إبراهيم صرصور:إسرائيل إلى أين؟
إبراهيم صرصور في مقاله:
لسقوط الدولة العظمى أسباب وأسباب ، في مقدمتها وعلى رأسها غياب الفكرة القادرة على حفظ الأمة وتماسكها
إسرائيل في طريقها إلى التبخر إذا استمرت في سياساتها الحالية ، فهي قد شَغَّلَتْ جهاز تدميرها الذاتي منذ مدة طويلة
السبب في القضاء على أول كيان سياسي لليهود قبل آلاف السنين ، مرورا بعجزها المدوي في تأمين الحد الأدنى من إمكانات التعايش الكريم
إسرائيل تقود الشعب اليهودي إلى مصير مأساوي نجح في أن يراه كثير من الإسرائيليين المثقفين من صحفيين وشعراء وأدباء ومؤرخين وعلماء
كان سقوط الاتحاد السوفييتي السابق في تسعينات القرن الماضي أمرا مفاجئا لغير المطلعين على خفايا الأمور ، ولغير الدارسين لنظريات نشوء وسقوط الدول والإمبراطوريات ... لقد كان لسقوط الدولة العظمى أسباب وأسباب ، في مقدمتها وعلى رأسها غياب الفكرة القادرة على حفظ الأمة وتماسكها مهما أصابها من عوامل التعرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، إضافة إلى غياب القيادة القادرة على إدارة شؤون الأمة على أسس لا تغفل أشواق الإنسان ولا متطلبات العصر من الديمقراطية والحرية والتعددية والشفافية وتداول السلطة السلمي .. الخ ...
النظام الديمقراطي
يجب ألا نتفاجأ أبدا إذا ما حصل ذات الشيء مع الولايات المتحدة الأمريكية ... الإدعاء بأن ذلك مستبعد فقط لأن أمريكا دولة عظمى اقتصاديا وعسكريا ، وتعتمد النظام الديمقراطي ، وتتبنى تداول السلطة أسلوبا للحكم ، هو أيضا قراءة لا تسبر أغوار الظاهرة ولا تغوص في أعماقها ، كما تفتقد لمنهجية بحث ظواهر الانبعاث والسقوط في حياة الأمم ... قد يكون لهذه العوامل آثارها في إطالة عمر النظام الأمريكي ، لكنه أبدا لن يكون ضمانا لبقائها إلى الأبد ، وما الصراع بين الكونغرس الجمهوري والبيت الأبيض الديمقراطي في الأيام الأخيرة حول السبل لحماية أمريكا من إعلان حالة الإفلاس لأول مرة في تاريخها ، إلا دليلا على هشاشة عظام هذه الدولة مهما انتفخت وانتفشت في أعين البعض...
خريطة التحولات
إذا كان هذا الأمر جائزا في حق دول كبرى كالاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة الأمريكية ، فما مكان إسرائيل من الإعراب على خريطة التحولات الجيو-سياسية العميقة في عالمنا المتقلب ؟!!! ... واضح أنها ليست أكثر من ريشة في مهب عواصف التحولات الحتمية ، خصوصا وأنها تحمل في أحشائها كل أسباب الانهيار والاندثار ، ابتداء من فشلها في إقامة ما يسمى ( ببوتقة الصهر ) على المستوى الإسرائيلي – الإسرائيلي واليهودي – اليهودي ، فما زالت الصراعات الداخلية بين يمين ويسار ، وبين متدين وعلماني ، وبين متدين ومتدين ، وبين شرقي وغربي ، في أوجها ... ما يزال هذا الصراع الداخلي بركانا يغلي سرعان ما ينفجر كما انفجر في أكثر من مرحلة تاريخية ، فكان السبب في القضاء على أول كيان سياسي لليهود قبل آلاف السنين ، مرورا بعجزها المدوي في تأمين الحد الأدنى من إمكانات التعايش الكريم بينها وبين مواطنيها من الجماهير العربية الفلسطينية الأصلانية ، والذين يشكلون عشرين بالمائة من مجمل سكانها ، فذهبت بعيدا في تكريس حالة التمييز العنصري والقهر القومي ضدهم في كل مجالات الحياة ، مما ينذر بدوره بانفجار يمكن أن يكون أكثر اتساعا وعمقا وعنفا مما كان في هبة الأقصى والقدس في تشرين ثاني من العام 2000 ، وانتهاء برفضها المنهجي للمصالحة مع المحيط الفلسطيني من خلال الاعتراف بحقه في تقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين ، ولجوئها إلى مزيد من التقوقع والانعزال ، وتعزيز عقلية ( الغيتو ) ، وتعميق الشعور بالبيئة المعادية ، والمحافظة على مكتسبات الاحتلال وبالذات في مدينة القدس ، رغم ما قدمه العرب والفلسطينيون من تنازلات من أهمها الاكتفاء بأقل من 25% من مساحة فلسطين التاريخية المقدسة للعرب والمسلمين ، لإقامة دولتهم إلى جانب دولة إسرائيل ، مقابل الاعتراف الكامل بإسرائيل وإقامة علاقات طبيعية معها ، وفتح سفارات لها في كل دول العالم العربي والإسلامي ، كما جاء في المبادرة العربية للسلام منذ العام 2002 ...
مصير مأساوي
لا شك عندي في أن حكومة إسرائيل الحالية كما هو حال سابقاتها ، تقود الشعب اليهودي إلى مصير مأساوي نجح في أن يراه كثير من الإسرائيليين المثقفين من صحفيين وشعراء وأدباء ومؤرخين وعلماء ... لا بد من أن يكون للواقع الإسرائيلي الذي وصفت والذي رأينا بعضا من ( تجلياته !!! ) في ألأيام والفترة الأخيرة على المستويات الداخلي ( الانفلات التشريعي العنصري ) ، والإقليمي ( زيادة التوتر والاحتقان مع الفلسطينيين والعرب ) ، والدولي ( رفض التوجهات الدولية بوقف الاستيطان وانتهاك المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس المحتلة ، وإطلاق مفاوضات السلام على أسس واضحة بناء على مقررات الشرعية الدولية ) ، لا بد أن يكون لهذا كله انعكاساته الكارثية على الإسرائيليين أنفسهم قبل غيرهم ، وسيؤدي حتما في النهاية إلى حالة متراكمة من التآكل ستنتهي إلى ما انتهت إليه دول أكبر وأعظم قديما وحديثا ، خصوصا وأننا نرى هذا التراجع الإسرائيلي يأتي متزامنا مع عهد جديد بدأ في عالمنا العربي سيعزز حالة المقاومة الفاعلة لسياسات الهيمنة والتوسع الإسرائيليتين ...
شبكة الأعصاب
لن يعجب هذا التحليل أكثرية الإسرائيليين لأنه يلامس شبكة الأعصاب الحساسة والمكشوفة للمجتمع الإسرائيلي ، ولن أستغرب أبدا في أن تسبب هذه الملامسة آلاما مبرحة تجر معها صراخا هستيريا وسلوكا منفلتا ، يأتي مرة في شكل اتهامات لنا بالتطرف والسباحة مع تيار المتشددين ، وأخرى بممارسة الإرهاب ( أنظر تصريحات ليبرمان حول الجمعيات الحقوقية العربية مؤخرا ) ، أو حتى الخيانة العظمى ونكران ( الجميل الإسرائيلي !!! ) ، مما نواجهه في كل يوم على ساحة البرلمان وفي الفضاء العام ... لكن ذلك كله لن يثنينا عن قول الحقيقة ، وهي أن إسرائيل في طريقها إلى التبخر إذا استمرت في سياساتها الحالية ، فهي قد شَغَّلَتْ جهاز تدميرها الذاتي منذ مدة طويلة ، وميلها إلى الانتحار التسلطي (( obsessive ، أصبح نمطا لحياتها والموجه لقراراتها الإستراتيجية ... لا تستغربوا هذا الكلام ، فقد صرحت به من على منصة الكنيست في الأيام الأخيرة في مناسبتين ، الأولى ، عند نقاش ( قانون المقاطعة ) ، والثاني ، عن نقاش موضوع ( لجان التحقيق ) لفحص عمل المؤسسات الحقوقية التي تتهمها إسرائيل بالعداء. الإسرائيليون قد أصموا آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا ، فلا أستبعد أن يصيبهم ما أصاب غيرهم من الأقوام الذين كانوا على نفس حالهم ، والحكيم من اتعظ بغيره.
موقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرا في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر.
لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.co.il