في رفح: شعبية راشيل تجاوزت عرفات
راشـيـل متـطـوعـة امريگـيـة الجنسية وفلسطينية الـروح والـمـصـيـر
تواصل محكمتان اسرائيلية وامريكية بشكل متواز النظر بدعوى قضائية قدمها ذوو الناشطة الاميركية راشيل كوري، التي قتلها الاحتلال في رفح قبل اكثر من ثلاث سنوات، ضد دولة اسرائيل وسلطاتها الامنية وطالبوا فيها بتعويضات مادية كبيرة.
يشار الى ان راشيل كانت قد قضت في السادس عشر من مارس/آذار 2003 خلال محاولتها وزملائها الحيلولة دون قيام الاحتلال الاسرائيلي بهدم بيوت الفلسطينيين في رفح بطرق سلمية. الدعوى التي قدمها والدا وشقيقا الراحلة راشيل كوري بواسطة المحامي حسين ابو حسين من مدينة ام الفحم ضد جيش الاحتلال تزامنت مع دعوى مماثلة قدمت في واشنطن ضد شركة الجرافات "كاتربيلر" الاميركية التي زودت الاحتلال بآليات ضخمة، شارك في تقديمها المحامي جميل دكور ابن قرية معليا والمقيم اليوم في امريكا ويعمل ضمن منظمة " aclu " الحقوقية.
وبموجب الدعوى المقدمة ضد الاحتلال والمستندة الى تحقيق واسع اجراه المحامي ومنظمة "التضامن مع الفلسطينيين" الدولية التي كانت تنتسب لها راشيل فأن الاخيرة وصلت في يناير / كانون الثاني 2003 الى فلسطين برفقة ناشطين آخرين من امريكا وسكوتلندا واليابان بهدف مساعدة المواطنين الفلسطينيين .
جسد غض داسته جرافة بوزن64 طنا !
راشيل كانت في ال24 من عمرها حينما وصلت قطاع غزة بعد ان انهت دراستها الجامعية في الفنون وهي كاتبة ومعالجة نفسية الى جانب كونها ناشطة معروفة من اجل حقوق الانسان. يشار الى ان منظمة » التضامن » تؤمن بالمقاومة السلمية وهي متأثرة بنظريات المهاتما غاندي ومارتن لوثر كينغ فيما تعنى بتوثيق ما يجري في الحواجز العسكرية وتزويد الصحافة بتفاصيلها ومساعدة الفلسطينيين طبيا في الاماكن الخاضعة لمنع التجول والاغلاقات والتي تتعرض لهدم المنازل. ويتضح ان راشيل قد استدعيت في يومها الاخير وزميلين آخرين الى حي السلام في رفح بهدف التصدي لمحاولة هدم المنزل التابع للدكتور سمير نصر الله الذي اعتادت الاقامة فيه. هناك قامت وزملاؤها برفع لافتات كبيرة تفيد انهم يتبعون منظمة حقوقية دولية فيما كانت هي تحاول التحدث الى الجنود في الجرافتين والدبابة بواسطة مكبر صوت لاقناعهم بعدم هدم البيت او اطلاق النار. وبحسب الدعوى كان الناشطون الثلاثة يرتدون ملابس خاصة تعكس الاضواء كي تتم مشاهدتهم بوضوح. وفيما احتجت راشيل بشكل غير عنيف اطلق الجنود العيارات النارية من دبابتهم نحو الارض قريبا منهم ثم اقتربت الجرافة نحو الشهيدة وجرفت الارض من تحت قدميها قبالة المنزل فسقطت ارضا لكن سائقها استمر بالتقدم ودهسها بغرض القتل عمدا كما اكدت الدعوى واضافت "لم يستجب الجنود لاستغاثات راشيل ومناشداتها بعدم هدم البيت فداسوها بالجرافة التي تزن 64 طنا ومن المفروض ان توظف للبناء لا لزرع الموت".
وقد جاء في تقرير معهد التشريح العدلي الاسرائيلي ان معظم اعضاء جسم راشيل الخارجية والداخلية قد تم تحطيمها وتهشيمها.
في حديث لـ"العرب" قال صديق للراحلة، عبد الرؤوف بردخ من رفح، ان راشيل كانت تتمتع بشعبية تتجاوز شعبية الراحل ياسر عرفات بسبب تواضعها واخلاصها، لافتا الى انها اميركية الجنسية وفلسطينية الروح والمصير واضاف: " كانت تعيش مع الاهالي تأكل ما يأكلون وتلبس ما يلبسون الى حد انها لبست الحجاب حفاظا على عادات وتقاليد الفلسطينيين الذين احبتهم حبا جنونيا. ولفت بردخ ان راشيل كانت عاشقة للاطفال الفلسطينيين ومحامية بارعة عنهم." واضاف: "كانت قبل وفاتها بايام قد قدمت لائحة اتهام في "البرلمان الصغير" (الخاص باطفال رفح وهو نتاج مبادرتها) ضد جورج بوش وارئيل شارون اتهمتهما فيها باقتراف جرائم ضد الانسانية." وتعبيرا عن تقدير اهالي رفح لها ولدورها قال بردخ جازما: " والله ان شعرة واحدة من راس راشيل بتيجان كل ملوك العرب الذين يكتفون بالكلام الفارغ وهم يتفرجون علينا ويكتفون باصدار بيانات التنديد والاستنكار على وقع الصواريخ التي تقتل اطفالنا ونساءنا صباح مساء .. فعلا اؤلئك عرب باعوا رؤوسهم وفعلا رب اخ لك تلده امك، وربما يكون من قارة ثانية .. ومن امة اخرى .."
وافاد الصحفي محمد الجمل لـ"العرب" ان راشيل اعتادت ان ترتاد مقهى انترنت "ساهر" ومن هناك ترسل للعالم انطباعاتها وتفضح موبقات الاحتلال. ولا تزال صورة راشيل تزين جدران المقهى الذي اعتادت على ارتياده.
جريمة بدون مجرم!
في حديث لـموقع "العرب" افصح المحامي حسين ابو حسين ان الجيش رفض تسليم العائلة نتائج تحقيقه بالحادثة ولم يقدم احدا من المسؤولين عنها للقضاء موضحا ان الجريمة تتنافى مع كافة الاعراف الانسانية والاخلاقية ومع القانون الدولي الخاص بكرامة الانسان وحرياته. وكانت الدعوى قد اشارت الى ان المرحومة التي احبها الفلسطينيون واعتبروها شهيدة كانت مليئة بالحياة وكثيرة المهارات، ينتظرها مستقبل زاهر اجهز عليه الاحتلال بشكل مريع. كما اشارت الدعوى الى الاضرار النفسية والمادية البالغة التي لحقت باهلها الذين لم يفيقوا من صدمتهم بعد وانقلب عالمهم عليهم رأسا على عقب. واختتمت الدعوى بمطالبة الاحتلال بتعويض اهلها بنحو نصف مليون دولار كتعويضات "خاصة" فيما تركت للمحكمة صلاحية البت بالتعويضات العامة التي تقدر بملايين الدولارات.
راشيل ماتت غير ان روحها لا تزال ترفرف في سماء رفح وسيرتها خالدة في نفوس الآلاف من الاهالي هناك الذين قدمت نفسها قربانا للدفاع عنهم وعن حقوقهم . وبسبب بطولتها وشهامتها لا تزال راشيل حية في الاوساط الحقوقية.. ففي الاسبوع المنصرم تظاهر عشرات الأشخاص الذين ينتمون إلى منظمة سلمية يهودية في شيكاغو بولاية ايلينوي الأميركية، أمام مقرّ مجموعة شركات "كتربيلر" للمعدّات الثقيلة للمطالبة بوقف شحن الجرّافات إلى إسرائيل، حتى لا تستخدم في هدم بيوت الفلسطينيين حتى اللحظة.
وقاد هذه التظاهرة والدا راشيل كوري، بينما كانت تحاول الاعتراض على هدم بيوت فلسطينيين في مدينة رفح جنوب قطاع غزة.
وسلّم والدا الناشطة المساهمين في المجموعة الذين كانوا يعقدون اجتماعهم السنوي، حوالي ستة آلاف بطاقة بريدية من أشخاص يتضامنون معهم في تظاهرتهم.
وتقوم مؤسسات عدّة من بينها الكنيسة الأنغليكانية بحملة لمنع الاستثمار في المجموعة لدفعها إلى وقف بيع هذه المعدّات لإسرائيل، مؤكّدةً أن هذه هدمت 12 ألف منزل فلسطيني على الأقل.
احرف من نور
وستشهد مدينة نيويورك في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل مسرحية تدور حول راشيل كوري، وذلك بعد ستة أشهر من سحبها من جدول العرض بمسرح آخر وسط اتهامات للمسرح بممارسة الرقابة.
وتؤدي مسرحية "اسمي راشيل كوري" سيدة واحدة وتستند إلى يوميات ورسائل بالبريد الإلكتروني للناشطة الأميركية.
وكان من المقرر أن يبدأ عرضها على مسرح نيويورك ثييتر ووركشوب في مارس/ آذار الماضي غير أن المسرح أبلغ شركاءه البريطانيين قبل أسابيع قليلة من موعد عرض المسرحية في نيويورك بتأجيل العرض بعد مناقشات مع أناس يعملون في الفنون وزعماء دينيين وممثلين للطائفة اليهودية.واتهم مخرج المسرحية ألان ريكمان المسرح بممارسة الرقابة، كما أثار قرار التأجيل جدلا ساخنا حول السياسة وحرية التعبير في الفنون مع اتهام الراحلة بالسذاجة وعدم إعطاء الضحايا الإسرائيليين للهجمات الفلسطينية ثقلا مكافئا بينما يمتدحها مؤيدون لها لدفاعها عن مدنيين فلسطينيين.
وخلص تحقيق إسرائيلي إلى أن وفاتها كانت حادثا، وقالت شيريل برودرسون خالة كوري إن العائلة تشك في ذلك وتحث الحكومة الأميركية على المطالبة بتحقيق مستقل في وفاتها مجادلة بوجود تناقضات في التقرير الإسرائيلي.
وكتبت المسرحية بالاستعانة بكلمات كوري نفسها وهي قصة شخصية للغاية من طفولتها حتى الفترة التي قضتها في غزة، حيث قال ريكمان "لم نكن نسعى فقط لتصوير راشيل على أنها قديسة أو إثارة العواطف نحوها لكننا أردنا أيضا مواجهة حقيقة أنها صورت كشيطانة".