إبراهيم صرصور: عمالقة الصبر والعطاء والتضحية
الشيخ إبراهيم صرصور:
ملحمة لم تخطها يد فيلسوف أو حكيم أو شاعر أو روائي عبقري ، وإنما هي ملحمة بطلتاها عجوزان شاختا وهما تنتظران عودة الأحباب
ربطتنا أنا والأخ مسعود بالأسرى وأسرهم علاقة حميمية ، لكننا يجب أن نعترف أن علاقة أكثر التصاقا ربطتنا مع أسرة سمير ، خصوصا وأننا احتفلنا قبل مدة قصيرة في بيت أسرته ومع عائلته
في هذه اللحظات التاريخية التي يتم فيها تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى بين حماس وإسرائيل ، تختلط المشاعر والأحاسيس ... فرح لا تصفه الكلمات بالإفراج عن ألف وسبعة وعشرين أسيرا وأسيرة فلسطينية ، منهم خمسة أسرى من عرب الداخل ، سامي يونس ، مخلص برغال ، محمد زيادة ، محمد جبارين وعلي عمرية ، وحزن مكبوت يلسع القلب بسياطه لبقاء الآلاف من الأسرى من خلفهم ، منهم أساسا خمسة عشر أسيرا من الداخل يقضون في السجن مددا تتراوح بين عشرين وثمانية وعشرين عاما في الأسر الظالم هم ، كريم يونس ، ماهر يونس ، إبراهيم بيادسة ، إبراهيم أبو مخ ، وليد دقة ، رشدي أبو مخ ، محمود جبارين ، سمير سرساوي ، أحمد أبو جابر ، بشير خطيب ، حافظ قندس ، محمد اغبارية ، إبراهيم اغبارية ، يحيى اغبارية ومحمد اغبارية ، إضافة إلى ثلاث أسيرات من الداخل هن لينا جربوني وورود قاسم وخديجة ابو عياش ، واللواتي كان من المفروض أن تشملهن الصفقة على قاعدة ( تبييض السجون من كل الأسيرات الأمنيات ) ، لولا وقوع خلل فني كما قيل ، منع من أن يَكُنَّ من بين المحررين ، فتكون الفرحة بالإنجاز عظيمة إلى حد كبير ...
الحدث الكبير
كان لي ولزميلي الأخ النائب مسعود غنايم شرف زيارة قرية ( إبطن ) قبل يوم من إطلاق سراح أسرانا البواسل ، والتي كان من المفروض أن تحتضن بعد ساعات قليلة ابنها المحرر ( علي العمرية ) ، الذي التقيت به وبسمير سرساوي واحمد أبو جابر في التاسع عشر من شهر أيلول في سجن ( جلبوع ) ، دون أن ندري أننا كنا على موعد مع حدث كبير يتعلق بالأسرى ، وإن كنا نحس بقرب تحقق هذا الحدث ، لكن ( إبطن ) مع استعدادها لاستقبال البطل العائد ، فإن مسحة من الحزن تكسوها لأنها ستفتقد كثيرا – وإن مؤقتا – ابنها الآخر الأسير ( سمير سرساوي ) ، وزميل (علي عمرية ) في المشوار الذي استمر لأربعة وعشرين عاما ، من أوله إلى آخره ، والذي شاءت الأقدار ألا تشمله الصفقة.
علاقات حميمية
ربطتنا أنا والأخ مسعود بالأسرى وأسرهم علاقة حميمية ، لكننا يجب أن نعترف أن علاقة أكثر التصاقا ربطتنا مع أسرة سمير ، خصوصا وأننا احتفلنا قبل مدة قصيرة في بيت أسرته ومع عائلته ، وبحضور حشد من الضيوف وعلى رأسهم السيد منير منصور رئيس ( الرابطة العربية من أجل الأسرى ) ، وذلك بمناسبة حصول سمير على شهادة الماجستير في العلوم السياسية ...
كانت محطتنا الأولى في بيت أسرة سمير ، التقينا هنالك مع أم سمير ( أم طه ) ... سيدة جليلة تجاوزت الثمانين من العمر ، قضت ربع عمرها في زيارة ابنها سمير في السجن ... كتلة من الجلد والصبر والاحتساب والتضحية ...زارت ابنها سمير مدة اربعة وعشرين عاما، كما فعلت غالبية أمهات الأسرى ، حتى أقعدها المرض عن زيارته منذ عام تقريبا ... كانت تحرص دائما على الاتصال بي للاطمئنان على سمير ، خصوصا وأنها تعرف أنني أقوم بزيارات دورية للأسرى ... كنت أشعر دائما أنها تستحلب الأمل من صخرة القدر ، فكنت أطمئنها بأن من توكل على الله فهو حسبه ... لطالما قلت لها ( إرْمِ حملك على الله ) وقولي له من غير تفصيل ( يا رب ، علمك بحالي يغنيك عن سؤالي ) ...
عاشت أم سمير على أمل أن تحتضن ابنها البار ( سمير ) بعد هذا العمر الطويل وهذه المعاناة التي لا تنتهي .. وعلقت آمالا كبيرة على الله سبحانه ثم على صفقة التبادل ، إلا أن الأقدار حالت بينها وبين تحقيق مرادها ، لحكمة أرادها الله سبحانه ، فله على الدوام في خلقة شؤون ، وله فيما يجري حكمة بالغة ... رأينا تفويضها وتسليمها بقضاء الله وقدره ، تفويض يليق بالأمهات الفلسطينيات ، عمالقة الصبر والاحتساب والتضحية . كان حال أولادها وبناتها ، أخوة سمير وأخواته ، كحال أمهم صبرا واحتسابا .. ملامحٌ من قصة الملحمة الفلسطينية الآسرة ...
زغاريد وفرح
كان معنا في زيارة بيت الأم ( أم طه ) ، الأخ الفاضل ( أبو صايل ) أخ الأسير المحرر ( علي ) ، شريك سمير في مشوار الحياة ... لم نلحظ على وجهه ولا في كلامه ما يشير إلى فرح أسرة انتظرت غائبها ( علي ) منذ أربعة وعشرين عاما ... لم أستغرب الموقف ، خصوصا بعد أن حدثني بقصة هي أغرب من الأساطير ، عن ردة فعل أمه العجوز التي أضناها فراق فلذة كبدها ، بعدما سمعت خبر الإفراج عن ابنها علي ... كان سؤالها الأول ، وماذا عن سمير ؟ عندما عرفت أن سميرا لم تشمله الصفقة ، غابت الفرحة عن وجهها ، وكست وجهها هالة من عبوس مقدس كشف عما يجيش في صدرها من ألم وحسرة ، وما يضطرم في قلبها من نار اللوعة ، وما يتلاطم في فؤادها من أمواج الحزن على استمرار ابن رفيقتها بعيدا في غياب السجن ... قالت في ذهول ودهشة : كيف لي أن أفرح بعودة علي ، ورفيقتي وأختي أم سمير لن تحتضن ابنها كما سأفعل ؟ كيف لي أن أزغرد وأم سمير هنالك غارقة في أحزانها ، لن تحظى برؤية ولدها كما سأفعل أنا ؟؟ كيف ، وكيف وكيف ؟؟؟ أخذت تنوح نواح الثكالى ، وراحت تردد منشدة قصة ملحمة خاضتها مع أختها ورفيقة دربها أم سمير لأربعة وعشرين عاما ، اقتسمتا فيها أحمالا من الأحزان تهد الجبال ، وها هي الأقدار تنسج خيوط فصل جديد في هذه الملحمة ، كان من المفروض أن تتقاسما فيه الفرحة بتحرير ولديهما معا مع باقي الأسرى والأسيرات ، فجاءت النتائج على غير ما اشتهتا ... وحالت ( إنسانية !!!) إسرائيل بين أمهات عشن عقودا على أمل اللقاء بأنصاف قلوبهن ، ولكن الله أكبر ، وهو ولي الصابرين ...
ملحمة لم تخطها يد فيلسوف أو حكيم أو شاعر أو روائي عبقري ، وإنما هي ملحمة بطلتاها عجوزان شاختا وهما تنتظران عودة الأحباب ... هذه المشاعر الصادقة ، هي الوجه الحقيقي لهذا الشعب ... هي رأس مالنا الذي نتحدى به الأخطار ، ونخوض به الأهوال، وهو فوق كل ذلك ضمان تيسير الله سبحانه لفرج ندعوه سبحانه أن يجعله قريبا جدا ، حتى تفرح أم سمير وكل أمهات الأسرى بنصر الله وبعودة الأحبة بعد طول غياب ...
موقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرا في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.co.il