كل العربالنسخة الكاملة ↗

الفنان اسماعيـل شموط في ذمة الله

الياس كرام · 15/07/2006 الساعة 11:25

ريشة مبدعة صورت معاناة واحلام الشعب الفلسطيني * رسوماته وثقت مراحل الثورة الفلسطينية وكانت وسيلة من وسائل المقاومة * "نحن الفلسطينيين الجدار الابقى"- من اقوال الراحل اسماعيل شموط * الرئيس الخالد جمال عبد الناصر افتتح ثاني معرض له في القاهرة



لم تقتصر مقاومة الشعب الفلسطيني البطل على الحجر والمقاومة المسلحة فحسب، طيلة عقود طويلة من الصراع مع اسرائيل لتحصيل حقوقه الوطنية والدفاع عن تراثه الاصيل، فالى جانب المقاومة المسلحة، كان الشعر والغناء والرسم التي شكلت وسائل مكملة للنضال الفلسطيني، فقد كان الحفاظ على التراث الفلسطيني وتوثيقه نوعا من انواع المقاومة لاثبات الوجود وتقرير الحق والدفاع عن الارض وكان لا بد للشعب المقاوم من استخدام جميع الوسائل كل في ميدانه وفي مجال ابداعه ليسخر موهبته وامكانياته لخدمة قضية امته وشعبه. وكان فن الرسم واحدا من اشهر وسائل الحفاظ على هذه الصورة حاضرة في الاذهان متحدية كل ما عمدت اسرائيل اليه لتزييف تاريخ وحاضر ومستقبل الشعب الفلسطيني، وهكذا سخر الفنان الراحل اسماعيل شموط ريشته ليحكي معاناة الشعب الفلسطيني بدءا من نكبته في عام 48 وتهجير اهله في مدينة اللد، مرورا بمعاناة اللاجئين في مخيمات اللجوء والشتات. فقد وثق من خلال رسوماته المراحل التي مرت بها مسيرة هذا الشعب فدونها برسومات غاية في الروعة والجمال، وثق الانتفاضة بكل ما حملته من معان انسانية سامية ومقاومة للاحتلال، ووثق حلم الفلسطينيين بالعودة وتقرير المصير، ورسم احلام اطفال فلسطين الذين حرموا من طفولتهم في ظل القمع والاحتلال.
رحل الفنان اسماعيل شموط( 76 عاما) وتوقف قلبه عن الخفقان بعيدا عن مدينته اللد التي هجر منها يوم النكبة بعد عملية جراحية في القلب اخضع لها في احد مستشفيات المانيا. ويعتبر الفنان الراحل بشهادة كثير من النقاد وزملاء الفن التشكيلي المؤسس الفعلي للحركة الفنية التشكيلية الفلسطينية التي لم تعرف قبله فنانا استطاع ان يربط حياته الفنية بحياة شعبه في مختلف المراحل التي مرت فيها القضية الفلسطينية. واسماعيل شموط ليس بالفنان السهل, لكنه بالبسيط تأقلم مع واقع الألم الفلسطيني, وترجم هذا الألم الى رسومات تشكيلية عبرت عن واقع ومأساة الشعب الفلسطيني، وعكست الحزن والشجن الذي اختلج في قلبه وحنينه لارضهِ ولأهلهِ ولوطنه .
ْولد الراحل عام 1930 في مدينة اللد وبعد نكبة الشعب الفلسطيني عاش مع عائلته في مخيم للاجئين في خان يونس بقطاع غزة. وانتقل في منتصف القرن الماضي الى القاهرة حيث درس فن الرسم والتصوير في كلية الفنون الجميلة. وكان خلال دراسته في القاهرة اقام اول معرض للوحاته في مدينة غزة وافتتح الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر ثاني معرض اقامه للوحاته ولوحات زميلته تمام الاكحل التي اصبحت زوجته فيما بعد في العاصمة المصرية في عام 1954. وعام 1956 توجه الى روما وتابع دراسته في اكاديمية الفنون الجميلة في العاصمة الايطالية. وانتقل بعدها الى لبنان وخلال اقامته هناك بادر الى جانب عدد من الفنانين التشكيليين الفلسطينيين الى تأسيس اول اتحاد للفنانين التشكيليين الفلسطينيين في عام 1969 وتولى بعد ذلك بعامين منصب الامين العام لاتحاد الفنانين التشكيليين العرب. وكان الراحل اقام العديد من المعارض المشتركة مع زوجته تمام الاكحل في اغلب العواصم العربية الى جانب عدد كبير من العواصم والمدن الاوروبية. واستقر بعد ان انهى دراسته في العاصمة اللبنانية التي تركها اثر الاجتياح الاسرائيلي لبيروت عام 1982 متوجها الى الكويت التي غادرها في 1992 الى المانيا. ويعتبر نقاد الحركة التشكيلية الفلسطينية ان شموط هو المؤسس الحقيقي للحركة الفنية الفلسطينية فلم يسبقه سوى الفنان جمال بدران من مواليد حيفا عام 1905 وعدد من تلامذته الذين ركزوا في اعمالهم على فن الكتابة ورسوم الوجوه والشخصيات والمناظر الطبيعية، ولم يتح لهم عرض اعمالهم الفنية قبل التاريخ الفاصل في حياة الشعب الفلسطيني عام 1948. وفرضت الحياة التي عاشها شموط ان يلجأ الى المدرسة الواقعية في الفن التشكيلي ورسم المعاناة التي عاشها اللاجئون والشعب الفلسطيني بعد النكبة.
ولوحات الفنان الراحل عكست التحولات التي مرت بها القضية الفلسطينية وكان الفنان يقسمها الى خمس مراحل ، الاولى مرحلة الخمسينات او ما اطلق عليها مرحلة تداعيات المأساة واعتمد فيها الاسلوب الواقعي البسيط. ومن لوحاته في تلك الفترة "إلى أين؟" و"سنعود" و"بداية المأساة" و"جرعة ماء" و"ذكريات ونار". وخلال المرحلة الثانية في الستينات اعتمد الاسلوب التعبيري والرمزي فرسم خلالها لوحات متعددة بينها "عروسان على الحدود" و"طاقة تنتظر" و"حتى الفجر" و"رقصة النصر". اما المرحلة الثالثة في النصف الثاني من الستينات وهي مرحلة المقاومة الفلسطينية المسلحة والتغييرات الجذرية التي ادخلتها على حياة الشعب الفلسطيني فرسم خلالها "مغناة فلسطين" و"اليد الخضراء" و"الحياة المستمرة" و"الربيع". واعتبر ان مجزرة مخيم تل الزعتر وجسر الباشا في 1976 في لبنان والاعتداءات الاسرائيلية على لبنان بداية للمرحلة الرابعة في حياته الفنية فلجأ لاستخدام الالوان الحادة في لوحاته ومنها "تل الزعتر". واخيرا المرحلة الخامسة التي اعتبر ان الاتجاه الرومانسي سيطر عليها بعد انتقاله للعيش في الكويت كما انها الهمته مجموعة من اللوحات توقعت انطلاق الانتفاضة الاولى قبل انطلاقتها بثلاثة اعوام. وقد حصل الراحل على درع الثورة للفنون والآداب وعلى وسام القدس وعلى جائزة فلسطين للفنون وجوائز عربية ودولية عديدة. اما اقوى ما عبر عنه الفنان الراحل من كلمات عكست قوة الشعب الفلسطيني وارادته فتمثلت بقوله :" نحن الفلسطينيين الجدار الابقى".

واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع