قصص: هادي زاهر والقاتل المجهول
من جديد يعود الينا الكاتب هادي زاهر القادم من روابي الكرمل بكتاب يحمل نكهته الخاصة، وهذه المرة مجموعة قصصية بعنوان "القاتل المجهول" بعد ان برز ككاتب يعرف اصول الكتابة الساخرة "الساتيرا". وكان قد اصدر في الماضي مجموعة من الكتب في الوان ادبية مختلفة، وهذه الكتب هي: "الفخ، في مواجهة النص، الطبل والافاعي، امطار ابابيلية، نقطة ضوء والمغلوبون على امرهم".
وهادي زاهر كاتب مبدع يعي قضايا مجتمعه ويتفاعل معها ويعايشها وينقل الصور والاحداث من الواقع الاجتماعي الحي ويسعى الى تغيير هذا الواقع الذي يعيش في كنفه نحو الافضل، وفي جل كتاباته يركز على الهم الاجتماعي كمحرك فاعل ومؤثر في توظيفه في بنيته القصصية، وفي هذه المجموعة تبرز قدرته كقاص بارع في التقاط الواقع الاجتماعي، معتمدا عنصر التشويق والاثارة واللغة القصصية البسيطة التي تتناسب وتتلاءم والوعي الثقافي لشخصياته وتتوظف في وصف وتصوير طبيعة العلاقات الاجتماعية والصراع القائم والدائر داخل المجتمع، وكما يقول في المقدمة" يرسم صورة قلمية من البداية ويصور الاجواء بحس فني وبملامسة روحية وجدانية لكي تجذب القارئ" وان "النهايات مقتضبة لاتقدم الحل ولا ينتصر فيها الخير دائما".
وجاءت المجموعة القصصية الجديدة "القاتل المجهول" في 021 صفحة واشتملت على 41 قصة قصيرة كان زاهر قد نشر بعضها في صحفنا المحلية، وهذه القصص ترصد الواقع الاجتماعي والسياسي والفكري للمجتمع العربي الدرزي وتكشف همومه وتطرح قضايا حياتية ومعيشية واجتماعية واخلاقية، لم تعالج من قبل، استوحاها من صميم ولب الواقع اليومي المعاش، ومن ابرز واهم القضايا والمواضيع التي يعالجها هادي زاهر في هذه المجموعة، العلل والاوبئة والآفات الاجتماعية المتفشية التي تنخر وتنهش عظام وجسد مجتمعنا، كالفساد والحسد والغيرة والرشاوى والنفاق والرياء الاجتماعي الكاذب والمظاهر الزائفة وعمليات الابتزاز والاحتيال والاغراءات المالية في المعارك الانتخابية للسلطة المحلية، بالاضافة الى مسائل التجنيد الاجباري المفدوض قسرا على الشبان الدروز، والخيانة الزوجية والوضع الاجتماعي والاقتصادي السيء الذي ادى الى اندثار القيم واضمحلال الاخلاق وغيرها.
وينجح زاهر في خلق التفاعل بين النص والقارئ وجذبه لمتابعة احداث قصصه باللجوء الى اسلوب خاص شفاف وخفيف الروح.
ان قصص هادي زاهر تسجل لجوانب هامة في مسيرة حياتنا في هذه المرحلة وتسبر الاغوار القيمية والتطور الاجتماعي الحاصل، وفيها نقد للقيم السلبية السائدة والعادات والتقاليد المتوارثة، وتبوح بالالم الخفي الكامن في نفسه وتعكس هواجسه الدائمة وقلقه وتوجسه المتواصل جراء الوضع الاجتماعي والاخلاقي البائس الذي آل اليه مجتمعنا العربي.
وهادي زاهر لم يتلزم الضوابط الفنية التقليدية المعروفة للقصة القصيرة وانما التزم الشكل الفني الاكثر حداثة وتطورا وتقدما في النسيج العضوي للبناء القصصي.
ويشحن نصوصه وقصصه بالصور والافكار والمعاني التي ترسم الواقع والحلم، ويغلفها بلغة واقعية تنحاز للبساطة والسلاسة والشفافية والسهولة وخفة الظل، راصدا من خلالها اليومي والعادي وتحويله الى مادة ادبية مثيرة، وقد تمكن من بلورة نبض وملامح حياتنا الاجتماعية الواقعية الى لقطات ذكية تنم عن مدى معايشته للواقع ونقمته على الظلم والقهر والجور وعلى الاوضاع التي يكتنفها الجهل والفقر والمرض، وانحيازه المطلق لقضايا الانسان.
واننا اذ نرحب بالمجموعة نترك للقراء متعة قراءة القصص ونشد على يدي مؤلفها الاخ الكاتب هادي زاهر ونتمنى له دوام الكتابة المتجددة دائما، والى اللقاء في انتاج ادبي آخر.