محمود صالح عودة يكتب: فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا
محمود صالح عودة:
المطلوب في المسائل العقدية هو اليقين، وهو ما لم نحصل عليه من الروايات المختلفة حول "علامات الساعة"
استخدم أعداء الدين ورقة "المهدي" لإثارة الفتن بين العرب والمسلمين، وهو ما ظهر مؤخرًا في العراق بعد احتلاله عام 2003
يبدو أن قضية "المهدي المنتظر" تشغل بعض المسلمين هذه الأيام، وكذلك ما يسمّى "علامات الساعة"، ممّا أوجبنا التعرّض للموضوع وعرضه من زاوية قد تخفى على البعض، بإيجاز شديد. إدّعى المدعو ناصر محمد اليماني مؤخرًا بأنه "المهدي المنتظر"، وهو ليس أول من ادّعى المهدوية، فقد سبقه المئات في التاريخ الإسلامي على مدى العصور وحتى يومنا هذا. ودون التدخّل بما يدّعيه الشخص وغيره، الأولى بنا أن نعرض أصل العقيدة التي أسّس البعض مذهبهم عليها، باختصار، كون المقام لا يتيح لنا المجال بالتوسّع.
المهدي المنتظر
تأتي روايات "المهدي المنتظر" ضمن ما يسمّى "علامات الساعة"، وهي أحاديث منسوبة إلى رسولنا الكريم (ص)، التي إن عرضناها على كتاب الله، نجدها تخالفه ظاهرًا وباطنًا.
فالساعة مذكورة في القرآن 39 مرة، 3 مرات منها متعلقة بظرف سؤال الناس النبي عنها، ومن هذه الآيات: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي..} أي أن النبي مأمور بالقول أن علم الساعة عند ربه {لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ..} لا يظهرها لوقتها إلا الله، {ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً..} أي فجأة {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا..} يسألونك كأنك عالم بها، {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ..} التكرار للتأكيد بأن علمها عند الله وحده وأن ليس للنبي أي علم بها، إلى آخر الآية {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} (الأعراف: 187). وقال تعالى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا} (الأحزاب: 63) أي أي شيء يعلمك بوقت قيامها، والمعنى على النفي أي لا يعلمك به شيء أصلاً، وفي آية أخرى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا} (النازعات: 42-43) أي ليس لديك من علمها شيء حتى تذكره.
علامات الساعة
فمن أين أتت روايات "علامات الساعة" المخالفة لصريح القرآن؟ وهل يمكن أن يخالف النبي (ص) أمر ربه ويتحدث عمّا يشهد الله أن لا علم للنبي به؟، كلا. وما يوضّح المسألة أكثر هو قول الله عزّ وجلّ: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا} (محمد: 18) أي أن أشراط (علامات) الساعة قد جاءت، وكان آخر هذه الأشراط بعثة محمد (ص) والرسالة التامة الكاملة التي أنزلها الله إليه، فهذه الأشراط علمها بعض أهل الكتاب، وبعدها لن تأتي الساعة إلا بغتة، فكان عليهم أن يؤمنوا بالمبعوث الذي وعدهم الله، والكتاب المهيمن الذي أنزله الله.
القضية !
ثم إن "قضية "المهدي المنتظر" كلها لا أصل لها في القرآن الكريم، وهي ليست مذكورة بالعبارة ولا بالإشارة"، ذكر هذا الإمام يوسف القرضاوي في مقال له، وأضاف: "أودع الله في هذا الدين ـ عقيدته وشريعته وقيمه ـ من عناصر الخلود والتجدّد ما يضمن بقاءه محفوظًا متجددًا، قادرًا على مواجهة كل تطوّر، وكل جديد". وناقش الإمام عبد المنعم نمر في كتابه "الشيعة - المهدي - الدروز" زيف عقيدة "المهدي المنتظر" وشرح أن أصلها سياسي، حيث بدأت تظهر تلك الروايات بعد الفتن الكبيرة التي وقع بها المسلمون، عندما اشتدّ الخلاف حول القيادة والحكم، ذلك عشرات السنين بعد وفاة سيدنا محمد (ص). وبعض هذه الروايات ظهرت مئات السنين بعد وفاته (ص)، وينسب جزء من المسلمين كل هذه الروايات إلى الإسرائيليات، بدعوى أنها جاءت لتحبط المسلمين حتى لا يقاومون الواقع الذي يعيشونه، وينتظرون "المهدي" لينقذهم من محنتهم. وللدكتور طه الديلمي كتاب سرد فيه تاريخ هذا المعتقد وبطلانه، تحت عنوان "المهدي المنتظر - هذه الخرافة"، كما كان ابن خلدون رحمه الله ممّن عملوا على كشف بطلان عقيدة "المهدي المنتظر".
استخدم أعداء الدين
سبق وأن استخدم أعداء الدين ورقة "المهدي" لإثارة الفتن بين العرب والمسلمين، وهو ما ظهر مؤخرًا في العراق بعد احتلاله عام 2003، حيث ادّعى هناك كثير من الناس - معظمهم من الشيعة - المهدوية أو أنهم "نوّاب المهدي"، واتّخذ أحدهم، وهو أحمد إسماعيل (الحسن) نجمة داود شعارًا له ولجماعته - تمامًا كما وضعت طائفة أخرى ادّعى مؤسّسها المهدوية النجمة السداسية على علمها بجانب الهلال، وهي إشارة وثنية الأصل، يستخدمها اليهود والصهاينة ويزعمون أنها تعود للنبي داود - وكان أولئك يدعون لقتل الأئمة والعلماء وإثارة الفوضى "لتعجيل مجيء المهدي المنتظر".
وإن أعداء الدين - من الداخل والخارج - عملوا وما زالوا يعملون على دسّ عقائد وخرافات باطلة لإثارة الجهل والتقاعس والفتن ولمآربهم الأخرى، واستخدموا عملاءهم ليقوموا بتلك المهمّات في مشارق الأرض ومغاربها.
الروايات..
ممّا جاء في روايات "علامات الساعة" كذلك، روايات نزول المسيح (ع)، المشابهة لمسألة "المهدي"؛ حيث إن عرضناها على القرآن نجدها تخالف صريحه، بالذات لكونها تستند لرفع عيسى (ع) بجسده - وهو ما يعتقده بعض المسلمين - خلافًا لروح القرآن الذي علّمنا أن الأرواح تبعث بعد الموت لا الأجساد. وشرح بعض المفسّرين {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} (آل عمران: 55) أن التوفي هنا الموت - وهو القول الأصوب لأن هذا هو المعنى الغالب في القرآن - والرفع رفع المكانة لا الجسد، وقال هذا الرازي والألوسي وابن عاشور، وهناك رواية تعود لابن عبّاس (ر). ثم ليس لله مكان حسّي حتى يرفع المرء إليه.
ويرى ابن حزم وهو من فقهاء الظاهر أن الوفاة في الآيات تعني الموت الحقيقي، وأن صرف الظاهر عن حقيقته لا معنى له، وأن عيسى بناءً على هذا قد مات. وذكر الله تعالى عن إدريس {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} (مريم: 57)، أي رفعنا درجته بالآخرة وليس جسده. وقال كل من الأئمة الأجلاء محمد عبده ومحمد رشيد رضا وشيخ الأزهر سابقًا محمد مصطفى المراغي وخلفه محمود شلتوت، والعلامة محمد غزالي وسيد قطب رحمهم الله وطه جابر العلواني بموت عيسى عليه السلام جسديًا، وهو القول الراجح لدى الراسخين في العلم.
مقارنة الأديان..
ذكر د. أحمد شلبي في كتابه "مقارنة الأديان 2 - المسيحية" بعض الذي سردناه، حيث ختم نقاشه حول موت المسيح بالقول: "الاعتقاد بأن عيسى رفع بجسده وروحه اعتقاد متأثر بالفكر المسيحي الذي يرى أن عيسى هو الإله الإبن نزل من السماء ثم رفع ليعود للجلوس بجوار أبيه الإله الأب. أما المسلمون الذين يعتقدون أن الله واحد، وأنه في كل مكان، وليس جسمًا، فكيف يوفّقون بين هذا وبين رفع عيسى ليكون بجوار الله، فالله - مرة أخرى - في كل مكان، ولو بقي عيسى على الأرض لكان مع الله أيضًا. وكيف يوفّقون بين هذا وبين قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ} (الأنبياء: 34).
وبيد أن ذكر القرآن على لسان عيسى (ص): {وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} (مريم: 33) فقد ذكر قبلها بعدّة آيات: {وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} (مريم: 15) نسبة ليحيى (ع)، فإن الموت بالآيتين موت الجسد والبعث بهما بعث الروح، وما يخالف ذلك يحمّل اللفظ ما لا يحتمل.
ثم إن ما جاء في القرآن يوضّح بأن عيسى (ص) هو الذي بشّر بمجيء محمد (ص) وليس العكس: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ..} (الصف: 6)، وأحمد من أسماء سيدنا محمد (ص).
روايات المسيح الدجال..
ممّا يأتي ضمن الباب كذلك روايات "المسيح الدجال"؛ وهي عقيدة مسيحية الأصل ولا علاقة لها بالإسلام ولا ذكر لها بالقرآن، ويشار إلى الاسم في الإنجيل بالإنجليزية "أنتي-كرايست" أي ضد المسيح. وعندما سُئل الإمام محمد عبده عن الدجال قال: "إن الدجال رمز للخرافات والدجل والقبائح التي تزول بتقرير الشريعة على وجهها والأخذ بأسرارها وحكمها."
إن المطلوب في المسائل العقدية هو اليقين، وهو ما لم نحصل عليه من الروايات المختلفة حول "علامات الساعة"، فلم ترقَ الأحاديث في هذا الباب لمستوى الصحّة الموجبة للاعتقاد وفقًا للعلماء، وإنّ ذلك طبقًا لما ذكرناه من الآيات البيّنة ليس ممكنًا، لأن ما يخالف العقيدة القرآنية هو باطل، ولا يمكن أن يقوم النبي (ص) - الذي "كان خُلقه القرآن" - بأي شيء يخالف القرآن.
ولقد تمّت الرسالة والله تكفّل بحفظها؛ {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} (المائدة: 3) و{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر: 9)، فليس علينا إلاّ العودة إلى المنهاج الربّاني المحفوظ والعمل به ونبذ ما يخالفه، دون انتظار أي أحد، فكلّ من تمسّك بكتاب الله واتّبعه هو مهدي، لا يضلّ ولا يشقى.