نقاط على الحروف... نقطة على السطر!
نقاط على الحروف... نقطة على السطر!
انتهت المظاهرة القطرية الضخمة لكسر الحصار على قطاع غزة يوم السبت الماضي، ومع انتهائها، وحتى قبل ابتدائها، بدأ النقاش والسجال حول عدم مشاركة الجبهة في تلك المظاهرة بالإضافة إلى شخص آخر يعتقد بأنه حزب. وفي ما عدا هؤلاء، فقد شاركت كل الأحزاب والقوى السياسية الفاعلة على الساحة العربية الفلسطينية في الداخل بهذه المظاهرة الجبارة.
وإن كان السؤال حول عدم مشاركة الجبهة في هذه المظاهرة يبدو للوهلة الأولى استنكاريا، فإن تبرير الجبهة لتصرفها هذا هو مستنكر! فقد عزت الجبهة عدم المشاركة في هذه المظاهرة، وعلى لسان مركّزها القطري أيمن عودة إلى سبب فني وتقني يتلخص في أن التنسيق بين الحركات السياسية قد تم بمعزل عن الجبهة بالإضافة إلى التزام المشاركين بالشعارات والمواقف التي تم تحديدها سلفا دون علم الجبهة. ولم يكن على الجبهة – كما قال عودة في مقالته الأخيرة – إلا الالتحاق بالمظاهرة.
من المثير للدهشة أن يتباكى عودة على التنسيق والاتفاق وعلى الاحترام المتبادل بين الأطر المختلفة. من أين تأتيه الجرأة ليدّعى عدم التنسيق في قضية المظاهرة ( وهو ادعاء غير صحيح بالمطلق) بينما يتجاهل فئوية تصرفات جبهته ذاتها، التي لم تجد حاجة للتنسيق أو حتى لدعوة الأحزاب الأخرى لمؤتمر عقدته الجبهة تحت عنوان "المؤتمر الشعبي للدفاع عن الأرض والمسكن" في سخنين قبل شهر بالضبط! لقد ارتأت الجبهة حينها أن تقيم هذا المؤتمر دون إعلام أو تنسيق مسبق مع أي من الأطر الأخرى (ولا حتى لجنة المتابعة التي يتباكى عودة على دورها)، محتكرة بذلك قضية وطنية عامة من الدرجة الأولى، لا تقل أهمية عن رفع الحصار عن غزة إن لم تزد، فكل أراضينا مهددة بالمصادرة، وكل منازلنا مهددة بالهدم، ومستقبلنا جميعا في خطر – (أم يعتقد عودة وجبهته أن الخطر يتهدد أراضي ومساكن الجبهويين فقط؟!)-. فكيف تسمح الجبهة لنفسها بتحييد الآخرين رغم أهمية الموضوع؟ وكيف يسمح أيمن عودة لنفسه أن يوعظ الآخرين حول أخلاقيات العمل المشترك وأهمية التنسيق؟
الحقيقة أن الجبهة رفضت حضور الاجتماع التنسيقي بمجرد اطلاعها على الشعارات، وكان بإمكانها الحضور وطرح موقفها كما فعل الآخرون حتى نخرج متفقين جميعنا، ولكنها أصلا مصرة على موقفها المنحاز وغير الموضوعي من الصراع الداخلي. وللتذكير فقد جاءت المظاهرة تحت عنوان: "معا نكسر الحصار"، واتخذت لها الشعارات التالية:
• يسقط الحصار الإجرامي على قطاع غزة وشعبنا الفلسطيني
• يسقط التواطؤ مع الحصار
• نعم للحوار غير المشروط بين فتح وحماس وجميع الفصائل الفلسطينية
• لا للاحتلال، لا للاستيطان، نعم للدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.
لو كانت الجبهة والحزب صادقين بنواياهما "لتجاوزا" هذه النقطة الفنية التي لا تستحق أن "تشق" الصف الوطني ولشاركوا في المظاهرة وتركوا العتب و"الإيجو" إلى ما بعد المظاهرة. غير أن الحقيقة تكمن في زاوية أخرى من حديث أيمن عودة، ومقاطعة الجبهة لم تأت لأسباب فنية وتقنية، بل لأسباب سياسية خالصة تتعلق بموقف الجبهة والحزب الشيوعي السياسي مما حصل ويحصل في الأراضي المحتلة عام 1967. ففي حين كان الشعار الأبرز للمظاهرة دعوة للحوار الوطني غير المشروط بين الفرقاء، تبنت الجبهة وتتبنى موقفا منحازا لطرف دون غيره، وهو الموقف الداعي – كما جاء على لسان عودة- إلى: "التراجع عن الخطوة المسيئة التي نفذتها حماس في غزة"، وأنا أضيف هنا ما لم يوضحه أيمن عودة: كشرط للحوار معها (حماس) من طرف الفئة المتنفذة والمستأثرة بالحكم في رام الله.
إذا، تتبنى الجبهة موقف تيار الفساد وتضع الشروط ذاتها التي يضعها فريق أوسلو على الحوار مع الأشقاء، بينما لا شروط على الحوار مع الإسرائيليين. ويظهر هذا الموقف جلياً بأدبيات الجبهة والحزب عندما يطلقون تسمية "المجازر الحمساوية" على الأحداث المؤسفة التي تحصل في القطاع ( وهي خطيئة ارتكبها طرف وانجر إليها الطرف الآخر بإرادته) وتدعم موقف عدم الحوار قبل إعادة الوضع إلى سابق عهده، بينما لا تشترط وقف المجازر الإسرائيلية اليومية للحوار مع الآخر الإسرائيلي، ولا حتى فك الحصار الذي جاء كعقاب جماعي على حسم ديمقراطي اختاره أبناء شعبنا في غزة والضفة وكأداة ضغط إسرائيلية أمريكية من أجل إحداث انقلاب "سياسي" بقوة الحصار يعيد "السلطة" إلى أيدي "المعتدلين"! (فالحصار لمن لا يذكر سبق الحسم العسكري في غزة بزمن ما).
هذا هو الموقف السياسي الحقيقي للجبهة وللحزب الشيوعي، وهذا هو ما منعهما من المشاركة لكونهما لا يستطيعان الالتزام بشعارات المظاهرة السياسية إذ أنها لا تلائم موقفهم، وهذا ما يخرج الجبهة وحزبها خارج الإجماع السياسي بين بقية الأحزاب على اختلاف مشاربها.
إذاً، لم يستثن أحد الجبهة، ولم يحاول أحد ذلك. إنما أخرجت الجبهة نفسها من الإجماع بموقفها السياسي المختلف الداعم لفئة دون أخرى ( بينما دعت المظاهرة إلى تجاوز الخلاف وإعادة الوحدة الوطنية بين المتخاصمين دون قيد أو شرط وعلى قدم المساواة في المسؤولية)، واستثنت الجبهة عنجهيتها التي تجلت في قول أيمن عودة: "ليست الجبهة التي تدعى للمشاركة في فعالية كفاحية من الباب الخلفي، وهي الجسم صاحب الحضور الجماهيري الكبير والمؤثر".
يبدو أن مشكلة أيمن عودة وحزبه هي مشكلة "كبرياء" أيضاً، لأنهم لا يشاركوا في مظاهرة لا يقومون هم بالدعوة لها ولا يسيطرون عليها وعلى شعاراتها، ولا يغرقوها بالأعلام الحمراء دون العلم الوطني كما هي عادتهم في مجمل مظاهراتهم منذ بدأوا يخجلون من رفع العلم الإسرائيلي كما اعتادوا حتى زمن ليس بالبعيد.
استثنت الجبهة نفسها من هذه المظاهرة الكفاحية الجبارة كما سبق واستثنت نفسها من الإجماع السياسي الطلابي في الجامعات برفضها الانضمام إلى ائتلاف لجنة الطلاب العرب في الجامعة العبرية إلا إذا ترأسته هي، فقام ائتلاف بين التجمع وأبناء البلد. ورفضت الانضمام إلى ائتلاف جامعة حيفا لأنها ( بنظر نفسها ) الأحق بالرئاسة، فأقامه التجمع مع حركة "إقرأ". كذلك رفضت الجبهة دخول ائتلاف شامل في الاتحاد القطري للجامعيين العرب لأن رئاسته ستكون لأول مرة تاريخيا للتجمع الطلابي وليس للجبهة. وأقول استثنوا أنفسهم لعدم مشاركة نشطاء الجبهة في الجامعات بالمظاهرات التي دعى إليها الاتحاد القطري للجامعيين العرب تحت شعار رفع الحصار عن غزة إلا بخمسة مشاركين انضموا لمظاهرة جامعة حيفا، وخلافا لشعارات المظاهرة التي حملت توقيع الاتحاد، حملوا شعارات حمراء كتب عليها بالعربية والعبرية "الجبهة الطلابية" في إشارة خطيرة إلى أنهم لا يقبلون بالسقف الوطني المنتخب ديمقراطيا غطاء لهم إلا إذا استأثروا هم بزعامته، كما تتصرف مجموعة الرئاسة في سلطة رام الله الوهمية!
وما دمت في معرض الحديث عن مظاهرات الطلاب، فقد لفت انتباهي مظهر طريف ولكنه غير لطيف، إذ حمل نشطاء الجبهة شعارات كتبت بالعربية وبالعبرية، ومما أثار استغرابي من جديد، هو ازدواجية الموقف بازدواجية اللغة! حيث تفجر الورق ثورية بالشعار العربي: "يا غزة لا تهتزي... كلك كرامة وعزة"، بينما كتب بالعبرية ما معناه: "في غزة وفي سدروت، الأولاد يريدون الحياة" ( بعزّا و بسداروت، يلاديم روتسيم لحيوت)!!! كيف يتماشى هذا الشعار، المتملق إسرائيل والمساوي بين أطفال غزة الواقعين تحت الحصار يتهددهم الموت جوعا ومرضا وبين أطفال سدروت المحاصرين لهم المتمتعين بكل رغد الحياة، مع الثورية بالعربية؟ هل هنالك موقفان لشعبين؟!
لا أعلم كيف لا يخجل الجبهويون والشيوعيون من مقاطعة مظاهرة تدعو لرفع الحصار عن غزة، لا لسبب إلا لأنهم لم تتم دعوتهم كما يليق بهم. فهل استقبلهم أهالي "سدروت" بشكل يليق بهم يوم سافر الجبهويون للتضامن معهم احتجاجا على سقوط صواريخ المقاومة الفلسطينية؟ أم كما أعلم قاموا بطردهم ورميهم بأقذع الشتائم وأقذر الصفات؟!
إن الموقف السياسي الذي يساوي بين المحتل والواقع تحت الاحتلال، بين المحاصر والواقع تحت الحصار، هو ذاته الموقف النابع من شعار "دولتين لشعبين" الذي رفض مؤتمر الحزب الشيوعي الأخير التنازل عنه رغم كل ما فيه وما جلبه على شعبنا العربي الفلسطيني – هناك وهنا – من مصائب وموبقات، هذا الشعار الذي أشبعونا تفاخرا بأنه "الحجر الذي تركه البناؤون" فما كان إلا أن تلقفه أولمرت وبوش، وبه بنوا مخططاتهم للشرق الأوسط الجديد بخارطة طريقهم الواصلة إلى أنابوليس من أوسلو مرورا بكامب ديفيد وواي ريفير وجنيف، وكل ما يترتب على هذه الأسماء من محاولات لتصفية القضية الفلسطينية العادلة.
إن هذا الطرح هو نفسه الذي جلب اتفاقيات أوسلو ( وما تلاها من مسميات) التي صفقت لها الجبهة والحزب الشيوعي، ولا حاجة بي لشرح نتائجها الكارثية على شعبنا الفلسطيني وعلى إمكانية إقامة دولة فلسطينية بما تحمل هذه الكلمة من معنى، وهذا الطرح هو نفسه الذي يعفي الجبهة والحزب من ضرورة النزول عن شجرة موقفهم الخطير والاعتراف بخطئهم التاريخي. وهنا لا بد لي من تساؤل أنتظر جوابه من الجبهويين والشيوعيين: إذا كان هذا طرحكم، وإذا كنتم مؤيدين لأوسلو وبناتها حتى أنابوليس، وإذا كانت هذه برامج وخطة إسرائيل وأمريكا للمنطقة، وهي سيئة بالضرورة، أفلا ترون تناقضا بين تساوقكم معها وقبولها من ناحية وبين إطلاقكم الشعارات ضد الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية على المنطقة من ناحية ثانية؟! وبكلمات أخرى: ما هو خلافكم مع الرئيس الأمريكي، ولماذا خرجتم للتظاهر ضده ما دمتم أيدتم الذهاب إلى أنابوليس تحت الرعاية الأمريكية؟ خصوصا وأن زيارته الأخيرة للبلاد جاءت جزءا من هذه المخططات عامة واستكمالا لمؤامرة أنابوليس خاصة؟
إن أكثر ما يثير استيائي واستغرابي هو أن هذا الحزب وجبهته، هم "اليساريون" الوحيدون في العالم المتماهين مع نهج الاعتماد على الراعي الأمريكي، ( وهنا يمكن إضافة اليسار الصهيوني والحزب الشيوعي العراقي مؤخرا). ما هو التفسير لذلك إن لم يكن تعصبا أعمى وعداء (للآخر) الفكري من أبناء شعبنا مقابل رؤية الآخر القومي، وإن كان جلادا، أقرب فكريا! بمعنى أن يرى أبو مازن بأولمرت ودولته واحتلاله شريكا للحوار غير المشروط دون أن يرى بأبناء شعبه الآخرين في غزة شركاء للمقاومة والحوار، تماما كما ترى الجبهة "باليسار" الصهيوني شريكا في المعركة ولا تستطيع تخيل نفسها في إطار تحالفي مع أشقائها العرب من أصحاب الفكر القومي أو الإسلامي؟ وأوضح شاهد على ذلك ما جاء في بيان صادر عن الجبهة الطلابية في جامعة تل أبيب عشية انتخابات النقابة العامة للطلاب والذي جاء به: "اسفرت نتائج الانتخابات لنقابة الطلاب العامة في جامعة تل أبيب عن فوز قوى اليسار والوسط بأغلبية مقاعد النقابة".
يسهل على الجبهة رؤية نفسها مندمجة في اليسار الإسرائيلي والخارطة السياسية الإسرائيلية، تماما بنفس القدر الذي يسهل عليها استثناء نفسها من الأطر الوطنية الفلسطينية لا لشيء إلا لأن بها آخر يعتقد غير ما تعتقده الجبهة وحزبها الشيوعي!!
وإذ يسأل أيمن عودة في مقالته: "أية وحدة وطنية هذه بدون الجبهة؟". أجيب أنا أن الوحدة هي وحدة الموقف من قضية ما، هي الاتفاق على المبدأ رغم اختلاف الفكر، هي التوحد في الموقف الواضح القادر على التمييز بين الشقيق والعدو، هي وحدة غير مشروطة بين أبناء الشعب الواحد وهي رصّ الصفوف في مواجهة العدو المشترك. هي وحدة عربية وطنية فلسطينية بين مختلف ألوان الطيف الرباعي الألوان في مواجهة الحصار قولا وفعلا ولو اختلفنا في الأمور الأخرى، هي أن نقول ما نفعل وأن نفعل ما نقول.
إن أقوال أيمن عودة وحزبه تتناقض مع أفعالهم، حيث يتناقض ادعاؤهم التضامن مع القائد الملاحق د. عزمي بشارة مع ممارساتهم وممارسات نشطائهم التحريضية، وليقارن أيمن عودة ادعاءات رفاقه بادعاءات الجهات الأمنية الإسرائيلية الظلامية، وليحاول إيجاد الفروق بين هذه وتلك، ولن يجدها.
ليقارن ادعاءهم رفض الخدمة المدنية الإسرائيلية بإدخال الشرطة الجماهيرية إلى البلدات التي يرأس مجالسها جبهويون، وبدعوة حزبه في الخمسينات لتجنيد الشباب العرب لأن عدم تجنيدهم هو تمييز عنصري بحقهم.
ليقارن ادعاء حزبه وجبهته زورا رفض التوقيع على وثيقة استقلال إسرائيل لذكرى تأسيسها الستين بتوقيع زعيمه "ماير فيلنر" على وثيقة استقلال إسرائيل (دولة اليهود) عام 1948.
ليقارن أيضا ادعاءه بترسيخ حزبه للقيم الوطنية من مواجهة وبقاء، والمرتكزة على "ملاطمة الكف للمخرز ولطمه" بصفقات السلاح المشبوهة التي عقدها رفاقه الشيوعيون لحساب العصابات الصهيونية إبان النكبة.
ليصحو أيمن من صدمته، وليخرج من الزاوية الضيقة التي وضع نفسه وحزبه بها، وليقارن موقفه وموقف حزبه من المظاهرة التي تمنى لها أن تفشل يوم كتب: "أن (الهجوم) على الجبهة جاء من باب استباق فشل المظاهرة وتعليقه على عدم مشاركة الجبهة بها"، فنجحت المظاهرة نجاحا فاق كل التوقعات. ولينظر أين ومع من يضعهم هذا الموقف! مع ظل حزب هو في الحقيقة شخص، مع اليسار الصهيوني والمتواطئين مع الحصار من المعتدلين في رام الله ومن فوقهم جميعا بوش وزمرته.
هذه هي النقاط على الحروف حيث يجب أن توضع، وهذه نقطة أخيرة على آخر هذا السطر.