كل العربالنسخة الكاملة ↗
اخبار

اليقظة نصف المعيشة

كل العرب · 24/11/2007 الساعة 07:21

تمطّى صديقي في كنبته بُعيْدَ عودته من رحلة قصيرة إلى عمّان, العاصمة الاردنية , تمطّى ضاحكاً وقال : لقد اكتشفت يا صديقي انّ للسُمنة ضريبة ما عرفتها من قبل , فقد عرفت ضريبة ضغط الدم المُرتفع والدّهنيات  و...و... أمّا انّ هناك ضريبة البنطلون فما عرفتها الا في الايام الاخيرة –ربما كانت وانا ما جرّبتها- ...نعم عرفتها وتعرّفت عليها في عَمّان. فقد بحثتُ طويلاً في حوانيت العاصمة الاردنية  حتّى اهتديت الى بنطال يلائم مقاسي , وفوجئت حين طلب البائع سعراً أعلى بكثير من سعر البنطلون العادي , مُتذرّعاً بأنني لن أجد  هذا المقاس في كلّ حانوت , فاضطررت لشرائه .
غرقت في الضحك وقلت لصاحبي : "كان عليك ان تفعلَ كما فعل فارس الخوري قبل عشرات السنين .
- من هو فارس خوري هذا وماذا فعل؟

 فارس خوري يا صاحِ أشهر من نار على علم , أنه رجل قانون وأدب وسياسة سوري تولّى رئاسة الحكومة السورية من سنة 1945- 1954 وابنته الكاتبة المُبدعة كوليت خوري , كان رحمه الله رأساُ كبيراً في كلّ شيء!!

كان رأساً كبيراً في الحجم وفي السياسة وفي الادب وفي الحقوق...اهترأ طربوشه او كاد , فارتأى ان يشتريَ طربوشاً اخر َجديداً , فبحث في دمشق وفي كل حوانيت سوق الحميدية لعله يجد طربوشاً بمقاس رأسه  إلى أن اهتدى أخيرا الى ضالّته المنشودة لدى احدهم , فحدثت مساومة جميلة بينه وبين البائع , فقد طلب هذا سعراً عالياً قائلاً :  " انصحُكَ بشرائه بالثمن الي اطلبُ , فلن تجدَ في السّوق كلّه طربوشاً بهذا الحجم .
فرد الخوري ببسمته الحنطية المعهودة  : " بل نصيحتي لكَ ان تعطيه بالثمن الذي اعرضُ , فانك لن تجد في سورية كلّها رأساً بهذا الحجم !!".
 غريب امر هذه الايام , فالكل يريد ان ينتهز الفرصة وان ينقضّ على "فريسته" دون ان يفكّر في طينة هذه الفرصة, وما مدى حلالها , ومن هي الضحية , فيُخيّل اليك ان مكيافيلي الجديد يتربّص بكَ في كل ركن وفي كل زاوية , تارةً في الحانوت واخرى في المصرف , وطوراً في المدرسة والمكتبة والكلّية والشارع , وعن طريق الهاتف , الذي يُزعجك خمساّ في اليوم الواحد وعلى الطرف الاخر , صوت انثوي ولا احلى , يُخبركَ بأنك فُزْتَ-هكذا-بالقُرعة برحلة الى اسبانيا
, او انك مدعو ٌللانضمام إلى عائلة تأمين  الحياة وتأمين الدراسة الجامعية لاولادكَ.
الكلّ يريدُ ان ينتهز الفرصة , وان يربح بأهون السُّبل وبالطريقة الامريكية ...بطريقة انت الساذج تدفع ونحن نتدبّر , انت تدفعُ ونحن نتظلّل افياء النعيم , وبعدنا الطوفان !!
  لقد بات الامر مُزعجاً , ويدعو الى اليقَظة والانتباه والحيْطة, ويُحتّم علينا ان نصحوَ ونتيقظَ خاصةً في هذا الظرف الاقتصاديّ العصيب نوعاً , والذي
ُيشجّع اعمال الاحتيال والنصب والربح السريع, البعيد عن بذل الجُهد , كما ويُشجّع على الركون الى مُخصصات البطالة , تاركين النشاط والمُثابرة جانباً , ملتجئينَ الى الذّل نشربه بارادتنا من كأس التأمين الوطني!.
 انّ في العمل حياة وحياة وكرامة, وفي الكسل مهانة ما بعدها مهانة , وفيها ايضاً جريٌ حثيث ٌ خلف اساليبَ ملتوية ٍيمقتها الله والحِسّ وينهى عنها الضمير الحيّ ...وقديماً قالوا التدبير نصف المعيشة , وامّا اليوم فنقول ان اليقظة اكثر من نصف المعيشة!!.

واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع