شوقية عروق تكتب: البنطلون الذي وصل للخيمة
شوقية منصور عروق
لم نعرف اسم الشابة السودانية التي كانت تجلد بحرارة الكرباج
شافيز يوسع قصره لاحتواء شعبه ، ونحن نضيق الوطن حتى يتحول الى فتحة في بنطلون قد تكون فقط للتبول
من حق كل مجتمع ان تكون له خصوصياته ، لكن عندما يتحول البنطلون الى جريمة العصر ، تصبح حياة المرأة شاشة يجب ان يحدق فيها الآخرون
حين كانت تصرخ وتحاول الاختباء ، كانوا يضحكون ويقهقون عليها ، يعتبرون ضربها رجولة وحماية للأخلاق الحميدة التي تريد ان تتسرب من أرجل البنطلون ، لم تجد المرأة أي رجل يوقف الجلد الدامي ، ولم تجد من يعترض ويحاول الاستنكار ، لكن من نعم الهواتف الخليوية انها تحولت الى كاميرات تسجل المواقف الهاربة من اللحظات المخبئة ، او اللحظات التي تكون في قمة تفاصيلها مذهلة ، لكن اصحابها يحاولون كسر ذهولها على عتبة الخوف من انتشارها .
لم نعرف اسم الشابة السودانية التي كانت تجلد بحرارة الكرباج الذي يريد ان يصيغ " النقاء والفضيلة " في مجتمع يعاني من الفوضى والفقر والنزاع والانقسام ، لكن رأينا وجه الشرطي الذي كان يجلدها ، وهو يتمتع بالجلد وأصوات الصراخ والتوسل ، وقد انضم إليه شرطي آخر حتى تكتمل مهمة تلقين دروس الأخلاق للفتيات اللواتي يخرجن عن عادات وتقاليد المجتمع السوداني .
من حق كل مجتمع ان تكون له خصوصياته ، لكن عندما يتحول البنطلون الى جريمة العصر ، تصبح حياة المرأة شاشة يجب ان يحدق فيها الآخرون حتى يروا خطوط العذاب الذي قد ينالونه إذا تمردوا على الخصوصية .
تلك المرأة (أذنبت) حين ارتدت البنطلون ، نالت عقوبة الجلد المبرح ، ولم يرحمها الناس الذين كانوا يتمتعون بمشاهد الجلد بفرح وانبساط، لان جلد المرأة من جلد الشيطان الذي يعبث في المجتمع .
سابقاً ظهرت قصة الصحفية (لبنى احمد الحسين) ، التي أدانتها محكمة سودانية بتهمة (ارتداء زي فاضح ) بنطلون تحت العباءة ، لكنها أثارت قرار الإدانه على الملأ عبر الفضائيات وقررت ان تذهب الى ساحة المحكمة وتتلقى الجلد ، وقد قامت بدعوة الجمعيات النسائية وجمعيات حقوق الانسان ، وعلى خجل تنازلت المحكمة عن الجلد خوفاً من تداعي هذا الحكم على الرأي العام العالمي .
فجأة رجعت قصة البنطلون الى ساحات مسح العار في السودان، ورجعت المرأة التي تجرأت وارتدته الى إطار الصورة المخزية، التي تجعل من قطعة قماش هماً وطنياً ، في الوقت الذي يتعرض الوطن الى جوع وتقسيم وهجرة وهروب الى إسرائيل .
بينما كان يعرض شريط الجلد على الفضائيات ويوزع على (اليوتيوب ) وبين رافض لعملية الجلد ومؤيد لها ، القت السلطات المصرية في صحراء سيناءعلى مجموعة من السودانيين في طريقهم الى اسرائيل للبحث عن عمل - هروب الى اسرائيل لا يهم ، ولا احد يجلد السلطات السودانية على صمتها المزري على هذا الهرب ..!
وقد رأينا ، ولا نزال نرى الكثير من العمال السودانيين في شوارع تل ابيب وحيفا وغيرها من المدن الإسرائيلية ، وأيضاً ينتشرون في القرى والمدن العربية ، انهم ينتظرون على الأرصفة اصحاب الأعمال والمقاولين، حتى اصبحوا يحاشرون العمال الفلسطينين الذين يهربون من الحواجز عبر طرق خطرة للعمل وتوفير لقمة العيش . .
ان البنطلون يثير حفيظة النظام السوداني ويد النظام ، الشرطة تريد قطع دابر البنطلون الاستعماري الذي يغتال كرامة الوطن !!! .فإاذا كان البنطلون يشعل الحذر ويخيف الذين يحرصون على نقاء الأمة، فان الخيمة تشعل في الرأس السؤال ، هل يوجد زعيم عربي يتنازل عن قصره من اجل فقراء ومشردي شعبه ؟
(هوجو شافيز) رئيس فنزويلا ، تنازل عن قصره الرئاسي من اجل الذين دمرت بيوتهم في الفيضانات التي اجتاحت البلاد مؤخراً، موقف وطني من زعيم يحترم الآم شعبه ، شعر ان واجبه حمايتهم من البرد والمطر ، فقدم بكل طيبة الإنسان الرفيع قصره ،هذه قصة من قصص التاريخ الملىء بالقادة الذين نصفهم قيادة ونصفهم الآخر انسانية .
(شافيز) سكن في الخيمة التي اهداها له الرئيس الليبي معمر القذافي – الشهير بحبه للخيام ، وقد اثبتت وثائق ويكيليكس ان القذافي يعاني من الخوف من الأماكن العالية ، لذلك نستطيع تفسير حبه لنصب الخيام – .
في احدى اللقاءات مع الشاعر احمد فؤاد نجم سألوه عن بيت حسني مبارك ضحك وقال ( هو حد يعرف حسني مبارك بينام فين ؟؟؟) واذا قسنا هذه الرد على باقي الرؤساء العرب نؤكد انه لايوجد مواطن يعرف اين رئيسه ينام ! وهناك رؤساء يغيبون عن الوطن والمواطن لايعرف بغيابهم !
شافيز يوسع قصره لاحتواء شعبه ، ونحن نضيق الوطن حتى يتحول الى فتحة في بنطلون قد تكون فقط للتبول .