ما بعد العقلانية وما بعد الواقعية
ما بعد " العقلانية"... وما بعد بعد " الواقعية"!!
إنْ وضعتْ الحرب أوزارها، أو إنْ لم تَضَعْ، وبعيداً عن نتائجها التي باتت جلية للعين الثاقبة، بمعاييرها العسكرية فالسياسية، وبعيداً عن إسقاطاتها الراهنة والمستقبلية، في سياق الصراع العربي- الإسرائيلي – إذا وجد مثل هذا الصراع-، فإننا لا شك امام مرحلة جديدة ونوعية، بجوهرها وشكلها ومكوِّناتها...
ولسنا الآن بصدد إلقاء نظرة تحليلية شاملة للموقف، ولا إزاء قراءة التفاصيل، على أهميتها، ولا استدلال صورة المستقبل، فسنأتي على ذلك في سلسلة مقالات لاحقة، إنما نتوقف لبعض الوقت عند بعض العناصر المركِّبة للمشهد المتواصل التكوين...
فقد غدت النظريات الإنسانية الكبرى تتزاحم نحو فُوهَّة المستقبل، وبدا اصطفافها أكثر حضوراً مما كان عليه في الماضي، وتبدى لنا أكثر فأكثر ان حركة التاريخ تعتمد على فعل الصراع التصاعدي، بكل مشتقاته وأشكاله العسكرية والسياسية والثقافية والاقتصادية والحضارية، وما الحديث الرطب عن حوار الحضارات سوى ضرب من ضروب المراهقة الفكرية والفهم التسطيحي للامور والأشياء والاحداث...
والمفاهيم والمصطلحات التي تستخدم في سياق الصراعات، لا تقل حضوراً وحيوية عن الأدوات الأخرى في مثل هذه الصراعات وتجلياتها، بل باتت " المفاهيم" تشكل آليات أكثر فتكاً من بعض الأسلحة، المحرّمة أو غير المحرّمة دولياً...!؟
فإنْ اعتمدنا النظرة التفكيكية لدى جاك دريداً في فهم الأمور، أو الرؤية البنيوية وإعادة الأشياء الى أُصولها، نحو إدراك هذه الأشياء، كما عند ميشيل فوكو، فإننا سنتمكن عندها من استنباط حيوية الكلمة في فهم المعنى من وراء الأشياء....
ففي سياق العدوان الإسرائيلي – الأمريكي، والتواطؤ والصمت العربي والدولي، على الشعبين اللبناني والفلسطيني، مُتجاوزين حالياً القراءة أو الكتابة السياسية لهذا المشهد، فإننا نُقصَف يومياً بعشرات المصطلحات والمفاهيم التي تسعى الى العبث بوعينا، وبالتالي بلورة نوع من الإدراك الغائب أو المغيب، لِما حدث ويحدث ولما سيترك أثراً أو إرْثاً...
فعلى هامش هذه الحرب الضروس، ضد لبنان المقاوم وضد ما تبقى من مقاومة فلسطينية، وضد كل ما يرتبط بثقافة المقاومة كنهج يرفض الواقع والاملاءات، وكوعي سلوكي يبحث عن بناء الحرية والاستقلال الحقيقيين، تدور معركة أًُخرى على وعي الإنسان وماهيته، وتجري محاولة مستميتة لإعادة صياغة المفاهيم وإعطائها معنى آخر...
فها هي "العقلانية" و"الواقعية"، بما تحمله من مدلولات، تعود لتغزوا وعينا الزائف حيناً، والغائب أحياناً، لتدفعنا الى حيث يريد "الآخر" ... وها هو التضليل المنهجي في توجيه عقولنا الى "الأنظمة العربية" ، ودورها ومشاركتها في هذا العدوان، لتحييد تساؤلاتنا الكبرى عن إرادات الشعوب الحيَّة في فعل التاريخ، ودور الأفراد فيه، وعن غياب مقوّمات الرفض والمقاومة في ثقافتنا الجماعية ...
فتأتيك "الواقعية " لإدامة الهزيمة وأدْلَجتها، وتجتاحك "العقلانية" لتصوغ في ذاتك فن الخضوع والركوع والذُلِّ الأبدي...
أما الشعوب فهي لا حول ولا قوة لها وتإنّ تحت وطأة "إرهاب الأنظمة" وتبعيتها، وتحت إدعاءات بؤسها الاقتصادي ومواردها المعيشية والحياتية، لتتحول في حقيقة الأمر الى قطيع من الماشية، لا قيمة لها سوى ما عليها من لحوم تقدمه طعاماً للآخرين ...!!؟؟
"وعقلنة" المقاومة بهذا المعنى تعني خصيانها، وإفراغها من أي قيمة، وإخراجها من حيّز الممكن والضروري ...
فما عادت المقاومة بتلك المفاهيم، غريزة سخَّرتها قوانين الطبيعة عند الكائنات الحيًّة، ووفقاً للقوانين الوضعية نفسها، إنما ما فتئت أن تحولتْ الى "مغامرة"، يقتضي استئصالها كي لا تُفسد حياتنا "بتهوُّرها "...!!؟؟
إنها معركة مفاهيم، وحرب ثقافات أيضاً، لا حياد فيها ولا هوادة، فلا مؤامرة من حولنا أو علينا، بل مشاريع ومخططات...
إنها مرحلة تُؤسّس لما هو آتٍ، تتطلب منَّا إعلاناً مفتوحاً ضد الواقع و"الواقعية"، وإعمال العقل ضد "العقلانية"، ورفع الحجاب عن عقولنا، وإطلاق سراح إراداتنا، فلا مكان لإشغال الانفعالات ولم يعد لدينا وقت للموت...!!!