دراسة: إسرائيل أسست أمنها القومي على ضرورة تفوقها العسكري على العرب
دراسة جديدة:
الأمن القومي في إسرائيل يستحوذ على الذهنية الإسرائيلية ويحتل فيها المكانة الأكثر أهمية من أي قضية أخرى
الشخص الإسرائيلي العادي يخدم ما يقارب خمسة أعوام من حياته في الجيش، هذا من دون حساب تجنيده في فترات الحروب والطوارئ
إسرائيل خاضت حروباً أكثر من أي دولة أخرى في العالم، منذ إنشائها في العام 1948 وحتى اليوم، وغيرت حدودها الجغرافية ووسعتها وبدلتها عبر العقود الماضية
إسرائيل لم تعتبر نفسها منذ إنشائها دولةً عادية كباقي الدول، لا من حيث المكانة ولا من حيث الدور، وأسست أمنها القومي على فرضية ضرورة تفوقها العسكري على جميع الدول العربية
في دراسة جديدة أعدّها الباحث الفلسطينيّ، د. محمود محارب، من جامعة القدس العربيّة، قال إنّ الأمن القومي في إسرائيل يستحوذ على الذهنية الإسرائيلية ويحتل فيها المكانة الأكثر أهمية من أي قضية أخرى. ويحتل الجانب العسكري في الأمن القومي، وخاصة الصراع العربي ـ الإسرائيلي، المكانة المهيمنة في مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي.
وتنفرد إسرائيل بمجموعة من السمات التي ميزتها عن سياسة بقية الدول وسلوكها تجاه أمنها القومي، ويمكن إيجازها بالتالي: خاضت إسرائيل حروباً أكثر من أي دولة أخرى في العالم، منذ إنشائها في العام 1948 وحتى اليوم، وغيرت حدودها الجغرافية ووسعتها وبدلتها عبر العقود الماضية بشكل وبوتيرة لم تضاهِها أي دولة أخرى في العصر الحديث. لم تعتبر إسرائيل نفسها منذ إنشائها دولةً عادية كباقي الدول، لا من حيث المكانة ولا من حيث الدور، وأسست أمنها القومي على فرضية ضرورة تفوقها العسكري على جميع الدول العربية، وعلى ضرورة أن تبقى الدولة الإقليمية الأقوى من جميع جيرانها، فرادى ومجتمعين. كما افترضت إسرائيل، ولا تزال تفترض، أن هناك خطرا على وجودها، على الرغم من أن مثل هذا الخطر لم يكن قائماً في أي مرحلة من مراحل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وعلى الرغم من تفوقها في الأسلحة التقليدية واحتكارها السلاح النووي منذ أكثر من أربعة عقود، وامتلاكها ترسانة نووية كبيرة تضعها في مصاف الدول الأولى التي تمتلك مثل هذه الترسانة النووية بعد الولايات المتحدة وروسيا.
خدمة إلزامية
وازداد إنفاق إسرائيل على الأمن وتعاظم من حرب إلى أخرى، وباتت حصة الفرد الإسرائيلي في ميزانية الأمن من أعلى النسب في العالم. وبحسب د. محارب، إلى جانب الإنفاق المالي، يخصص أفراد المجتمع الإسرائيلي فترة زمنية ليست قصيرة من وقتهم للأمن، لا تضاهيها، أو تقترب منها، أي دولة أخرى في العالم. إذ يخدم كل يهودي إسرائيلي في الجيش خدمة إلزامية وفق القانون عامين ونصف العام، عندما يبلغ ثماني عشرة سنة.
القضاء العسكري
وبعد إنهائه الخدمة الإلزامية يخدم في الجيش شهراً واحدا في كل عام حتى يبلغ الخامسة والأربعين. أي أن الشخص الإسرائيلي العادي يخدم ما يقارب خمسة أعوام من حياته في الجيش، هذا من دون حساب تجنيده في فترات الحروب والطوارئ. وبصفة كونه جندياً أو ضابط احتياط، يخضع المواطن الإسرائيلي للقضاء العسكري في المواضيع المرتبطة بخدمته العسكرية، أكان ذلك في أثناء خدمته الفعلية في الجيش أو خلال باقي أيام السنة. ويحتاج رجل الاحتياط إلى تصريح خاص من وحدته العسكرية للسفر إلى خارج إسرائيل، وعليه أن يكون جاهزاً دوماً للالتحاق الفعلي بجيش الاحتياط في وقت قصير نسبياً. أما عند استدعائه للالتحاق بجيش الاحتياط في حالة الطوارئ أو في حالة الحرب، فعليه الالتحاق فوراً بوحدته العسكرية، حتى وإن شوش ذلك حياته المدنية فعلا.
عقوبات قانونية
علاوة على ذلكن أكد د. محارب على أنّ الأمن القومي الإسرائيلي، وخاصة الصراع العربي ـ الإسرائيلي، يحتل المكانة الأبرز والأهم في وسائل الإعلام، وهو المؤثر الأكبر في معنويات المجتمع الإسرائيلي وفي تقويم أفراد المجتمع لأداء الحكم في إسرائيل، ويشكل المعيار الأكثر تأثيراً في تحديد مواقفهم من هذا الحزب أو ذاك. ولا عجب والحال هذه في أن يحتل الجيش الإسرائيلي المكانة الأهم في المجتمع الإسرائيلي التي تفوق أهميتها بكثير أي مؤسسة أخرى في إسرائيل، وأن يحتل أهمية قصوى في نظر مجتمعه لا تضاهيها، بل لا تقترب منها، نظرة أي مجتمع آخر إلى جيشه.
وتابع الباحث الفلسطينيّ قائلاً: لا تنشر الحكومة الإسرائيلية ولا الكنيست أوراقاً عن عملية صنع قرارات الأمن القومي، على الرغم من أهمية عملية صنع القرارات في إسرائيل وخاصة تلك التي تخص الأمن القومي، ظلت الأبحاث في هذا الموضوع في العقدين الأولين لقيام إسرائيل شبه معدومة. وقد اعتبر تسفي لنير موضوع صنع القرارات في ميدان الأمن القومي في كتابه الذي نشره في العام 1984، أنه أحد المواضيع الأكثر إهمالاً في الأبحاث الإسرائيلية في العقود الثلاثة الأولى لقيامها، ويعزو يهودا بن مئير هذا الإهمال إلى ارتباط الأمن القومي في إسرائيل، أكثر من أي دولة أخرى في العالم، ارتباطاً وثيقاً بالاعتبارات والقرارات العسكرية المحاطة بطبيعتها بالسرية الشديدة، والمغروسة عميقاً في قيم المجتمع الإسرائيلي وثقافته، والمحصنة بعقوبات قانونية ضد كل من يخالفها.
الإجراءات القانونية والإدارية
ونوه د. محارب إلى أنّه منذ تأسيس إسرائيل أخرج دافيد بن غوريون، مؤسس إسرائيل الذي رسم نظرية الأمن الإسرائيلية وبلورها، مجال الأمن عن النظام الحزبي الإسرائيلي وعن قيمه وعن قوانين اللعبة فيه، التي تتم فيها المساومات والحلول الوسط، وحسم اتخاذ القرارات بالأغلبية. فقد أبعد بن غوريون قضايا الأمن القومي عن أيدي السياسيين ومنح الصلاحية له ولقيادة الجيش التي كانت، بطبيعة الحال، وأيضاً بفضل الإجراءات القانونية والإدارية التي اتّخذها بصفته وزيراً للدفاع، مقربة منه ومحسوبة عليه وعلى حزبه بشكل عام. وبقيامه بذلك أبعد بن غوريون مجال الأمن القومي عن السياسيين، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب لقادة الجيش ليس للمساهمة مساهمة أساسية ومهمة في رسم سياسة الأمن القومي فحسب، وإنما للتدخل في السياسة أيضاً، لأنه لا يمكن فصل الأمن القومي وقضاياه عن سياقها السياسي.وخلص د. محارب إلى القول: في مقابل تضاؤل دور الأحزاب السياسية وانخفاض قوة الأحزاب الكبيرة وتحولها إلى أحزاب متوسّطة أو صغيرة، عزز الجيش الإسرائيلي مكانته في المجتمع ودوره الحاسم في صنع القرارات التي تخص الأمن القومي. وساهمت مجموعة من العوامل في ذلك، أبرزها: مشاركة قادة الجيش الفاعلة في الاجتماعات التي تصنع فيها القرارات، واحتكار الجيش المعلومات والهيئات التي تقرأ الواقع وتفسره والتقويم القومي أيضاً، وشغل جنرالات الجيش وكبار ضباطه المناصب العليا في الحكومة والكنيست والحكم المحلي والقطاع العام والشركات الاقتصادية، كذلك فرض الحكم العسكري المباشر على المناطق الفلسطينية المحتلة منذ سنة 1967 ومشاركة كبار ضباط الجيش في المفاوضات مع الأطراف العربية المختلفة ودوره المهم في صوغ الرأي العام وتأثيره في شؤون الأمن القومي.