدوارهم بجد وعزيمة ويكوّنوا بيوتاً وخلايا اجتماعية جديدة بزواجهم هي بمثابة جزء من المجتمع الذي نحيا به ونعيش فيه ويسهمون في تطوره وتقدمه . وبالمقابل يلتحق بسوق العمل والباحثين عن عمل والعاطلين عن العمل والبطالة والفراغ عدد لا بأس به من الأبناء الذين هم أيضاً جزء من هذا المجتمع والذين يبحثون أيضاً عن ذواتهم وأنفسهم ولهم أحلامهم وطموحاتهم ولكنهم لم يوفقوا في دراستهم أو لم يلتحقوا بركب التعليم لأسباب متنوعة متعددة !
الضلال والسوء
يقف المجتمع عاجزاً عن تقديم البدائل لهم والتي تمكنهم من متابعة حياتهم كغيرهم من بني البشر بعزة وكرامة وأمن وسلام , فسرعان ما يكون الانحراف , فالفراغ مفسدة والبطالة عاطلة قاتلة والدروب مغلقة فينشأ البعض منهم ناقماً يائساً لا يجد غير العنف والانحراف سبيلاً له، يعجز عن تحقيق ذاته فيلجأ إلى طرق الشر والجنوح والضلال والسوء والطيش والرعونة والتحدي والعربدة والسلوك السلبي فماذا يملك غير ذلك ؟! ولا ننسى أنه يرد في الحسبان أن يلتقطه من سبقه إلى ذلك فيرعاه في دفيئته ويهيئه ليكون شريكه أو رفيق دربه أو تابعاً له أو تلتقطه بعض الجهات لتستغله في ضائقته وتجنده لمصلحتها ولخدمه أهدافها ويكون لها عوناً وعيناً على أهله ومجتمعه . كلنا نتحمل المسؤولية عن ذلك وكلنا نتحمل النتائج وكلنا نعاني من ذلك . كلنا وكل منا بحسب موقعه , البيت والمؤسسة التعليمية بجميع أفرادها والسلطة المحلية والحكومة بوزاراتها المتنوعة ورجال الدين والثقافة والأكاديميين وأصحاب المهن والوظائف والمناصب والجمعيات والمراكز والمعاهد والمساجد والمقاولين ورجال الأعمال وغيرهم .
بر الأمان
كلنا نعاني ولا نبالي ولا نهتم ولا نبحث عن حلول , فقط نجيد التذمر والنقد واللوم والوعظ ونبرع في متابعة ما يحصل ونحسن توجيه أصابع الاتهام إلى غيرنا ونتفرج على ما يحدث من قريب أو بعيد ولا نبذل أدنى جهد في معالجة هذا الوضع ولا نعي حجم الكارثة التي تحيق بنا والتي باتت تهدد أمننا وسلامتنا وحياتنا ومستقبل أولادنا . إنها السفينة التي تحتوينا جميعاً ولا يمكن أن نتساهل أو نتجاهل أي خرق فيها فالعاقبة في ذلك وخيمة علينا جميعاً . وما نفع تجديفنا معاً وأحدنا أو بعضنا يحدث ثقباً في قاع السفينة . إنها المركبة أو الطائرة التي تقلنا وتقلع بنا إلى بر الأمان ولا يمكن أن نتهاون أو نتغاضى عن أي عطل أو خلل فيها وندفن رؤوسنا في الرمل ونتخلى عن مسؤولياتنا ونتعامل مع ذلك باللامبالاة والتقصير فالمصير القادم بعدها سيكون أشدّ وأمرّ . لا يعقل أن يفقد القطار بعضاً من عرباته أو أن تحيد عن سكة الحديد ولا يتهدد باقي عرباته الضرر الفادح ويستمر في المسير ولا يعقل أن تسير عربات القطار بدون قاطرة المحرك ولا يعقل أن يسير القطار بعرباته بدون مسار وبدون سكة حديد.
سلم الأولويات وسقف المتطلبات
بوجود الفساد فإننا جميعاً نعيش في أزمة وكلنا ندفع الثمن ولا أحد منا في مأمن مما سيحمله المستقبل من أحداث ونكسات ونكبات . أزمة الثقة لم تتكون بين ليلة وضحاها بل كانت حصيلة تراكمات لسنين طويلة تلك التي ذهبت أدراج الرياح والتي كان عنوانها وشعارها وظاهرها الإصلاح والكفاح والنضال والأخوة والوحدة والعمل ومكافحة الفساد وباطنها المصالح الشخصية الضيقة والتي تم على أثرها تنفيذ الوعود والتعيينات والتوظيفات والواسطات وصرف الميزانيات والمقاولات وما تحت الطاولات والتي أدت إلى التقصير والإهمال والتهاون والتراجع في البنية التحتية ومستوى المعيشة وسلم الأولويات وسقف المتطلبات وفي انخفاض جودة التعليم وإهمال التربية والثقافة والشباب والرياضة ، وأفرزت على مدار السنوات العديدة أجيالاً ركيكة , تفتقر للانتماء والإخلاص والعطاء وتفتقد الاحترام والعطف والوفاء تنطلق من ضيق الأنانية والأثرة وحب الذات وتطمس كل إيثار وبذل وأمل ورجاء , وكانت هي التي وسعت دائرته وأدت إلى الانحدار الحاد فينا وفي أخلاقياتنا وتعاملاتنا وعلاقاتنا وثقتنا ببعضنا البعض وصرنا كلنا سواء , هذا كله بالإضافة إلى ابتعادنا عن ديننا وفهمنا الخاطئ له من خلال التحرر الذي أسميناه تطوراً أو التعصب الزائد الذي أسميناه التزاماً والتفريط والتخلي والتهاون الذي أسميناه تسامحاً والوقاحة التي أسميناها حرية .
نشاطات تجميلية
وبرأيي أن الحل يبدأ بإعادة بناء الثقة من خلال قرارات قد تكون صعبة لكنها ضرورية علينا أن نعيد البرمجة من جديد والسعي للتكاتف والتكافل وعدم التنازل عن أي فرد ومعالجة الأطر ونظم العمل وطرق التربية والتعليم وتوفير المجالات والبيئات الصالحة وتهيئة الأطر الملائمة لشريحة الشباب وإعادته إلى المسار الصحيح وتسليحه بالعلم والعمل والأمل والمهن وإعادة بناء ثقته بنا وثقتنا به من جديد . وليس الحل من خلال المواجهة أو افتعال الأحداث أو ترك الحبل على الغارب وما يصاحبه من لوعة وحسرة وعجز وأنين وتعقيد وتفاقم وتصعيد أو حصر جل اهتماماتنا بالتشدق والنشر والدعاية والإعلام والتسويق لنجاحات وهمية ونشاطات تجميلية ومشاريع وبرامج وفعاليات مثيرة والتلويح بنتائج غير واقعية وإشهار لا يسهم في شيء , بينما الواقع يشهد ويظهر عكس كل هذه النتائج البراقة وعينك بالناظر . وإن كانت مؤسساتنا بكل هذا النجاح وبيوتنا بكل هذا الدفء ومجتمعنا بكل هذا الخير فلماذا تكثر الجعجعة ولا أثر للطحين ؟!
موقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرا في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.co.il