محمود صالح عودة- شهر القرآن والتحرر من الشهوات
محمود صالح عودة في مقاله:
الله اختار شهر رمضان ليظهر فيه الحق ويزهق الباطل، بتنزيله كتابه الكريم هدىً للناس
عند مجيء رمضان، نرى كثيرًا من الناس يزيّنون بيوتهم بشتى الأشكال، ويقيمون موائد الإفطار الفخمة
يعود علينا كما في كل عام شهر رمضان المبارك، الذي قال الله تعالى بحقه في كتابه الكريم: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ...} (البقرة – 185)، وجعل في هذا الشهر ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر. لم يكن النبي عليه السلام ليأتي بشيء من عنده، إنما كان يتبع ما يوحي الله إليه؛ {قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ} (الأنعام – 50)، ووُصف سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بأنه كان قرآنًا يمشي على الأرض، وأمر المؤمنين باتباع القرآن، وألا يكتبوا عنه شيئًا إلا القرآن. فلنسأل أنفسنا، أين نحن من هذا القرآن الذي كان يتبعه نبينا الكريم عليه السلام والذي أمر المؤمنين باتباعه، في شهر رمضان وغيره؟
التحرر من الشهوات
عند مجيء رمضان، نرى كثيرًا من الناس يزيّنون بيوتهم بشتى الأشكال، ويقيمون موائد الإفطار الفخمة، ويتوافدون إلى المساجد بكثرة لأداء صلاة التراويح النفلية، ولا بأس في ذلك ما لم يرافقه رياء وبذخ وإسراف، إنما تكمن المشكلة في التركيز على شكليات رمضان وزينته بدلاً من مضمونه، وتجاهل الفرائض طوال السنة واتباع بعضها في رمضان، ثم الإعراض عنها مرة أخرى بعد انتهائه. إن الله جعل رمضان رحمة ونعمة للمؤمنين، يتحرّرون فيه من شهواتهم التي تعوّدوا عليها طوال السنة، لينتهوا عنها فترة من الزمن، ويتمتّعوا بالأنوار الروحانية، التي تعيد للجسم حياته الحقيقية، وهي الحالة التي يجب أن يبقوا عليها ليس في رمضان فحسب، بل طوال حياتهم.
أمّتنا واقعة تحت الاحتلال والحروب الإجراميّة
في رمضان هذا، لا زالت أمّتنا واقعة تحت الاحتلال والحروب الإجراميّة، التي تشنّها دول وجهات إرهابية حاقدة، على المستوى الاحتلالي العسكري المباشر كما في فلسطين والعراق وأفغانستان، وعلى المستويات الأخرى - الإعلامية والثقافية وغيرها – عالميًا، وعن طريق الحكّام العملاء في دول عدّة. والمشكلة لم تأت من أعداء هذه الأمة فقط، بل من داخلها؛ ففي عالمنا الإسلامي والعربي مؤسسات دينية وسياسية ترسّخ مفهوم الاستسلام في أذهان الناس بعلم أو بغير علم، حيث يصبح عندها الاستسلام والوهن والذل فلسفة بل عقيدة، فالغرب بنظرهم عدوّ (وولي أمر عند البعض) لا يقاوَم، ولا يمكن أن يقاتَل، وكل من يقاوم عدوانه يُعتبر "ظلامي" و"راديكالي" عند هؤلاء، مما يُحبط بعض الناس ويجعلهم ينتظرون منقذًا أو "مهديًا" أو "مسيحًا" - ظلمًا وزورًا - ينقذهم من محنتهم وهم قاعدون، جاهلين حقيقة أن كل من تمسك بكتاب الله واتبعه هو مهدي، لا يضل ولا يشقى.
ظهور الحق
إن الله اختار شهر رمضان ليظهر فيه الحق ويزهق الباطل، بتنزيله كتابه الكريم هدىً للناس، لإنقاذهم من الضلال المبين وإرشادهم إلى حق اليقين. وإن الله تعالى شاء أن تكون انتصارات المسلمين الكبرى في رمضان، من معركة بدر وفتح مكة والقادسية، مرورًا بفتح الأندلس، حتى معركة عين جالوت وغيرها. فلنجعل رمضان هذا شهر القرآن حقًا، ولنتذكّر أنه لولا اتباع أسلافنا لكتاب الله لما وصلوا إلى ما وصلوا إليه، وأن الانتصار الحقيقي يبدأ بالإنسان نفسه، حين يغلب شيطانه الذي يأمره بالسوء والفحشاء وأن يقول على الله ما لا يعلم، وعندما يتبع كتاب الله حق اتباعه ليس في هذا الشهر الفضيل فحسب، إنما في كل آن وحين. ولنجعل رمضان هذا موحدًا تحت لواء كتاب الله، {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا...} (آل عمران – 103) لا متفرّقين متشرذمين {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} (الروم – 32) لكي لا نعطي الفرصة لعدوّنا باستمرار مسلسل فرعون الذي قد بدأ به {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} (القصص – 4)، متّبعين كتاب رب الأرباب الذي {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (المائدة – 16).