نظرة تعمقية في مسرحية فريز- بقلم: ينال السعد
- ينال السعد في مقاله:
* مسرحية "فريز" هي مسرحية ذات مذاق عصري شهي, تدمج بين الدراما الواقعية والكوميديا الساخرة الهادف
* لن يستطيع هذا ال"فريز" أن يمنع ولادة تفسير جديد للمسرحية كل ما استمر عقل المشاهد التحليلي في التفسير
* المسرحية رغم تعقيد حبكتها إلا أنها في غاية البساطة وبُني العديد من أحداثها على مبدأ تنبؤ الجمهور إلى جانب عنصر المفاجآت هي مسرحية ملائمة لجميع الأجيال ولجميع القوميات
يوم الإثنين, 28-6-2010 اكتظت قاعة جمعية الشبان المسيحية في القدس بجمهور من مختلف الثقافات والديانات والطبقات الإجتماعية, أتوا من القدس ومن كل أرجاء البلاد ليجلسوا جنباً إلى جنب ويشاهدوا سويةً العرض الأول لعمل مسرحي راقي لفرقة مسرحية تابعة لجمعية الشبان المسيحية في القدس. هي مجموعة من الشبان والشابات الهواة والمحترفين من مختلف الديانات والقوميات والخلفيات الثقافية والأجيال التي تعيش هنا على هذه الأرض, ليجسدوا هذه الأرض.. لأن على هذه الأرض ما يستحق الحياة.
مسرحية "فريز" هي مسرحية ذات مذاق عصري شهي, تدمج بين الدراما الواقعية والكوميديا الساخرة الهادفة, تلتقي الحضارات واللغات الثلاث المتكلمة, العربية والإنجليزية والعبرية بالإضافة إلى التطرق إلى لغات الإشارة والجسد لتتحد في إطار لغة مشتركة تشد انتباه جميع المشاهدين إلى أحداث المسرحية من دون الإصتدام بحاجز فهم اللغات, وهنا يستنبط الناقد المسرحي الدلالة الأولى والرمز السامي الأول الذي تتطرق إليه المسرحية ألا وهو عنصر لغة التواصل بين تعددية القوميات التي تعيش في هذه البلاد منذ سنوات بعيدة بلا أن تتوصل حتى يومنا هذا إلى لغة تفاهم مشتركة ربما تكون أول الغيث لحل النزاع القومي. تدور أحداث المسرحية حول مجموعة من الناس تتوه في عرض البحر لتجد فرصة للحياة على جزيرة نائية. تعددية القوميات واللغات غير مهمة على هذه الجزيرة.. العادات.. التقاليد.. كلها تختفي في سبيل البحث عن عنصر الحياة.. الماء. تتعدد الأحداث الكوميدية والدرامية لكلٍ من الشخصيات, وتتعدد الدلالات والإستيحاءات لتصل الأحداث إلى "ذروة" تتبنى عنصرالتضحية حيث أنهم وجدوا مصدرين للماء, أحدهم مسموم لتبدأ مطالبات التضحية تعلو وتعلو, لا أحد منهم يتخذ خطوة المجازفة, ثم يلقون مسؤولية تذوق الماء على أكتاف "شخصية البكماء", ربما لأنها لا تستطيع الكلام؟؟ ومن لايستطيع الكلام هل لا يستطيع التعبير عن رأيه؟؟ لا يستطيع الرفض؟؟ ليتضح أن لهذه البكماء صوت عالي.. تعبر وتدافع عن نفسها ليفهم جميع الحضور ما تقصده دون الكلام.. كأنهم يقولون لنا.."يا سادة نحن لا نحتاج الكلام.. نحن نستطيع أن نصل إلى قلوبكم بدون الكلام.. كذلك هذا المجتمع الأصم والأبكم.. يستطيع أن يعبر عن نفسه ويستطيع أن يتواصل مع الجميع دون الحاجة إلى الكلام.. الإحساس هو لغتنا المشتركة".
فريييييييييييييييييييز
ثم تأتي نقطة التحول في المسرحية ليصعد أحد الممثلين إلى المنصة ويصرخ "فريييييييييييييييييييز" ليفهم جميع الحضور أنه المخرج.. مخرج ماذا؟؟ هل انتهت المسرحية؟؟ لنستنتج أن كل ما كان قبل الآن ليس إلا مسرحية تُمثلُ داخل المسرحية التي جئنا من جميع أنحاء البلاد لنشاهدها.. هنا يعود الممثلون إلى وضعية "الرياليزم المُتخيَل" لنراهم وكأنهم عادوا من وضعية التمثيل إلى وضعية الحياة الطبيعية للممثلين.. هنا تتجلى طبيعة بوست موديرنية تقضي بضياع الخطوط الفاصلة بين الوضعين .. ولكن!! هنا تبدأ المسرحية حيث "يتمرد" الممثلون على الممثل الذي يمثل دور مخرج المسرحية الداخلية.. ليبدأ كل ممثل بأداء الدور الذي يحب أن يمثله. أدوار مختلفة منها الكثير من الأدوار التي تنتقض الأدوار التي قاموا بها في المسرحية الأولية لنشاهد بأم أعيننا ما يُسمى بال"بروديا" وال"إنتر- تكستوالية" , أما الأولى فهي استخدام شخصية خيالية في أداء شخصية خيالية أخرى من أجل انتقاد المدتمع انتقادا ساخراً, وهذا يتجلى في الدور الذي قام به أحد الممثلين حيث قام بتقليد أداء باقي الممثلين التي قاموا بها في المسرحية الداخلية. وأما الثانية فتعني إستناد شخصية خيالية (ممثل) على شخصية أخرى في مقطع آخر, أو استخدام رمز من مقطع آخر وإدخاله إلى المقطع الجديد مما يتطلب متابعة ذهنية وتحليلية عالية من المشاهد, ورأينا هذا في دور الممثل اذي قام بتمثيل أدوار الممثلين حيث اقترب من المكان الذي من المفروض أن يتواجد فيه بئر ماء (بحسب المسرحية الداخلية) وأوهم الماشهدين أنه يكاد يقع في "البئر الخيالي" مما يضيف واقعية وتساؤلات تشكيكية لدى المشاهدين حول وجود بئر حقيقي على خشبة المسرح من عدم وجوده. ولا بد من ذكر دور البحث عن "خليل".. تقوم إحدى الممثلات الامعات في المسرحية والتي لا بد لها من مستقبل واعد في عالم المسرح بأداء دور فتاة تبحث عن صديق,حبيب, خليل.. يُدعى خليل, تُوهم المشاهدين أنها وجدته لتُجسد مونولوج غير متوقع, لتسترق الدموع الساخنة من مُقلِ المشاهدين.. تجد خليل في خيالها.. تُحادثه تلعب معه ثم يصعد إلى شجرة ليقطف التين.. ثم يستمر في الصعود إلى السماء لتصرخ صرخة اليائس " خليييييييييييل".. ليتسمر الحضور في مكانه مطلقاً العنان لتصفيق حار يكسر لحظ السكون الذي صدحت فيه صرخة كأنها خرجت من كل أفئدة الحضور.. "خلييييييل"
تحتوي المسرحية على العديد العديد من الرموز المأخودة من واقع هذه الأرض والمصطلحات المسرحية والمصطلحات الموديرنية والبوست –موديرنية لتتحود في عمل يرسم بسمة وأملاً على وجوه المشاهدين.. أملاً في تحقيق لغة مشتركة حقيقية بين مختلف القوميات المتواجدة في البلاد.. والكثير من علامات التعجب والإستفهام. من الجدير بالذكر أن المسرحية رغم تعقيد حبكتها, إلا أنها في غاية البساطة وبُني العديد من أحداثها على مبدأ تنبؤ الجمهور إلى جانب عنصر المفاجآت, هي مسرحية ملائمة لجميع الأجيال ولجميع القوميات ولجميع الطبقات الإجتماعية والثقافية.. حيث أن كمية الرموز الهائلة مُوجهة إلى جميع الطبقات ليأخذ كل مشاهد جزءً من المسرحية إلى بيتهِ.. ليبدأ رحلة البحث عن "الماء".. أو" خليل".. أو "أمواج البحر".. أو ليصرخ شيء ما داخل ذاته " فريييييييييييييييييز" .. لكن.. لن يستطيع هذا ال"فريز" أن يمنع ولادة تفسير جديد للمسرحية كل ما استمر عقل المشاهد التحليلي في التفسير.. لا بد أن في ذاتي صرخة استئناف تود التعمق أكثر في التحليل بالإستناد على نظرايات علمية أعمق إلا أن رغبة قوية بذاتي في دعوة كل قارئ لهذا المقال إلى مشاهدة المسرحية بنفسه وإضافة تحليلات شخصية واستمتاع مباشر بمشاهدة هذه المسرحية القيمة, تدعوني إلى الإكتفاء بهذا القدر من التحليل لأترك المنصة إلى روعة هذه المسرحية.. "فريز".