كل العربالنسخة الكاملة ↗
اخبار

لا خير فينا إن أقمنا بمنازل أهالينا

كل العرب · 21/11/2007 الساعة 07:05

في هذا الشهر تتغلغل عصارة تربية الأمس, في حاضر التعليم الأكاديمي, وينغمس شباب هذا المجتمع ودمه الخفـّاق, في عروق الجامعات, وتندمج أبوّة المستقبل في الكليّات مع البنوّه وآخر عهد للإتكاليه الأسريه.
آلاف الشباب يجلسون على مقاعد الدراسه الأكاديميه, منهم من للمرة الأولى ومنهم من هو مستمر بتمثيل أسرته, تربيته ومجتمعه في قاعة المحاضرات. والسؤال كم من هذه الآلاف يمثل نفسه بقدراتها, رغباتها وإحتياجاتها؟ 
- لا أحد فالإختيار الأكاديمي وفقا ً لثلاثة محاور: التحصيل السيكومتري, الإمكانيات الماديّه والمحور الأهم التطلـّعات الأسريه, حيث تخلق الأسره في طفولة الأكاديمي العربي توجهات تخص رغبات الأسره عموما,ً وبالتالي يمثل الشاب على مقعده الدراسي مكانة أهله وتطلـّعاتهم المغروسة فيه.
لأن النكبه مازالت تنخر بشخصيّات آبائنا وتشوّه شخصيّاتنا, طوّر وسطنا العربي نزعه إتكاليه بتصرفاتها وأفكارها, فغدونا نسخا ً من بضع صور نقلـّد نماذج حياتيـّه معدوده. أي أن مجتمعنا سعى طيلة أول جيلين بعد النكبه لخلق صور إنسانيه تتعايش مع الكينونه الجديده, وتعيش في إطار ما يسمى دوله.. الكلمه التي لم تـَخبرها عروبتنا لقرون, وقد نجح هذا المجتمع الخصب بتوليد شخصيات طلائعيه في العائله, فتمخّضت كل عائله طبيب أو محام ناجح وبدأت أطفال الأسره تحذوا حذو هذا الرائد بتوجيه أهاليهم وتصبو للوصول إلى إنجازات هذا الطليع,- فهذا يريد أن يصبح طبيبا إستمرارا ً لمكانة خاله وهذا محاميا ً وارثا سمعة عمه أو مراقب حسابات ليحفظ أملاك أبيه-.
نعم تربّينا أن نكون كأعمامنا وأخوالنا نسخة مقولبه من الآباء لم يسل أحد عن مواهبنا, ملكاتنا, رغباتنا وقدراتنا لم يأبه أحد بإحتياجات المجتمع الصناعيه, الزراعيه, الفكريه والفنيه.
 يربّي الآباء أبناءهم بالإشاره إلى أملاك الأطباء والمحامين ومكانتهم في المجتمع, فينشأ الطفل شابا ًأكاديميا ً يكمل ما بدأ غيره, كوسيله لإستمرارية عائلته وروّادها متغاضيا ًعن تطلـّعاته, يطمح ليكون قمراً في سماء عائلته وفقا ً لمعايير حدّدتها الأخيره متناسيا ً أن:
 " قل للمشير الى أبيه وجده   ...   أعلمت للقمرين من أسلاف؟".
متناسيا أن الله تعالى لو شاء أن نكون أشباه ً لما جعل آدم وحواء يتناسلون ليصبحوا مليارات, فلماذا يخلق الله هذا الكم من الإنسانيه ليعمروا الارض مادمنا نسخا ًمعدوده لا نتميز بأعمالنا عن بعضنا؟.  والإجابه أنه دائما يجب أن يكون هنالك مدراء مصانع يلوثون البيئه ومهندسو بيئه يصلحون ما أفسدت المصانع, أهمية عامل النظافه في الشارع كأهمية الطبيب بكليهما تتوازن الطبيعه لا غنى لأحد عن الآخر فقمة العطاء أن يكون الشخص هو الأفضل في مهنته أيا ً كانت, فمُسلـّك المجاري الذي يجيد عمله ويتميز به خيرٌ من المحام العاله على مهنته.
وأتوقع أنه خلال أقل من خمس سنوات سيعاني مجتمعنا من ثغره في المجال الحرفي والفكري, لن نجد حينها حدادا ً, نجارا ً او مزارعا ً في الاسواق فكل الشباب أرسلهم آباءهم  الى الجامعات والكليات, وبهذا لن يبقى أناس ليمارسوا هذه المهن العظيمه صناعيه او زراعيه, فإفتتاح كليات "إدفع وإمشي" يهدم شرائح مجتمعنا أكثر مما يساعد شبابه, فتفتح هذه الكليات المجال لمن هم أدنى من مستوى الكفاءه لإمتهان مهنة ليسوا جديرين بها وكان الأصلح لو كان توجههم لملئ الفراغات المهنيه في مجتمعنا وفقا ً لقدراتهم.
لا أتهم نفسي وجيلي أننا منجرّون وراء خطوات غيرنا, بل أجرِّم آباءنا الذين إغتالوا فينا نزعة التميّز والإبداع .
أيها الآباء أذكركم " أنتم الأقواس وأولادكم سهام حيه قد رمت بهم الحياه عن أقواسكم ... نفوسهم لا تقطن بمساكنكم لأن الحياة لا ترجع الى الوراء ولا تلذ لها الإقامة بمنازل الأمس".
إستبحتم فينا التشبّه بالآلهه والتميز قتلتم روح المغامرة فينا والإبداع, لم نعد نصبو لنكون الأفضل في الإطار الذي بإمكانه أن يحوينا بل نصبو لنكون رجال كباقي الرجال نعمل ونكدح من أجل تربية أولادنا, فغدونا حيوانات نكمل سنة الحياة وحسب, لا نبتكر جديدا ً ولا نخلق ميزة تميزنا عن الغابرين, فنشغل ونحقق ما أراد أهلنا خوفا ً من أن نفشل في مرادنا إن سلكناه, ولكي نعلـّق فشلنا على أهواء أهالينا ورغباتهم الخاطئه ما وإذا لفظتنا الحياه دون تحقيق الغايه.
وقد كان لآبائنا في نبي الله أسوة اذ يكتشف ملكات صحبه فيدفع حسّان بن ثابت ليتعلم العبريه والتوراه بأقل من عشرين يوم مستغلا مهاراته الأدبيه ليُحاكي اليهود, ويسخـِّر دبلوماسية جعفر الطيار ليبعثه سفيرا ً إلى الحبشه, ويرسل ابن الوليد الى الروم متأملا شراسته وحنكته العسكريه, فيضع الرجل المناسب في مكانته التي يملؤها بهبات الله. لا يكرر الشخصيّات ولا ينسخها بعضها عن بعض كما يفعل آباؤنا.
وأخيرا ً أعظ نفسي وأبناء جيلي أن نحافظ على روح الابداع والخلق التي بعثها الله في نفوسنا وذلك من خلال أبنائنا مستقبلا, نربيهم ليكونوا المميزين والسبـّاقين دائما في المجال الذي نتفرّس أنهم ذوي ملكات فيه, في الفن واللأدب والزراعه, ليطمعوا بشرف مروم ولا يقنعوا بما دون النجوم ليستحقوا إنسانيتهم, لقول فاليري" إن الانسان الذي لم يجرب أن يتشبه بالآلهه هو أقل من انسان".
وأختم بأن العمران الانساني إنما يبنيه الشباب الطامعين, غير الخانعين لأهواء بيئتهم, الذين يأتون بما لم يأته الاوائل, الذين لا يعرفون معنى القناعة بعملهم, دائمي التطلع إلى أعلى لا حدود لأفكارهم, لا يعرفون الراحة والرضى إلا عند موتهم.
"شبابٌ خـُنـَّعٌ لا خير فيهم          وبورك بالشباب الطامحينا" 

واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع