التوتة والامبارطور زيدان
ألتوتة
٭ كل الاحترام لتظاهرة الناصرة، قبل ايام، ضد فظائع الاحتلال في قطاع غزة، وكل الاحترام للمنظمين وللجمهور الذي استقبل كلمات عودة بشارات ومحمد بركة وتمار غوجانسكي ومحمد علي طه والفقير لله، بروح عالية وبعزيمة صادقة، لكن ضآلة الجمهور قياسا بضخامة الحدث، بدت لي ظاهرة متكررة في جميع التظاهرات وفي فعاليات كل الاحزاب والأُطر السياسية والشعبية عندنا.
ولا استطيع الا ان اعبّر عن القلق الشديد ازاء هذه الظاهرة، فهل فقدت جماهير شعبنا هنا حماسها التاريخي وجاهزيتها التقليدية للمشاركة الايجابية الفعالة في التظاهر حول قضايا حياتنا ومصيرنا ومصير شعبنا وبلادنا؟
لا يجوز لنا انكار عوامل الاحباط، ومناخ اللامبالاة، الناجم عن الواقع السياسي الفلسطيني والعربي والعالمي، لكن لا يجوز لنا ايضا التذرع بمناسبات الاعراس والعاب المونديال لتبرير الغياب القاسي عن فعالياتنا الجماهيرية في الاعوام الاخيرة.
ومن واجبنا لفت نظر الجهات الحزبية والبلدية ومنظمات العمل المدني والجماهيري الى ضرورة الانتباه الشديد لهذه الحالة غير المبررة والخطيرة على المديين القريب والبعيد.
وانها لمسألة بدهيّة اننا لا نستطيع ايضا ان نصاب بعدوى اليأس، فاليأس كما قلنا في مناسبات اخرى سابقة- هو رفاه باهظ التكاليف، ولا قبل لنا بتسديد فواتيره..
وكان طبيعيا ان استذكر امام متظاهري الناصرة قصة المناضل الراحل جمال موسى الذي دعي للخطابة في احدى قرى الجليل ولم يجد في انتظاره احدا سوى التوتة الكبيرة في ساحة القرية، ففحص الميكروفون بنفخة، وبنقرة من اصبعه، وابتدأ خطابه: ايتها التوتة العزيزة!
ومن الجدير ذكره ان تلك القرية اصبحت فيما بعد معقلا من معاقل النضال الشعبي.
وخلاصة القصة ان الثوار لا ييأسون، ولا بد لحبوبهم القليلة من ان تصبح حقول سنابل، وان غدا لناظره قريب...
رحيل فنان كبير
٭ اعتز كثيرا بأن لوحات اسماعيل شموط ورفيقة دربه وفنه، وزوجته تمام الاكحل، تزين قلوبنا بمثل ما تزين جدران بيوتنا وصحفات تاريخنا.
وبعد رحيل اسماعيل، الفاجع والجارح، فلم تعد مشاعر الاعتزاز قادرة على النجاة بذاتها من كدرة الاسى والالم، المنهالة على اكداس الوجع الجاثم على ايامنا، القادم من ايامنا، والجامح على ايامنا وايتامنا وخرائبنا واحلامنا.
لم يؤسس اسماعيل شموط لفن تشكيلي فلسطيني فحسب، بل اسس لذاكرة ثقافية ولوجدان شعبي، تلتحم فيه ايقاعات اللوحة التشكيلية بايقاعات القصيدة والرقصة الشعبية، رقصة الطيور المذبوحة، من الالم! ان الله رحمن رحيم وقادر حكيم وسيجمع اسماعيل شموط الى رفاقه المبدعين الفلسطينيين الراحلين، في رحاب الجنة.. وكأني بهم جميعا في ظلال الجنة الآن، ويرددون معا بيت الشعر اياه:
وطني لو شُغلتُ بالخُلد عنه
نازعتني اليه في الخُلد نفسي
واننا لمنتظرون، يا أخي وصديقي ورفيقي يا اسماعيل شموط.. وما بدّلنا تبديلا.
عيسُ العراق
٭بشرتنا وسائل الاعلام العربية والعالمية، بأن العراق يبذل جهودا حثيثة ليصبح في غصون عقد من الزمن اكبر مصدر للنفط في العالم، متجاوزا المملكة العربية السعودية، حاملة هذا "اللقب" اليوم، بتصدير ما يربو على 61 مليون برميل يوميا!
نحن لا نؤيد هذا السباق، من حيث المبدأ، فان خيرات الارض ليست ابدية، ولا بد من ترشيد عملية الاستهلاك الجنوني ازاء محدودية الموارد الطبيعية، لكن العراق اصبح بقرة الاستعمار الحلوب، وسيبذل قراصنة المواد الخام اقصى ما يستطيعون من جهود، لاستنزاف اكبر قدر من "حليب" الارض العراقية والعربية، لهاثا وراء اكبر قدر من الارباح المكدسة في ارصدة الاحتكارات العالمية وشركات النفط والتعدين التي يقوم بها ويرتكز عليها الاقتصاد الغربي الرأسمالي كله.
ومن يتابع اوضاع الشعب العراقي الاقتصادية، على خلفية اوضاعه السياسية والامنية والاجتماعية، فلا يستطيع الا ان يكون مشحونا بالاسى وبالغضب في آن، ذلك ان الشعب الذي يعيش على احدى أكبر آبار النفط في العالم، ويقيم على بحيرة هائلة من الذهب الاسود، يتعثر بأغلبيته الساحقة تحت خط الفقر وحوله، بينما ينعم اللصوص وقطاع الطرق والموظفون الفاسدون المرتشون، بخيرات هذا الشعب المنكوب عقودا على عقود من الزمن، ولا بأس في ان يذكّرنا حال اشقائنا في العراق ببيت الشعر القديم:
كالعيس في البيداء يقتلها الظّما
والماء فوق ظهورها محمولُ
ولأننا لا نفقد ثقتنا المطلقة بالشعوب، فنحن على امل يقينيّ بان "عيس"العراق ستتخلّص من القراصنة الطارئين وسترتوي من عائدات نفطها التي ترتوي منها صناعات العالم.. وبنوكه ايضا!!
الامبراطور زيدان
٭كرة القدم هي في نهاية المطاف نوع من انواع الرياضة، وفيها دائما سجال الغالب والمغلوب، لكن الروح الرياضية لا تقل اهمية عن الرياضة نفسها. وبالروح الرياضية هذه الى جانب الانجاز الرياضي يظل زين الدين زيدان آخر الاباطرة بعد پيليه ومارادونا. ولان الرياضيين هم بشر ككل البشر، فانهم يفقدون احيانا قدرة السيطرة على الذات في مواجهة تصرفات وتفوهات نابية وبذيئة تصدر عن بعض "زملائهم" الرياضيين، وبما ان احدا لم يكن يتمنى لزين الدين زيدان ان يغادر ارض الملعب البرليني في المونديال الاخير، بالبطاقة الحمراء، فلا بد من التساؤل عن الشتيمة او البذاءة التي وجهها اللاعب الايطالي الى زيزو الامبراطور فأفقدته هدوءه وجعلته يطرح ذلك المستفز ارضا، وكنت اتمنى ان يسقط معه الوبش العنصري الفرنس لا پان!
نحن نحب الايطاليين بمثل ما نحب جميع الشعوب المسالمة، ونبتهج معهم حين يفوزون بكأس المونديال حين يحققون اي انجاز حضاري، لكننا في الوقت نفسه نتمنى عليهم ان ينبذوا من بين صفوفهم كل من يطلق التعابير العنصرية والشتائم البذيئة ضد ابناء الشعوب الاخرى، وهو ما تعرض له زين الدين زيدان بدون شك.
والمضحك في الامر ان اقزام التعليق الرياضي في وسائل التجهيل الاسرائيلية عبّروا عن وحشية شماتتهم الوضيعة بزين الدين زيدان ولم يكلفوا انفسهم محاولة الظهور بمظهر المراقب الموضوعي المتحضّر، وقد لا يجوز لنا ان نلومهم على عدم الالتزام بما لا يملكونه اصلا.
ورغم بذاءة ذلك اللاعب الايطالي ورغم شماتة "المعلقين الرياضيين" الصهاينة، فان زين الدين زيدان يظل حتى الآن آخر اباطرة كرة القدم العالميين، وليخسأ الشامتون الشانئون الساقطون!