كل العربالنسخة الكاملة ↗
منبر العرب

إلى البلدة القديمة قصة بقلم: يوسف جمل

موقع العرب وصحيفة كل العرب- الناصرة · 06/07/2010 الساعة 09:33

ما أن قرأ إبراهيم الخبر في الصحيفة حتى سارع إلى بيت أهل زوجته التي خرجت "زعلانة" قبل عدة أيام وتركت البيت وحملت معها ابنتها ومصاغها وبعضاً من الملابس تسد الحاجة لها ولابنتها حتى يأتي أهل الخير للتباحث في إرجاعها إلى بيت زوجها وبيتها وإعادة ابنتها إلى حضن والدها وبيتها وغرفتها وألعابها .
كانت ابنتها في الثالثة من العمر , وحين قررت الأم الخروج من البيت بادرتها سماح الصغيرة بقولها :- إلى أين نذهب يا أمي ؟
أجابتها الأم باقتضاب :- بعدين بتعرفي !
فعادت سماح لتسأل أمها باستغراب :- ولماذا كل هذه الملابس ؟ هل نحن مسافرون في رحلة استجمام وسياحة كما العام الماضي ؟ وكيف نذهب وأبي لا يرافقنا ؟
شعرت الأم بالضيق وأجابت بنبرة شديدة :- لا تسألي أسئلة كثيرة , ولا تتدخلي بأمور الكبار , قلت لك هيا وكفى !
استوقفت سيارة أجرة وقالت :- إلى البلد القديمة !
ركبت في المقعد الخلفي في سيارة الأجرة وبجانبها ابنتها سماح التي كانت تختلس النظر إلى وجه أمها لعلها تجد ما يُهدئ من الغموض ويوضح مجريات الأمور .
كانت تبحث في عيون أمها عن اتجاه .
هل هي غاضبة ؟ أجل فوجهها عابس وكلامها جاف ومعاملتها غير عادية وفي صوتها حزن وألم وعلى غير عادتها في ما تقوم به .
لكنها هادئة وقليلة الكلام ووجهها هو أجمل وجه في الدنيا , وربما هي مرهقة أو مريضة وربما يشغلها شاغل ويكدر صفوها المعتاد أمر ما .
ولكنها أمي وهي لا تتصرف هكذا إلا إذا حدث أمر أو ظرف طارىء جعلها تسارع في ترك البيت بهذه الصورة .
وأم سماح تجلس ساكنة صامتة فيبدد السكون استفسار سائق سيارة الأجرة :- إلى أين في البلد القديمة ؟
نظرت إلى ابنتها سماح بارتباك وتردد وأعلنت :- إلى آخر البلد القديمة , إلى شارع السعادة !
إلى بيت جدي ؟ سألت سماح
قال لها السائق :- أنا أسكن في شارع السعادة في البلد القديمة .
تجاهلت الأم كلام السائق ولم تكن ترغب بالحديث وفضلت الصمت .
إلا أن سماح بادرته بقولها :- أأنت من شارع السعادة ؟ وهل تعرف جدي ؟
نظرت إليها أمها وابتسمت ابتسامة سريعة لنباهة طفلتها وحدة ذكاءها , وعادت إلى الصمت وهي تنظر من شباك السيارة إلى الأفق البعيد وتستعيد شريط ذكريات ومجريات حياتها الزوجية حتى أتت على رحلتهم الأخيرة إلى بلاد الغرب وقضاءهم أجمل الأوقات وأسعدها وكيف وصل بهم الحال اليوم وهي تغادر بيتها وتترك زوجها وتعود إلى بيت أهلها , وكيف تحطمت سفينة الحياة الزوجية على صخور العناد والمكابرة وعدم التنازل والجدال وعدم التفهم والتفاهم والصبر والتسامح !
فزوجها إبراهيم من أحسن ما يكون الرجال خلقاً وحباً وعطفاً واجتهاداً وديناً , لكنه الابن الوحيد لعائلة تلعب فيها الأم دور البطولة وهي المحرك وكلامها لا ينزل الأرض , وتستغل ابنها في نقاط ضعفه وتتحكم به وتريد أن تفرض رأيها عليه وعلى حياته في بيته ومع زوجته , في كل صغيرة وكبيرة تتدخل , ولا مجال للنقاش والتفاهم فما تريده منزل .
لقد كانت حماتها تدير شؤون البيت وتقرر في الطبخ والنفخ وكل قرار أو اختيار أو رغبة للزوجة هو بمثابة كلام فارغ وغير قابل للتنفيذ ولا يحظى بالموافقة والقبول .

وإبراهيم يقع في حيرة كغيره من الأزواج الذي يبذل قصارى جهده للتوفيق بين الطرفين والصبر والاحتساب والبحث عن درب يخرج به من الأزمات المتكررة وأن يجد الحلول التي تجعل زوجته تقبل وتتنازل وأمه ترضى حتى يحظى منها بالرضى وهو مغلوب على أمره .
وفي آخر جولة كان ما لا يمكن أن يصبر عليه أو يحتمله أحد .
استيقظت في الصباح على صوت حماتها تنادي :- إبراهيم , أين أنت يا إبراهيم ؟
ودفعت باب غرفة النوم و دخلت لتقول نوم السراري للضحى العالي ؟ هذا بدل ما تقومي تحضري لجوزك الفطور حتى يروح على شغله , يا حسرة عليك يا بني !
نظرت الزوجة إلى زوجها إبراهيم وكأنها تنتظر رد فعله , أو تبحث في عينيه عن غضب أو اعتراض على ما فعلته وقالته أمه , لكن إبراهيم ظل صامتاً لا يحرك ساكناً , وخرجت من بين تثاؤباته تمتمة مقتضبة أصبحنا وأصبح الملك لله , يا فتاح يا عليم .
وقفز من الفراش وقبل يد أمه وقال :- تعالي يا أمي نشرب القهوة في الشرفة , حضري لنا القهوة يا وداد ....
جن جنون الزوجة وقالت صباح الخير يا حماتي .
ردت عليها أم إبراهيم على التو :- من أين يأتي الخير ؟ طالما أنك تصرين على عدم الإنجاب وها قد مضى على زواجكما 4 سنوات وسماح طفلة وحيدة , وهي بحاجة إلى أخ لها يحميها ويحمل أمور البيت من بعدنا , وماذا يقول أهل الحارة ؟ وابني بحاجة إلى ولد يحمل اسمه حتى يقول له الناس جاء أبو خليل , أهلاً أبو خليل , تفضل يا أبا خليل .
وأنا أريد أن احقق حلم زوجي أبو إبراهيم الذي توفي وهو يحلم بحفيد يسمى باسمه .
سكتت وداد وامتنعت عن الرد وهي تكاد تتفجر غيظاً وخرجت أم إبراهيم وابنها إلى شرفة المنزل في انتظار القهوة ونهضت وداد من سريرها لتصنع القهوة وقد قررت الرحيل وترك البيت حتى يحدث الله أمر كان مفعولا .
وعندما خرج إبراهيم إلى عمله وعادت أمه إلى بيتها الملاصق لبيت ابنها , قامت وداد بترتيب أمورها وتحضير مستلزمات رحلة العودة إلى دار أبيها لعدة أيام حتى تجري محاولات إرجاعها وتدخل أولاد الحلال ويكون في ذلك سبيل لردع ومنع تدخلات حماتها بشؤونها وشؤون بيتها وزوجها وحياتها .
هذا شارع السعادة ! قطع شرودها صوت السائق وهو يعلن مستفسراً : أين بالضبط في شارع السعادة ؟
نظرت من السيارة يمنة ويسرة لتعرف أين هي الآن من شارع السعادة وأجابت قائلة :- في آخر شارع السعادة , على مفترق القناعة بجانب قاعة التوفيق للأفراح .
ظلت وداد في بيت أهلها أياما عديدة وطالت الأيام وتكسر ما كانت تتوقعه أمام عناد حماتها وجبروتها وسيطرتها على زوجها إبراهيم التي أعلنت عن رفضها لكل محاولات رأب الصدع وكل تدخلات أهل الخير .
كما ذهبت تعود , وإذا لم تعد فبراحتها وسأزوج إبراهيم من امرأة أخرى !
ومرت الأيام ووداد وابنتها سماح في بيت أهلها وإبراهيم لا يدري ما يفعل وأم إبراهيم تنتقل من خاطبة إلى أخرى ومن بيت إلى بيت في مشوار البحث عن عروس أخرى لابنها إبراهيم .
وفي صباح يوم وكعادته وهو يشرب القهوة ويتصفح الجريدة لفت انتباهه نداء موجه من زوجة إلى زوجها تخبره بأنها تحبه وفي شوق إليه وكذلك ابنته وهي تريد أن تعود إليه خاصة وأنها تحمل في أحشاءها جنيناً تتمنى أن يكون ولداً حتى تسميه خليل كرغبة حماتها ووصية والد إبراهيم .
ما أن قرأ إبراهيم الخبر حتى سارع إلى بيت أهل زوجته واستوقف أول سيارة أجرة واستقلها وقال للسائق :- إلى البلدة القديمة في أول شارع السعادة على مفترق القناعة بجانب قاعة التوفيق للأفراح .

واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع