الوطنيه والخدمه الوطنيه
تقوم اليوم جهاتٌ عربيه بشن هجوم لاذع على قرار توسيع مجال الخدمه المدنيه, ليشمل عدداً اكبر من الشبان العرب, بحجة أن هذا القرار ما هو إلا خطوة تمهيديه للخدمه العسكريه. هنا وقفت وقفة المصلـّي الذي يتمعـّن ما يتلو الإمام قبل أن يقول آمين., هل هذه الدوله عاجزةُ عن فرض الخدمه العسكريه علينا لتمهّد لنا؟! وإن كانت اسرائيل بحاجه لخدماتنا العسكريه لماذا لم تخيّرنا بينها وبين التهجير في عام 1948؟!.
ولكن الحقيقه أن إسرائيل ليست معنيه بخدماتنا العسكريه, لأننا بنظرها مجموعتين: إما قطـّاع طرق تستغل الرتبه العسكريه لمصالحها الشخصيه وللمتاجره بالسلاح والمخدرات- الامر الذي يخلق في هذه الدوله رؤوس أموال عربيه من العدم وهو ما لا تريده اسرائيل- وإما مجموعة اخرى وطنيه تستخدم البذ ّه العسكريه لتمويل أشقائنا في السلطه الفلسطينيه بالمعلومات والسلاح –وهو طبعا ضد مصالحها-, لذا تسعى إسرائيل لمنعنا من الخدمه العسكريه حتى لا نشغل مناصبا ً بدلا ًمن اليهود او حتى لا نكون واليهود سواسيه, ولكي تبقى الخدمه العسكريه الذريعه التي تسخـّرها إسرائيل لمنعنا حقوقنا.
اليوم تتاح لنا فرصة المساهمه بفعاليات اجتماعيه - مدنيّه- لمدة عام او عامين بصوره تفيد المجتمع بأسره والشرائح الضعيفه بالأخص, مما يعزّز علاقة التضامن بين المواطن والمجتمع والدوله. تتاح لنا فرصة إقامة صفقه كافحنا ستة عقود لنيلها ألا وهي المواطنه والحقوق التي تتبعها, وقبل أن نسأل حقوقنا علينا أن نعطي واجباتنا, لستة عقود كنـّا محرومين من الحقوق لأننا محرومون من أداء الواجبات, اليوم تمد لنا اسرائيل يدها لنعطي ونأخذ, فهل نرفض؟.
قبل عامين عُرض علي الانضمام لإطار الخدمه الوطنيه ولكن لدوافعي الشخصيه واعتباراتي الدينيه والقوميه رفضت ذلك, ورأيت بذاتي بطلا ً يرفض التهاون بتاريخ اهله وأرضه, اليوم بعد دخولي ميدان الاكاديميه وخبرة عامين في المجال العملي أرى أنني ما كنت بطلا ً بل مجرد دون كيشوت آخر يصول في الشارع العربي.
رأيت قبل عامين أن دخولي هذا الاطار هو خدمه لمصالح الصهيونيه العالميه, ولكن هل يخدم المتطوّع لهذا الإطار هذه الدوله أكثر من مدير البنك الذي يرعى اقتصادها؟!, أو اكثر من الطبيب الذي يعالج جنودا ً في المشفى, أو أكثر من أي حامل للجنسيه الاسرائيليه الذي يدفع الضرائب لتمويل جيش الاحتلال الاسرائيلي!.
_ لا شك انه كما ستنمـّي الخدمه المدنيه امكانيات المتطوّع وتصقل قدراته ستخدم اسرائيل بشكل او بآخر, ولكن المتطوّع فيها يخدم بشكل مباشر مجتمعنا واحتياجاته اكثر من الموظـّف الحكومي. شئنا أو أبينا وجودنا مستـَغلٌ لتمويل الترسانه الاسرائيليه فنحن ندفع ثمن الرصاص الذي يقتل اخواننا.. لذا علينا أن نتصالح ونتصارح مع انفسنا, انتمائنا, مصالحنا وواقعنا السياسي والاجتماعي, لنتعلم من أين تـُؤكل الكتف, وكيف يُحلب الثور, كيف نجعل من واقعنا السياسي والاجتماعي سلاحا ً نكتسب به حقوقنا, كيف نخدم هذه الدوله بما يتفق ومصالحنا لكي نكسب ما لا يتفق ومصالحها.
جهاتٌ عدّه تواجه القرار: "إذهب وانخرط بالجامعه بدلا من العمل التطوعي", أجيبها لقد انخرطت في الجامعه بعد رفضي للتطوع, لكنني أدركت أخيرا ً أن مصلحة الفرد من مصلحة الجماعه ومصلحة الجماعه لا تـُكتسب بتحقيق رغبات الانتماء الذاتي بل بتلبية الاحتياجات الجماعيه.
لقد تناست هذه الجهات النسبه الكبيره من طلابنا الاكادميين الذين يغيرون مسار تعليمهم بعد قضاء شوط فيه لأنه لا يتناسب مع قدراتهم ومَلكاتهم, ولو كانوا خدموا مدنيا ً لإكتشفوا المجال الذي يمكنهم أن يبدعوا به اكثر, لعرفوا كيفية الإنخراط في المجتمع وتلبية احتياجاته العلميه والعمليه, والتنسيق فيما بين رغباتهم الفرديه وإحتياجاتهم الجماعيه.
إن الخدمه الوطنيه تفتح المجال للفرد في توظيف أوقاته وقدراته لخدمة المجتمع, الأمر الذي يُشعر الشاب بأهمية وجوده في هذا المجتمع , كما وتمنحه السبل في دعمه وتطويره ليشقَّ طريقا ًيكون الرائد فيه, يُجنـّد فيه ملكاته وقدراته لخدمة المجتمع ولوضع نفسه على رأس السهم الجماعي.
ومثالا ًعلى ذلك: أنا لم أخدم مدنيا, دخلت الجامعه ولا أرى إلا نفسي ولا أسعى إلا لتحقيق ذاتي, دون الالتفات الى متطلبات بيئتي ودون الأخذ بالاعتبار تضاريس عالمي, الامر الذي جعلني عاجزا ًعن إستشعار فائدة الموضوع الذي أدرسه في حياتي. والى جانبي فتاة عربيه قامت بالخدمه المدنيه, وقد كانت مساعده في مركز لعلاج العسر الكلامي عند الاطفال كم هي متعتها بعد عامين من العمل ان يأتي طفل لا يعرف الكلام وينطق اسمها بطريقه سليمه, لقد علـّمتها تجربة الخدمه المدنيه اشياءً لم أختبرها أهمها أهمية الموضوع الذي التحقت به "ריפוי בעיסוק" ودوره في الحياه.
فلو وظـّف كل شاب قدراته في تحقيق رغباته عبر إطار الخدمه المدنيه لإستشعر أهميته كخليفة الله على الارض وكعضو حيوي في جسد هذا المجتمع.
إن هذه المنابر التي تدعوا الى مقاطعة الخدمه الوطنيه هي ذاتها التي خاضت معارك شرسه لتحصيل الهويّات للمتسللين العائدين الى الوطن بعد ان أبصروا المستقبل الممزق الذي ينتظرهم في الدول العربيه. منابر "بدّن منو واتفو عليه" تعاملوا مع الحكومات الاسرائيليه لتحصيل مآربهم الحزبيه, ولكنهم حناجرٌ بلا عيون فهم ذاتهم الذين يدعون الى تهشيم رموز الدوله في المظاهرات وان كانت هذه الرموز لخدمتنا كتكسير نوافذ صناديق المرضى وابواب البنوك, هذه الجهات ذبذبات عمياء تتخبط على غير هدى لا تدري مصلحة المجتمع أين!, لا تعلم أننا أصغر من أن نقاوم بروتوكولات دوله وإستراتيجيات عليا حدَّدها قطب العالم الوحيد وأن نجاهد دولة مفتعله كإسرائيل. أقصى جهدنا هو تسخير جهودنا في ما يتوافق مع هذه الدوله - دولتنا شئنا أو أبينا- , لنخدم مجتمعنا وأبناء جلدتنا.
_ إن مصطلح الخدمه المدنيه بعيدٌ كل البعد عن القاموس الامني لاسرائيل, لان الجهاز المشرف على هذا الإطار مستقل غير مرتبط بالاجهزه الأمنيه كما ان شهادة تخرّج المتطوع تصدر من وزارة الرفاه وليست من وزارة الدفاع, فضلا ً الى ان العماله والوطنيه لا تختص مسمّيات او أطر بل هي طريقة التعامل مع هذه الأُطر وهذه الوضعيات, فقد يكون شيخ ينهى الشباب عن التعامل مع أجهزة الدوله وهوعميلٌ لها ينقل ما يدور في المسجد, وقد يكون هنالك عضو كنيست يعترف بالدوله ويمنحها ولاءه وفي ذات الوقت يخدم الأسرى والمناضلين في القضيه الفلسطينيه ويسد احتياجات شعبه.
فالوطنيه تقاس بالفائده العامه, التي تجلبها لعالمك وانتمائك ولو اختلفت السبل والوضعيات.
لذا مع احترامي للجهات المعترضه على الخدمه ولأمثالي من الرافضين للخدمه والمتخاذلين عن مساعدة أقليتنا للصمود في هذه الدوله,
أشد على أيدي الطلائعيين في الخدمه المدنيه الذين سيحشرون اسرائيل في خانة اليك, :اعطيناكم طوعا ً واجبنا.. أعطونا برضاكم او بغيره حقوقنا.