البناء غير المرخص: مشكلة يمكن حلها، ولكن- بقلم: الشيخ إبراهيم صرصور
- الشيخ إبراهيم صرصور في مقاله:
* متوسط مساحات النفوذ في سلطاتنا العربية تقلص بنسبة 64% مقارنة بما كان تحت سلطتها أيام الانتداب البريطاني
* لا بد من وضع مسح علمي للأسباب الرئيسية التي أدت على نشوء هذا الوضع الذي يشكل عامل ضغط مستمر على شبكة أعصاب مجتمعنا العربي المشدود أصلا
البناء غير المرخص في المجتمع العربي في إسرائيل ليس قدرا مقدورا ، كما انه ليس دليلا على ميل طبيعي فطري لدى العرب لمخالفة قانون التنظيم والبناء ، وإنما هو ثمرة مرة لإهمال السياسات الحكومية المتعاقبة المنهجي والمتعمد لحاجات المجتمع العربي الطبيعية في التطور والنمو أسوة بالمجتمع اليهودي وكل سكان العالم المتحضر ... الإجحاف البشع الذي مارسته وما تزال المؤسسات الرسمية للدولة في هذا الشأن ، يتحدد أساسا في غياب المجتمع العربي عن رؤية التخطيط القومي لمتخذي القرار في إسرائيل ، مما خلق وضعا كرس الفوارق الفلكية في مستوى التطور بين المجتمعين اليهودي والعربي ، لا يترك مجالا للشك في استهداف الدولة لمواطنيها العرب لأسباب عنصرية ولدواعي إستراتيجية متعلقة بهوية الدولة المستقبلية ومكانة العرب فيها ... يمكننا الوقوف على هذه الحقيقة من خلال دراسات لا حصر لها صادرة عن مؤسسات بحثية إسرائيلية متخصصة ، وتقارير مختلفة منها الحكومي ومنها غير ذلك ، والتي تعترف كلها بالظلم غير المبرر الواقع على المجتمع العربي في مختلف المجالات ومنها طبعا مجال التنظيم والبناء ، والذي هو إفراز لواقع مصطنع لا علاقة له بقانون أو نظام ، وإنما له علاقة مباشرة بنظرة إسرائيل إلى المواطنين العرب لا غير ...
( 2 )
من خلال الشعور بالمسؤولية ، واستعدادنا للمساهمة بحل هذه الأزمة التي تتسبب في المعانة الدائمة للآلاف من المواطنين العرب ، قدمنا مسودة خطة تبنتها بعد ذلك لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية واللجنة القطرية للرؤساء العرب ، حيث أصبحت فيما بعد مشروعا متكاملا ومتوازنا قدمناه للحكومة الإسرائيلية ولوزرائها المعنيين ولرئيس الدولة ، يمكنه وضع حل جذري لمشكلة التنظيم والبناء وليس فقط البناء غير المرخص ، لأمد بعيد ... لم نلمس – مع الأسف – تجاوبا جديا من الحكومة مع مبادرتنا ( للسلام الحّضَري ) بين إسرائيل والجماهير العربية ، كما أننا لم نلحظ توقفا ولو مؤقتا لحين النظر في المبادرة ، لأعمال الهدم والملاحقة القانونية ، كان آخرها ما أشارت إليه وسائل الإعلام من قرار وزارة البناء والإسكان الإعلان عن مناقصة تتبعها جولة للمقاولين ، بهدف تنفيذ حملة هدم واسعة النطاق ، يمكن أن تفجر انتفاضة حقيقية دفاعا عن الأرض والمسكن ، تعم المجتمع العربي كله من الشمال وحتى الجنوب.
( 3 )
قبل عرض أسس المبادرة العربية لحل معضلة التنظيم والبناء بشكل عام والبناء غير المرخص بشكل خاص لا بد من وضع مسح علمي للأسباب الرئيسية التي أدت على نشوء هذا الوضع الذي يشكل عامل ضغط مستمر على شبكة أعصاب مجتمعنا العربي المشدود أصلا لأسباب كثيرة منها السياسي ومنها الاقتصادي ومنها الاجتماعي ، إلى غير ذلك من الأسباب ...
يمكننا هنا الإشارة إلى الأسباب المركزية التالية كعوامل أدت إلى هذا الوضع:
أولا : تمييز في تخصيص الأراضي - فمن المعلوم أن ما بقي من الأراضي تحت تصرف السلطات العربية في إطار ما يسمى بمناطق النفوذ ، لا يتعدى نسبة 2.5% فقط ، في الوقت الذي تجاوزت فيه نسبة العرب من السكان ال – 18% ، بينما لا تتعدى نسبة الأراضي المملوكة للعرب في الدولة ال- 3.5% . هذا يعني أن متوسط مساحات النفوذ في سلطاتنا العربية تقلص بنسبة 64% مقارنة بما كان تحت سلطتها أيام الانتداب البريطاني ، في الوقت الذي زادت فيه مساحات البناء منذ قيام الدولة في هذه السلطات ب- 16 مرة . أضف إلى ذلك أن عدد السكان العرب قد زاد في الستين السنة الأخيرة ومنذ قيام الدولة تسع مرات تقريبا ، بينما تقلصت مساحات البناء بشكل مذهل أدى إلى أزمات سكن حقيقة .
ثانيا : غياب خرائط هيكلية وخطط بناء بعيدة المدى - كان لافتقار أغلب المجتمع العربي على مدار العقود الماضية إلى خرائط هيكلية حقيقة تلبي الحاجات الطبيعية للتطور والنمو ، أثره المباشر على تعقد مشهد التنظيم والبناء بشكل عام . الدراسات الأخيرة تشير إلى أن 50% من المدن والقرى العربية تفتقر إلى هذه الخرائط الحيوية ، بينما الباقي لا تلبي الخرائط الهيكلية فيها الحد الأدنى من الاحتياجات المتسارعة ، ناهيك عن أنها وُضِعَت دون التشاور مع القيادات المحلية وطواقمها المتخصصة ... تجب الإشارة هنا إلى أن إسرائيل لم تَسْعَ لإقامة مدينة عربية جديدة واحدة منذ قيام الدولة ، كما أنها لا تخصص مساحات جدية مما يسمى ( أراض دولة ) لمصلحة البناء والتطوير العربي ...
ثالثا : خلافات على ملكية الأرض – وهذا بارز بشكل أكبر في منطقة النقب ، حيث أن صراعا شرسا غير متكافئ يدور بين سكان النقب العرب أصحاب الأرض وبين الدولة التي تدعي ملكيتها دونهم . تعتمد سياسة إسرائيل في النقب على مبدأ تجميع العرب على أقل مساحة من الأرض ، ومصادرة أملاكهم لمصلحة المشروعات الاستيطانية اليهودية ، الأمر الذي خلق وضعا يعيش فيه أكثر من مائة ألف مواطن عربي في النقب في قرى غير متعرف بها تفتقر إلى أبسط الخدمات ، وعلى رأسها فرصة البناء المرخص حسب خريطة هيكلية معتمدة .
رابعا : غياب التمثيل العربي الحقيقي في لجان البناء والتنظيم المختلفة – على عكس الوضع في المجتمع اليهودي ، فإن أغلب المدن والقرى العربية تابعة للجان تنظيم وبناء مناطقية ( ועדות מרחביות לתכנון ובניה ) ، يرأسها في الغالب موظفون يهود يُعَيَّنون أساسا من اجل تحقيق أغراض الدولة في التحكم والسيطرة على إمكانيات التطوير في هذه التجمعات ، الأمر الذي يشكل عائقا في طريق النهوض الطموح والمنسجم مع احتياجات التطور السريع الحاصل عند الجيران اليهود ... هذا ينطبق أيضا على التمثيل العربي المعدوم أو الضعيف في لجان التنظيم اللوائية ( ועדות מחוזיות לתכנון ) ، في المجلس الأعلى للتنظيم ( המועצה הארצית לתכנון ) ، وكذلك في كوادر وزارة الداخلية ذات العلاقة بقضايا التنظيم والبناء وسياساتها ...
خامسا : سياسات التخطيط والبناء العليا – الخرائط الهيكلية القطرية ( תכנית מתאר ארצית / תמ"א ) ، واللوائية ( תכנית מתאר מחוזית / תמ"מ ) ، والمعوقات التي تضعها السلطات في وجه الخرائط المحلية سواء عن طريق التدخل المباشر في صياغتها ، أو عن طريق فرض الرؤية الإسرائيلية المتفقة مع أهدافها القومية على هيكل وأهداف هذه الخرائط ، والتي تتعارض جملة وتفصيلا مع الأغراض الحقيقة لمجتمعاتنا ، تعتبر كلها ألغام تنفجر تباعا في وجه سعينا الحثيث نحو بناء مجتمعنا على أسس مدنية حديثة ، لأنها جاءت في الأصل لحماية مصالح الفئة اليهودية ( المُهَدَّدَةَ !!! ) حسب فهم واضعي هذه السياسة ، من الوجود العربي في البلاد ...
( 4 )
لتجاوز هذه الدهاليز المليئة بالفخاخ كما رأينا في طريق الحصول على ترخيص للبناء والذي أصبح شبه مستحيل في كثير من المناطق لعربية ، قدمنا مبادرتنا لحل عادل لهذه المسالة ، والتي جاءت لتذكر بأنه وفي كل حالة يتعارض فيها القانون الوضعي مع القانون الطبيعي للحياة ، ومنه حق الإنسان في بناء سقف / سكن / بيت ، يكون الحق الطبيعي هو الأقوى دائما ... تأتي المبادرة التي تقدم بها المجتمع العربي بكل هيئاته التمثيلية لتقول لمتخذي القرار : لا تفرضوا على المواطن العربي ما لا طاقة له به ، وتتحدد فيما يلي :
أولا : تجميد كل أوامر الهدم في المجتمع العربي كله ... ثانيا : تعهد عربي بعدم السماح بأي بناء غير قانوني منذ الإعلان عن الاتفاق . ثالثا : دخول الطرفين الحكومي العربي وطواقمهم المهنية في مسار لمدة سنتين يتم في نهايته المصادقة على جميع الخرائط الهيكلية للمدن والقرى والتجمعات السكنية العربية بما يتفق مع احتياجاتها الحقيقية ...
( 5 )
نحن نؤمن بقدرة هذه المبادرة على تجاوز هذه المرحلة الخطيرة التي تنذر إن استمرت بتدهور خطير في العلاقات بين المجتمع العرب وإسرائيل ، وذلك إن تحلى متخذو القرار في إسرائيل بالشجاعة للتعامل بالجدية المطلوبة مع المبادرة .. الاستجابة الإيجابية مع المبادرة تساهم في تحقيق العدالة مع 20% من السكان في الدولة وهم العرب ، والذين عانوا من سياسة الاضطهاد القومي لأكثر من ستة عقود باعتراف ( لجنة اور ) الرسمية ، كما أنها يمكن أن تفتح صفحة جديدة في العلاقات بين الطرفين ، وتخفف من حالة الاحتقان السائدة والمتفاقمة ...