واحـــة الـــنــفـــس - دنيا مجدوب
دعونا هذه المرة, على هذه الصفحةِ .. ننتشلُ كتابنا المهجور, الذي نسيناهُ ولم ينسَه الغبار..
لنزيلَ غلافهُ, ونتذكر.. أنُّ في أجسادنا, في جسدِ كلِّ واحدٍ منّا.. سكنَ طيفٌ.. سكنَ أغلى ما نملكُ, وأرقى ما لا يمكنُ للعقولِ.. معايـنـَتـه!
وهذا الطيف لطالما صرخَ بنا, نبّهنا.. حاولَ أن ينطقَ بسرٍّ.. لكننا أيضًا, لطالما أسكتناهُ وأجّلنا أجيجَ صداه..
وبما أننا نُخرس أطيافنا.. التي هي أرواحنا, التي هي نفوسنا..
فقد تسرّبَ من بخار النفوس رشفة سحرية إلى قلمي.. جعلتهُ ينطق.. ويذكّر منبّهًا من خلالها.. عبرَ صفحةٍ ستعبرونها بأعينكم دون موعدٍ. وآمل ألا تشغلكم متطلباتُ أجسادكم الملّحة في أن تغفلوا, وتضيّعوا هدية َ قلمي إليكم..
إن أرواحكم لطالما حاولت أن تذكركم, أنها لن تمكثَ معكم –عندكم- طويلا..
لأنها موقنة أن مأواكم فان ٍ .. فهي موعودة ٌ بما هو أفخر وأعظم.. بما هو خالدٌ سرمديّ..
لطالما أرادت أن تنصحكم أن: عِش في الدنيا كأنكَ غريب أو عابر سبيل.. وابقوا على أهبّة الرحيل..
وعلى صفحة أخرى من كتابنا المهجور.. كُتبَ تعريفٌ واضح, لخلطةِ الإنسان ِ الذي اجتمعت به صلةٌ متنافرة. فإن أضفنا للجسد.. الروح.. تتكون بذلك: النفس.
التي هي حاصل الطرفين ِ.
وبما أن كل امرئ منا يدرك نفسَه أكثر من غيره, فأنا موقنة أنه يشعر بنفسِهِ.. وسط صراع كبير.. بين جسده وروحه.. بين إرضاء أحد الطرفين.. لأن هناك أفعال وفِعل.. يناقض أحدهما الآخر.. ولراحة البال.. اختيار ما يرضي الطرفين يهدئ روع الضمير. في النهاية, إن أصغينا للجسد, فسيجرنا هذا إلى أسفل الدركات..
أما الروح.. إن أنصتنا لها وأطعنا حدسها.. فكلنا نطمح بالأعالي.. وهذا مصيرها..
إن التنازع بين الارتقاء والتسفل, أرهقنا.. لهذا انصعنا للأسهل.. للأسفل..
إذا لا تعاتب الناس عن تجنبهم من نعتك بالعفة.. استمع لهمس روحك.. ولو مرة واحدة في عمرك..
والله لو تتذكر أنك من تراب والى التراب تعود.. لما ملأت جسدك وأشبعته أمعاء ورداءً..
أيكون تلابُسًا قد حصل بين الجسد والروح – كما يحصل بين القطرة والعَبرة- إن كان الجواب كلا.. فمالي إذًا أرى سعي البشر نزولا.. ما دامت طريق الروح صعودا؟!
فلنعط الفرصة لأرواحنا أن تحلّق.. وأن ترتقي.. فلا ارتقاء في الدنيا.. بوجود الآخرة.
وليكن مجلسنا أعلى المنطاد, الذي يكافح الصعود. وليس عند الحجر الذي يشد بمنطادنا محاولةً منه في إيقاعنا..
قلبتُ فصلا آخر, كان وما زال مغتربًا عن أرض واقعنا.. اختبأ من صقيعنا وعواصفنا.. بين طيّات كتابنا المهجور –التاريخ الدافئ- لكني طويت عنه الصفحة, وفتحت باب قفصه الصغير, لينطلق من غياهب السجون, حيث.. هنا.. الحرية المطلقة.. فكل شيء أصبح مباحًا هنا.. في عصر العيون.. الملونة...
جاء بالحقيقة زائرًا أرضنا.. لكنه ما لبث أن عاد هاربًا.. إلى كتابه.. لأننا هربنا منه!!
كرهنا ما يحمل.. أمقتناهُ..
كان ذو حشرجة غريبة تناضل بسماع العالم صوتها الداخليّ.. كان يناشد بملاحظتنا جواهر الأمور وأن ننظر بعين البصيرة!
لقد جعلنا لأنفسنا صورًا مختلفة تمامًا عما يحويه باطننا..
قمنا بتشويه الكثير الكثير... شوّهنا الكون بالجمال الذي ندّعيه . بهذا الجمال.. جرّدنا عالمنا.. جرّدنا أنفسنا.. جرّدنا قوميتنا.. من حدودها !!.. ( ولم يقصد المناضلون تجريد هذه الحدود)!!..
نفخر بان الصرعات الناشئة التي تغزو بلادنا .. تفتح وتطور؟.. إنها حرب
أليست حربًا صامتة غربيّة ؟ تمتدّ خفية؟! .. تعرقل أفكارنا.. وتحارب عروبتنا الكاملة الطاهرة.. لتتجزأ إلى عدة قوميات أخرى.. ولا تسألوني عن السلاح!
فنحن أسلحة أنفسنا..
إذا فنحن أول الظالمين لأنفسنا.. ولوطننا.. الذي هو روحنا.. وليس هذا بتشبيه جميل.. بل انه حقيقة لأن لكل الناس وطن يعيشون فيه, إلا نحن لنا وطن .. يعيش فينا
وبما أن حربًا أخطبوطية تتسلل الآن وغدًا..
فلكتابنا المخبأ كلمة أخرى: أما علمتم أن الدرّ أغلى ما يكون في أصدافه مكنونًا ؟
لنبحث عن أغلانا, لننظر فيه, لنجد لكل مكان مقامه الصحيح..
كيف لا ينطق ضريح تاريخنا من جديد؟.. وقد حصرنا الجمال بالقدّ الرشيق.. والعلم بأوراق مختومة.. والمراتب بالجثث الضخمة.. والآداب بالصمت الأبله..
فلتقع كل هذه الأقنعة التالفة.. ولنقلع أعيننا الملونة.. كي نرى جيدًا.. كي نرى زجاج الحقيقة شفافًا..
دعونا نضاعف مجهودنا.. على صقل أرواحنا.. لا على هندسة أجسادنا.. ولنجسّد أرواحنا نحن !
لنصقلها.. ونقشّر عنها الأدران العالقة فيها..
أحجار أرواحنا الكريمة مخبأة بين تراب أجسادنا.. كلما صقلنا هذه الدرر المكنونة.. ستزيد لمعانها, وألباب الجميع ستسرق. إذ يبان على الجسد جوهر الداخل..
وليس سرًا.. أن لسان الحكيم وراء قلبه.
فليكن سباقنا وتنافسنا, من هذه اللحظة.. على أنقانا روحًا.. وأخفنا خطايا.. وأن نكون أروع فراشة تغادر يرقتها!!..
فما بالنا نستهتر بأنفس الدرر؟ ونتباهى بأتفهها قيمة..
لن يسمح الله لأحد أن يصطحب معه غرض صَحِبهُ في الدنيا.. فلنكرّم الشيء الوحيد الذي سنصحبه معنا.. كي نُكَرّم!..
لنعيد النظر في هذه النبتة الخضراء فينا.. لنسقيها شفافية الأعمال وأرقى الأقوال.. ولنبتعد عن الشراب الأسود .. الحقد.. الذي لا يضر سوى صاحبه..
كتابنا الغباريّ.. ما زال يحوي في طياته صفحات كثيرة.. وكلمات أكثر!..
لنجدد خطواتنا .. فما زال الدرب طويلا رغم قصره..
ما زالت خريطتنا متشابكة غير واضحة .
فآن الأوان .. أن نجدد ما في نفوسنا ونغيّر كل قديم.. والأصح.. أن نعيد القديم.. ليعود فخر أجدادنا.. وفجر تاريخنا..
هناك عبارة لطالما ترددت أصداءها ذهني .. إن قوة العدو ليست سوى ضعفنا نحن!
نستطيع بدءا من هذه اللحظة, أن ننال ما نشاء وقتما نشاء.. بمقدورنا أن نكون أقوياء..
لنطو صفحة الحاضر الذي نحن فيه.. ونجدد قوتنا, ففي صميمنا قوى رهيبة..
واني لا اقصد همّة الأبدان.. إنما الإرادة.. التي لا تُقهرُ!
شدّوا الرحال.. فالرحال نفسه راحل.. فلننهض!! نعوّض ما فاتنا..
مرضنا فترة.. ولكننا لم نمُت !
نِمنا.. لكننا لم نغفُ!
واستردادُ الحلم ِ.. آن !!