منال بدارنة تكتب: يا يوم الأرض يا يوووم!
طُلِب مني أن أكتب عن يوم الأرض.. كلمة.. خاطرة.. قصيدة..أو أي شيء أي شيء لا يهم ما تكتبينه المهم الموضوع هو عن يوم الأرض.
سكتت للحظةٍ، صفنت في جدار نفسي المسكون روح الحياة.. وتساءلت: "أي شيء؟!" أيليق أي شيء بيوم الأرض!!!
فكرت قليلا..
أهو بحث جامعي أو وظيفة أكاديمية أفصلها تفصيلا وأرسم لها الحدود والأطر: عنوان فهرست مقدمة الفصل الأول الفصل الثاني الفصل الثالث وخاتمة ثم مراجع!!!
إذن؟
أنبدأ المَهمّة؟!!
قبل أن يبدأنا الهمُّ!
يا يَوْم الأرضِ يا يُوم!
(يُوم بالشاميّ يُما بالفلسطيني)
.
إيه..
ماذا أكتب عن يوم الأرض؟؟!!
هل تشحذني الذاكرة المهترئة فتعزف لي لحنا مشروخ الألم وعزفا شهيدا كما هم الخالدون؟!
"من دير ياسين ..لخير ياسين"
ذكرت الجملة.. وأظنها تصلح هتافا نردده في مظاهرة يوم الأرض..
وسئلنا عنها!
ما تعني هذه العبارة: من دير ياسين لخير ياسين..؟؟
قد يظن ظانّ أن العلاقة بين دير ياسين وخير ياسين تقتصر على الاسم الثاني فقط ياسين..
ولكنها
تعتصر ألما أكبر من ذلك بكثير
لا أدري..
مذ كنا صغارا والاسم يتردد في الأجواء يجعلنا نحيا أسطورة البطل: خير!
مذ كنا صغارا ونحن نرقب هذه المظاهرة الرنانة الحاشدة التي تجوب أطياف البلدة العتيقة العريقة وتجوب شوارع البلدتين المجاورتين..
مذ كنا صغارا ونحن نحيا حلما غير مفهوم غير مستوعب إلا أنه حقيقة محسوسة..
كيف كنا نتسابق راكضين متلهفين لرؤية الأعلام ترفرف
والخوف البادي من رجال الشرطة يحومون كقراصنة القلوب حولنا نحن الأطفالَ..
وكيف كنا نتباهى بأن التعداد كبير..
وأن بلدنا استقبلت الجميع!
لا بل أكثر..
كيف كنا نتسابق على المفارق الدروبية لنتعلق مع ايقاع الطبول الهاتفة : بالروح بالدم نفديك يا شهيد!
كانت أغنية لذيذة!!
كهذا شعرناها:
أغنية مسروقة!
محرّمة!!
لذا ما كان أجمل من إباحة الحرام واعتناق الممنوع!!!
فنصرخ
ونصرخ
غير آبهين برجال القرصنة..
بالروح بالدم نفديك يا شهيد..
وكانت حناجرنا كلما صدحت بذا أكثر..
كلما أحسسنا نشوة لا ندريها!!
لا نترجمها سوى بفرحة الطفل الصغير..
حين يسرق حلوى محرمة
فيبتلعها بنهم وخوف ألا يراه أحد!!!
وما كان أجمل من هذا وذاك كله..
حين تهب رياح الطائرات تحوم تنفث كراهيتها في عباب السماء العرابية الجليلية.. وتلوّن فرحتنا بفرح أكبر حين نتعالى بأصواتنا على خوفنا.. ونصدح بالنشيد الوطني لأطفال عرابة!! "طيارة حرامية"!!
ياه..
أكان هذا بعيدا عنا كل البعد أم قريبا منا كل القرب أكثر من قرب الروح للجسد!!
.
أن أكتب عن يوم الأرض..
وماذا أكتب؟؟
قد ولدت بعد المأساة التي نجاهر بفخرنا فيها.. وفخرنا بألمنا!!
هل رأيتم يوما ما شعبا يفاخر بالألم؟!
نعم،
هوذا الشعب المحروق ذا نعم، يفاخر ويجاهر ويكابر ويتلذذ؟؟ لا لا أظنه يتلذذ بالألم وإلا اتهمته بالنفس المازوخية المريضة..
ولكنه شعب بنى رغم السدود والحواجز والقبور الألمية!! بنى له من كل ذلك أملًا
أرأيتم شعبا يُحرّف الكلمة ويحياها!! يصنع له من معناها معنًى يقطنه ويحتويه:
الألم: الأمل!
.
نعم،
إن أشد أوقات الليل سوادا وأحلكها.. هي تلك التي تسبق لحظات بزوغ الفجر ..
لن نعيش بؤس السواد أبديا..ولكنه سواد يبشّر بانبلاج فجرٍ ليس كمثله أي فجر..
اقتلعوا منا الأرض يوما...
اقتلعوا منا جزءا من هذي الأرض..
ولكنهم..
نسوا
أو تناسوا..
هناك حيث استلبونا..
تركنا في الأرض شروشا أنى لهم!!
أنى لهم!!
أنى لهم أن يعرفوا يقتلعوها!!!
يا ياوم الأرض يا يووووووووم!!