في عين العاصفة.. بقلم : د. سلمان الحسنات
- سلمان الحسنات في مقاله:
* الانقسام الفلسطيني دوريا كبيرا في الوصول إلى هذا الوضع الذي نحن فيه اليوم
* أصبح من الصعب جدا استقراء أي مؤشرات لهذه العاصفة أو في أي اتجاه ستكون ضربة الإعصار القادمة
* ليست هذه هي الجولة الأولى ولن تكون الأخيرة في الحلبة السياسية على صعيد ملف الصراع العربي الإسرائيلي
* حجم الضغوطات التي مورست من قبل الإدارة الأمريكية على الفلسطينيين خصوصا والعرب بشكل عام لم يشهد لها مثيل
يدخل الملف الفلسطيني هذه الأيام إلى عين العاصفة بحيث أصبح من الصعب جدا استقراء أي مؤشرات لهذه العاصفة أو في أي اتجاه ستكون ضربة الإعصار القادمة. التأمت لجنة المتابعة العربية للسلام الخميس الماضي في القاهرة بحضور الرئيس محمود عباس وهذا الاجتماع ليس وليد اللحظة بل تم التوافق على هذا الاجتماع منذ اتخذ القرار يبدأ المفاوضات الغير مباشرة مع الجانب الإسرائيلي وعلى ضوء عدم التوصل إلى أي تقدم ملموس في هذه المفاوضات حتى الآن. ليست هذه هي الجولة الأولى ولن تكون الأخيرة في الحلبة السياسية على صعيد ملف الصراع العربي الإسرائيلي, ولكن هذه الجولة تختلف اختلافا كبيرا عن سابقاتها وسيكون لها ما لها من انعكاسات على الملف الفلسطيني في المستقبل القريب وذلك لعدة أسباب جوهرية.
يقول المراقبون للاجتماع الأخير بالقاهرة بأن حجم الضغوطات التي مورست من قبل الإدارة الأمريكية على الفلسطينيين خصوصا والعرب بشكل عام لم يشهد لها مثيل منذ لقاء كامب ديفيد مع المرحوم أبو عمار والذي ذهب بالمنطقة إلى انتفاضة الأقصى وعزل الرئيس ياسر عرفات ومن ثم قتله مرورا بالانتخابات الفلسطينية ودخول حماس المعترك السياسي وانسحاب إسرائيل التكتيكي من قطاع غزة والاقتتال الفلسطيني وعزل الضفة الغربية عن قطاع غزة والمسلسل مستمر.
تنافس المصالح الذاتية والإقليمية والدولية
ما ميز لقاء القاهرة الأخير للجنة المتابعة العربية للسلام في القاهرة هو التخطيط الجيد من قبل الأمريكيين والأوروبيين على عدم إبقاء أي فرصة للعرب لقول لا للعودة إلى المفاوضات المباشرة. والمتابع للتطورات الإقليمية والدولية المتسارعة على مدى الثلاث سنوات الماضية لم يفاجأ من هذا الموقف الأمريكي الأوروبي حيث حجم التداخلات الإقليمية والدولية وتنافس المصالح الذاتية والإقليمية والدولية على جميع الأصعدة في العراق وأفغانستان وسورية ولبنان وإيران والدور التركي والعلاقات العربية العربية كلها دخلت مع بعضها البعض لتشكل تركيبة معقدة جدا من العلاقات والمصالح والتخوفات والتي تستغلها أمريكا أفضل استغلال للتأثير على صناع القرار.
حد التهديد بعزل الفلسطينيين دوليا
وبحسب المراقبين لهذا الاجتماع, وصل الأمر بالأمريكيين إلى حد التهديد بعزل الفلسطينيين دوليا والعمل حتى على حرمان الفلسطينيين من الدعم العربي والأوروبي إن لم يذهبوا إلى المفاوضات المباشرة. ,وبرأيي الشخصي, لعب الانقسام الفلسطيني دوريا كبيرا في الوصول إلى هذا الوضع الذي نحن فيه اليوم. الأمور واضحة والجانب الفلسطيني يدرك تماما حجم المسؤولية تجاه الشعب فإما العودة إلى المفاوضات المباشرة أو العودة بالملف الفلسطيني برمته إلى زاوية التهميش وقلب الأوراق من جديد.
أوباما ونتنياهو ولعبة الشطرنج
لا يختلف اثنان على أن هناك حاجة أمريكية وحاجة إسرائيلية للانتقال إلى المفاوضات المباشرة والحاجة الأمريكية أكبر من الحاجة الإسرائيلية وكنت قد أشرت إلى هذا الموضوع في مقالة سابقة بعنوان " أوباما ونتنياهو ولعبة الشطرنج" وأقدر بأن الإسرائيليين يستغلون هذه الحاجة بكل جدارة. نعلم جميعا بأن الوضع العربي الآن يمر بأسوأ حالاته وهو في مرحلة تراجع وضعف شديدين وأنه لا يوجد نظام عربي يستطيع أن يقول لا لأمريكا بعيدا عن أي مزايدات أو أحاديث علنية. ومن الواضح تماما أن العرب تعاملوا مع المطلب الأمريكي ,بشأن العودة للمفاوضات المباشرة, بمفاهيم المصالح وفهم المتغيرات في المنطقة بكاملها.
الضغط الهائل
وعلى الرغم من كل هذا الضغط الهائل الذي وصل بالأمريكان والأوروبيين إلى حد التهديد والابتزاز إلا أن الاجتماع انتهى بالإبقاء على متطلبات الانتقال إلى المفاوضات المباشرة قائمة وعلى أنه لا يجوز أن تكون هناك أي مفاوضات إن لم يكن هناك التزام اسرائيلس بمرجعية لعملية السلام وسقف زمني لانتهاء هذه المفاوضات وكذلك وقف الاستيطان. لم تنتهي هذه الجولة بنظري, ولكنها على عكس جميع الجولات السابقة تركتنا أمام تحديات مصيرية توجب التفكير الجاد والمسؤول تجاه المصلحة الوطنية العليا من قبل جميع الأطراف, فالخيارات تضيق والخسارة كبيرة.
السيناريوهات المتوقعة:
ماذا لو رفض الفلسطينيون العودة إلى المفاوضات المباشرة.
هل سيؤدي هذا إلى فرض العزلة من جديد على الرئيس الفلسطيني محمود عباس وحرمان السلطة الفلسطينية من موارد الدعم الأوروبي وحل السلطة الوطنية الفلسطينية ودفع العالم إلى نسيان فكرة الدولتين والعودة بالتفكير من جديد في طروحات إسرائيلية وإقليمية قديمة للزج بالمسؤولية عن الضفة الغربية إلى الأردن وعن قطاع غزة إما إلى مصر أو الأمم المتحدة.
ماذا لو عاد الفلسطينيون إلى المفاوضات المباشرة؟
هل سيؤدي هذا إلى إعلان دولة في الضفة الغربية وإقامة الدولة هناك والتوصل إلى ترسيم للحدود وتبادل الأراضي وعودة اللاجئين إلى هذه الدولة الجديدة وإبقاء قطاع غزة خارج السياق وفتح الطريق مجددا أمام إسرائيل بالمطالبة دوليا عن جهة تتولى المسؤولية عن قطاع غزة. تساؤلات كثيرة تدور بالأذهان وتتحول إلى كوابيس تأرق مضاجع الفلسطينيين أينما وجدوا. ويبرز السؤال الأكبر: إلى أين سيصل بنا الإصرار على استمرار الانقسام؟ (انتهى)