الأزمات الداخلية هي الخطر على مشروع الأمة- بقلم الشيخ إبراهيم صرصور
- الشيخ إبراهيم صرصور في مقاله:
* يجب على العالم أن يعي تماماً أن العدالة هي الضمان لإستقرار العالم وإستتاب أمنه
* الرسول صلى الله عليه وسلم تنبأ بأخطر الجماعات التي ستخرج على الأمة من بعده ، وحدد أوصافها ، وحذر من خطورتها
* من الواجب على أمريكا والدول الغربية أن تتخذ القرار الشجاع في حل الملفات الإسلامية العالقة وعلى رأسها ملف فلسطين
* تمرد مجموعات الخوارج على أمير المؤمنين علي كان غريباً وعجيباً. فلقد كانوا من مؤيديه ، وكانوا جنداً في جيشه الذي قاتل معاوية
في مقالي هذا كما في مقالي السابق لن أتطرق إلى الخطر الآتي من جهة الدعاة صراحة في مجتمعاتنا إلى انتزاع الأمة من حضنها العقائدي والأخلاقي والوطني الأصيل لمصلحة ثقافة ثبت أنها السبب في سقوطها وانهيارها حضاريا وسياسيا ، فذلك تحصيل حاصل لا خلاف عليه ولا فيه ... فشعوبنا وجماهيرنا متفقة على خطرهم وإن مَكَّنَتْ لهم الظروف أن يكونوا المتصرفين في شؤون الأمة في مرحلة ما ، فما أسرع أن ينجلي ليلهم وما أسرع أن ينكسر قيدهم وينتهي زمانهم ، هذا إن نجحت القوى الحية الملتزمة بثوابتها الدينية والقومية والوطنية في تحصين كيانها من خطر القوى الخفية الداخلية والتي هي أشد خطرا من العدو الظاهر ...
قلنا في الحلقة الماضية أن حال الدولة الإسلامية قد استقر في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، فلم تشهد الساحة الداخلية الإسلامية مظاهرا للتمرد أو الخروج على الدولة والمجتمع ، إلا من أفراد تآمروا لمصلحة دولة من الدول المارقة أو حركات سرية معادية ، فاغتالوا أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وهو في محرابه يؤم المسلمين في صلات الفجر ، فأنكسر باغتياله باب ما أنغلق إلى يومنا هذا ، ولج من خلاله خارجون ومتمردون من كل صنف ونوع نجحوا في اغتيال ألخليفتين الجليلين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما ، والذين قتلتهما عصابات متمردة تنادت من كل أطراف الدولة ، والتقت لتنفذ خطة نسجت خيوطها أصابع خبيثة ، وغذتها نفوس مريضة لجماعات حملت قلوبها حقدا وسما ناقعا ما نجحت في تفريغه في جسد ألأمة قتلا وفتنا وحروبا أهلية ، إلا بعدما لحضت شقوقا واسعة انفتحت في جدار الوحدة والوفاق في الأمة ....
الرسول يحدد هويتهم ...
لقد تنبأ الرسول صلى الله عليه وسلم ، بأخطر الجماعات التي ستخرج على الأمة من بعده ، وحدد أوصافها ، وحذر من خطورتها ..( فقد أخرج الشيخان عن أبي سعيد الحذري رضي الله عنه قال :
( بينما نحن عند النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو يقسم قسما إذ أتى ذو الخويصرة ، فقال يا رسول الله ،إعدل !! فقال صلى الله عليه وسلم: ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل، خبت وخسرت إن لم أعدل !! قال عمر رضي الله عنه : أئذن لي فيه أضرب عنقه . فقال الرسول (ص) إن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم . يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، ويمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية . آيتهم رجل أسود إحدى عضدية مثل البضعة ، يخرجون على خير فرقة من الناس ) ... فكان الأمر على وصف الرسول (ص) حينما قاتلهم علي رضي الله عنه .
من خلال هذا الحديث ، نلمس أوجه الخطر في هذا النوع الجديد من ( الفرق الخوارجية )، وذلك من وجوه: أولا : لأنها خرجت من صفوف المسلمين، ولم تأت من صفوف أعدائهم . ثانيا جرأة هذه الجماعات ووقاحتها في نقد أهل الحل والعقد ، حتى وإن كان الرسول صلى الله عليه وسلم ، بشكل أخرج نقدهم ومطالبتهم من إطارها المشروع إلى إطار لا يمكن إلا أن يفسر على وجه واحد ، وهو المس بهيبة الأمة ، والعمل على زعزعة الإستقرار لخدمة أجندات لا صلة لها بمصلحة المسلمين . ثالثا : الصفات التي يمكن أن يتصفوا بها من أداء مميز في العبادات والطاعات ، من صلاة وصوم وقراءة للقرآن ، إلا أن هذا كله وبعد حديث رسول الله صلى الله وسلم ليس بالضرورة دليلا على صدق القوم وخلاصهم ، بل هو في الحقيقة صورة حقيقية إرتكزت إلى إنحراف خطير في العقيدة ، حتى ما عادت هذه الطاعات إلا وهما وزيفا : ( يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، ويمرقون من الإسلام كما يمرق السهم الرمية ) . رابعا : استعدادهم التام للانتقال من حالة الإنحراف الفكري والسلوكي إلى مرحلة الخروج والتمرد المدمر ، الذي يرى في مجتمعات المسلمين أولا قبل غيرهم أهدافا مشروعة فيزهقون الأرواح ويسفكون الدماء المسلمة البريئة لتأويلات أوَّلوها ، خرجوا بها من دائرة صريح الدين وصريح الشريعة السمحاء : ( يخرجون على خير فرقة في الناس ) . لذلك سميت هذه الفرق ( بالخوارج) .
الحد الفاصل.....
لا يمكننا في هذه المرحلة إلا أن نضع حدا فاصلا بين خروج طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم على الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وما انتهت إليه من حرب الجمل ، وخروج معاوية بن أبي سفيان رحمه الله تعالى أيضا على الخليفة الشرعي أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه ، وما انتهى إليه من حرب صفين من جهة ، وبين خروج عملاء عبد الله بن سبأ على أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه ، أو خروج فرق الخوارج على الإمام علي رضي الله عنه .
لا شك عندي أن الخروج بالشكل الذي كانت عليه موجاته التي ذكرت ، مرفوضة ولا مسوغ لها شرعا أو قانونا ، عقلا أو نقلا ، وإنما الحقيقة تفرض علينا الإشارة إلى أن خروج طلحة والزبير وعائشة ومعاوية رضي الله عنهم ، على الإمام الشرعي ، إنما كان لخلل في التصور ، وخطأ فادح في التقدير ، ورغبة جامحة في المال والملك والسلطان ، ولم يكن أبدا من خلال إعتقاد منحرف وفكر ضال كما هو الحال مع الخوارج في خروجهم .
الخوارج الأوائل...
كان تمرد هذه المجموعات التي سميت (بالخوارج) على أمير المؤمنين علي غريباً وعجيباً. فلقد كانوا من مؤيديه ، وكانوا جنداً في جيشه الذي قاتل معاوية . تكاد الروايات التاريخية تتفق أن هذه المجموعات وهي من العراق أساساً ، قد فرضت على علي رضي الله عنه القبول بالتحكيم ، وقد أوشك على هزيمة جيش معاوية ، فلما قبل بالتحكيم ونزل على رأيهم ، عادوا ليتهموه بالكفر والخروج عن الملّة لقبوله بالتحكيم في أمر من أمور الله سبحانه تعالى، وقالوا ( لا حكم إلا لله ) ، ورد عليهم أمير المؤمنين علي : ( كلمة حق أريد بها باطل)...
إن موقف هؤلاء المتذبذبين دليل على عدم صدقهم في دعمهم أمير المؤمنين ، وإنما كانت لهم أغراض أخرى ليس هذا مجال التفصيل فيها ، وهذا من وجهة النظر السياسية ، وأما مسارعتهم لاتهام علي أمير المؤمنين بالكفر ، وهو إبن عم الرسول وزوج إبنته وأبي ولديه ، خُلق من طينته، وتفرّغ عن نبتته ، وجعله بأب مدينته ، مفلق الهام ومكسر الأصنام ، إذ صلى والناس مشركون، وأطاع والناس مرتابون ، وكانت له في الإسلام وقائع أهلك فيها الباطل وأهله ، وفرّق فيها الكفر وشمله، وهزم فيها البغي وجيشه ، فذلك كله دليل على خبث سريرتهم وإنحراف عقيدتهم وضلال تصورهم ... لقد زادوا بخروجهم كلمة المسلمين تفرقاً ، وأعلنوا عن تكفيرهم لمن يخالفهم الرأي ، ولا يقاتل معهم أئمة الكفر كما سموهم ، فارتكبوا المجازر البشعة ضد الآمنين ، وقتلوا الأطفال والشيوخ والنساء ، وأنتهى أمرهم إلى أن أغتالوا أمير المؤمنين علياً ، وظل خطرهم ماثلاً حتى إنتهى أمرهم كقوة ضاربة في عهد عبد الملك بن مروان ، رغم أن ظهورهم لم ينقطع على إمتداد الحكم الأموي...
ظهرت هنالك في تاريخ المسلمين جماعات أخرى شكلت خطراً على إستقرار دولة الإسلام وأمنها ، منها ( الحشاشون) الذين سكنوا الجبال الشاهقة وتبنوا أفكار الحادية ، وتخصصوا في إغتيال الملوك والخلفاء والأمراء حتى كادوا أن يوقعوا بصلاح الدين رضي الله عنه ، وظلوا شوكة في جنب الأمة حتى تم القضاء عليهم . أما ( القرامطة) الباطنيون فقد كانوا هم أيضاً من أخطر الحركات التي هددت إستقرار الأمة ، ذهب خطرها إلى درجة أنهم سرقوا ( الحجر الأسود) من الكعبة وأحتفظوا به في بلادهم في منطقة الخليج العربي مدة زادت على الثلاثين عاماً، حتى تم القضاء عليهم بعد عقود من الصراعات الدامية ، وأعيد الحجر الأسود إلى مكانه في الكعبة المشرفة....
خوارج معاصرون : العلاج الناجع ...
إن الحركات ( الخوارجية ) المعاصرة ، لا تبتعد في نظري كثيراً عن تلك، ولا أعتقد أن الذي ينحر الأبرياء ويذبح المدنيين يومياً في العراق وغيرها ، ليعتبر خطراً على الأمة ودينها أكثر مما يشكله أعداءها . أن منظمات تعتبر من يخالفها بالرأي كافراً مرتداً ومستباح الدم ، وأعطت لنفسها الحق في محاكمة المدنيين أمام ما أسمته ( المحاكم الشرعية) للتنظيمات ، وإصدارها أحكام الإعدام بالأبرياء المدنيين والعسكريين من المسلمين، رمتهم الكفر والارتداد عن الدين ، لهي اشد خطراً على الأمة من كل أعدائها ...
لا بد والأمر على هذا النحو من معالجة هذه الظواهر الخطيرة على أكثر من مستوى ، الأول ، داخلي والثاني خارجي ... أما على المستوى الداخلي ، فلا بد للأنظمة العربية أن تعي أن السد المنيع أمام هذه ( التنظيمات الخوارجية ) ، لن يتحقق إلا بإطلاق الحريات ، ومنح الإسلاميين الحق الكامل في ممارسة دورهم السياسي في بناء المجتمعات العربية والإسلامية . إن حرمان التيارات الإسلامية المعتدلة وعلى رأسها ( الأخوان المسلمون) من المشاركة في الفضاء السياسي من خلال الإعتراف بها ، والسماح لها بالتعبير عن نفسها، وتمثيل الفكر الإسلامي كما جاء ناصعاً صافياً من منابعه الأصلية ، لن يساهم في تجفيف مستنقعات هذه التنظيمات المتطرفة ، بل سيزيدها قوة ، وسيزيد الجماعات المعتدلة حرجاً..
أما على المستوى الخارجي، فيجب على العالم أن يعي تماماً أن العدالة هي الضمان لإستقرار العالم وإستتاب أمنه، وعليه فمن الواجب على أمريكا والدول الغربية أن تتخذ القرار الشجاع في حل الملفات الإسلامية العالقة وعلى رأسها ملف فلسطين ، وأن تبدأ في التعامل مع عالمنا العربي والإسلامي بالإحترام المطلوب ، والقناعة التامة بأن الإسلام والمسلمين هو بناة حضارة وأصحاب تاريخ عظيم ، وقادة فكر ، وصناع ثقافة ومدنية ستبقى الدرة في تاريخ الإنجاز العالمي.
عندما يتحرك العالم ، عالمنا وعالمهم ، سيبدأ العد التنازلي لهذه التنظيمات الإرهابية المتطرفة دينية كانت أو علمانية ، وعندها فقط سيخرج شرقنا من عنق الزجاجة ، ليسبح في فضاء الحرية الحقيقية ، وستنفتح أبواب المستقبل ليأخذ المسلمون دورهم في صياغة الحضارة الإنسانية كما فعلوا في الماضي بعيداً عن العنف والإرهاب والتطرف.