شهادة عدو في حيدر عبد الشافي
واكب حيدر عبد الشافي، إلى أن فاضت روحه هذا الأسبوع،مسيرة شعبه الطويلة والموجعة من أجل الحرية والاستقلال والعودة بكل تبدلاتها بيد أنه ظل ممن عاهدوا الله والشعب بالبقاء نصيرا لقضيتة الوطنية. مثلما لم يرهب مقاومة الاحتلال لم ينحن عبد الشافي أمام الموت حينما داهمه المرض فرفض التداوي في إسرائيل وخارجها معللا ذلك بثقته بزملائه الأطباء الفلسطينيين منذ زاملهم في مستشفى الدجاني في يافا البحر قبل نكبتها.
ولد د. حيدر لعائلة متدينة وحافظ على روابط الاحترام مع المتدينين فاحترموه دون أن ينضم لهم لكنه اكتسب التواضع ونظافة اليد والتشبث بثوابت شعبه والتحامه بحركته ودعم مقومات صموده من والده الشيخ الصوفي،عضو المجلس الإسلامي الأعلى، وتحمل سيرته دروسا وعبرا بوسع قادة سفينة نوح الفلسطينية الاستفادة منها اليوم.
انحاز "طبيب الفقراء" للفكر الوطني اليساري، دون الانتماء لحزب ما، وحظي بتقدير ألوان الطيف السياسي الفلسطيني كافتها بفضل مزاياه النبيلة ما يفسر الحزن الفلسطيني العام على رحيله.
وبعد أن خيمت النكسة بعتمتها انطلق حيدر عبد الشافي مع أبناء شعبه بهمة يضيء شمعته ضد الظلام رافعاً شعار الوحدة الوطنية والتربية الأخلاقية حتى انطفأت نبضات قلبه هذه الأسبوع.
التقط عبد الشافي جمرة الحق ولم يفرط بها حتى عندما اشتعلت في ثنايا راحته وأتت على أطراف أصابعه فلم يخش لومة لائم ووجه النقد نحو "العناقيد العالية" وعلى رأسهم الرئيس الراحل ياسر عرفات حينما آمن بانحراف المركب الوطني عن سكته.
في حياته ومماته بادله أبناء شعبه الحب بالحب والوفاء بالوفاء بل شهد له أعداؤه رسوخ الموقف الوطني وثباته حينما كان النضال مكلفا ويعني النفي لسيناء ولبنان، فتشهد له غزة مساهماته الكبيرة في بناء الجبهة الوطنية ومناهضة مشروع التوطين الأميركي للاجئين في سيناء بالخمسينات وبناء الهلال الأحمرالفلسطيني.
كما ذاق مرارة السجون في أيام الانتداب البريطاني والحكم المصري والاحتلال الإسرائيلي على التوالي وتستبطن الكلمات التالية نبذة حقيقية عن طباع الراحل الباقي وبعيون إسرائيلية.
حدثني بالأمس المؤرخ الإسرائيلي د. تسفي ألبيلغ المحاضر في جامعة تل أبيب بعض ما عرفه عن حيدر عبد الشافي خلال إشغاله منصب الحاكم العسكري لقطاع غزة فور احتلاله عقب العدوان الثلاثي عام ولفت إلى أنه يدلي بشهادته من أجل الحقيقة،لا له ولا عليه.
أستذكر ألبيلغ تلك الأيام بدقة وقال إن حيدر عبد الشافي كان واحدا من أبرز الشخصيات الفلسطينية التي فشل الاحتلال في تطويعها رغم كافة الضغوطات.
" طالما كان طيرا فريدا في القطاع، غرد خارج السرب منذ احتلاله الأول بصلابة مواقفه وشجاعته".
قال ألبيلغ الذي يعكف على وضع مؤلف عن تلك الحقبة وأشار إلى أن د. عبد الشافي رفض أي نوع من التعاون مع الاحتلال الإسرائيلي من أجل تصريف الشؤون الحياتية لأهالي القطاع بصفته عضوا في بلدية غزة التي استبدل الاحتلال رئيسها.
وحينما تبددت ضغوطات الاحتلال على عبد الشافي،يقول المؤرخ الإسرائيلي، أمر قائد أركان الجيش موشيه ديان بقطع الماء عن منزله عقابا على مواقفه الممانعة لكنه آثر العطش فاستشاط ديان غضبا وما لبث أن أوعز موشيه ديان بقطع خط الهاتف عن منزله.
لكن الرجل المؤمن بعدالة قضيته الذي أشغل رئاسة المجلس التشريعي الرابع منتصف الستينات لم ينحن لنا وظل يرفض التعاون مع الاحتلال منذ نوفمبر/تشرين ثاني1956 حتى رحل في مارس/آذار1957 . قال ألبيلغ جازما وأضاف " ظل ذاك الطبيب الكريزماتي متمسكا بروحه الثائرة ولم يخف رفضه القاطع للاحتلال ولم يؤمن بفلسفة التقية".
ولم يستكن حيدر عبد الشافي للاحتلال المصري للقطاع ولإملاءاته فسجن ومعين بسيسو لمناصرته موقف المفتي والرئيس العراقي الأسبق عبد الكريم قاسم في مطالبتهما الرئيس المصري جمال عبد الناصر بإنشاء كيان فلسطيني في قطاع غزة يكون نواة للدولة بدلا من تكريس احتلاله وتبعيته.