هيبوترميا وثلاثة اعترافات مها فتحي
لن يستطيع بيل غيتس, إمبراطور "مايكروسوفت", ولا ستيف غوبز رديفه الأول, صاحب أسطورة " أبل " العملاقة، كلاهما توفير بيت من طين تتوفر فيه أبسط ضروريات الحياة للطفلة إيمان المداني من كسيفة النقب, البالغة من العمر ثماني سنوات, عندما توفيت أثر موجة البرد الشديد الذي صمم على النخر في العظام، بعد أن ترك حافة أجسادنا عالقة في متاهات الذهول. ما هذا البرد..!!؟؟، ولماذا..؟! وهل يشكو لنا الشتاء ضلوعه في عملية التحول في انه صار غريبا عنا أيضاً مثله كمثل بصمات أصابعنا لا تشبه أيا منا..!!
ايمان هذه التي كانت تعاني اعاقة جسدية, وتراجعت حرارة جسمها إلى 35 درجة مئوية، دخلت حلة بما تسمى"هيبوترميا" تعيش فيما يشبه الثلاجة .. بيت سقفه من الصفيح لا يتوفر فيه شيء من المياه والكهرباء وأبسط ما يحتاجه الإنسان لكي يحيا. وكلما حاولت عائلتها بناء بيت قامت وزارة الداخلية بهدمه بحجة انها تعيش في قرية غير معترف بها. أعترف إذا, ويعترف الجميع معي, بأن صاحب إمبراطورية " مايكروسوفت " الذي يبحث عن أسرع طريقة لتوفير متطلبات البشر عبر مشروعه " اضغط وكل شيء بجانبك "، وصاحب شركات "آبل" الذي ينافسه في مشروعه "البيت الذكي" كل شيء متاح ومريح، أعترف ان كليهما غير قادرين على توفير درجة حرارة واحدة فقط لطفلة معاقة في ظل مارد التكنولوجيا وحكومة دولتنا الموقرة..!!. "وهيبتورميا" من نوع آخر تصيبنا جَميعاً، نقصٌ في درجات الحرارة، يحكمُ قبضتهِ على أجسامِنا، ينخر في العظام والمفاصِل والقلوب، رغم المكيِّفات – وتمريرات الميجاواطات، ورغمَ براميل النفط المسكوبة في شوارع الوطن الخالية من المارَّة والشعوب. فلم يعد أحد يَسمع هَسيساً لهُم، "وهيبتورميا" رغم شرائِح " السيليكت "، وأطباق البيتسا، وقصعات الرُّز البُخاري، لا شيء يمدنا بالطاقة، ولا طاقةَ لنا اليوم بهذا العَجز الا أن ترتعد فرائصنا منه..!!.
أعترف أنه ربَّما في غزة مشمس دافئ في القلوب المجروحة، رغمَ مشاهد الهلع وزحام الجنازات، رغم عود الليل الذي يشتد ولا ينكشف سريعاً في الصَّباح، الا أنه هناك عِندهم خيط من النور يتردد في القلوب، يشعلها جمرات دافئة، مؤمنة بقوة حقها في الكيان والوجود.. في غزة ينفذ القمح والأكفان، والحطب والدواء، وينكأ الجرح كل يوم، ولكن السماء تكافئهم في رسم قوس قزح على حيطان قلوبهم، فعلى ماذا ستكافئنا السماء يا ترى..!؟. أعترف أيضاً للأخ احمد صوالحة، بأنه ما كان لي أن أقول لراعي البقر يا مرحبا، ولكن ماذا أفعل وان مالَ جَسدي من أثقال الألم، فصُرت احلق بجناحي المهيَّض فوق أقاليم التهكُّم..؟! ثم يا أخي وان لم تستطع أن ترقص معه في مدارات الخنوع، وتمنحهُ سيف الذل، فلتقل يا مرحباً على الأقل.. فما هذا التأليب على الضمير الرئاسي، وذوي الأمر منا؟! أشكرك على حسن المتابعة وجميل الرَّد.
(هيبوترميا : نقص أو تراجع درجات الحرارة)