التعايش بين المال وسوء الحال- بقلم: محمد كناعنة – ابو اسعد
* مشاريع "التعايش" المزعومة أصبحت نافذة لسياسة المؤسسات الصهيونية على مختلف مسمياتها لتلج إلى فعل الحياة في قرانا ومدننا العربية
ليس بالأمر الجديد الحديث عن مبادرات من أطراف متعدّدة لطرح موضوع ما يُسمى بالتعايش العربي اليهودي في البلاد، فهذا الشعار كان رايةً لأحزاب مختلفة ومؤسسات متعدّدة على مدى سنوات وجود الدولة العبرية، وما زال يُرفع كأنّه حجر الزاوية في برنامج هذه الأحزاب والمؤسسات، ولا يُمكن لعقلية مُنفتحة وتقدمية وإنسانية أن ترفض مبدأ التعايش، هذا المبدأ الانساني في جوهرهِ والعظيم في صورة الحياة المنشودة بين الناس كل الناس، لكن على قاعدة الاحترام والمحبة والأخوة. فعندما تنتظم العلاقات على هذه القاعدة ليس بالامكان رفض هذا المبدأ، لا بل ولا بُدّ له أن يسود، ولا أدلُّ على ذلك أكثر من علاقة اليهود بالدولة الاسلامية، حيث كان لهم مكانة مرموقة في الدولة ومارسوا حياتهم بكل تفاصيلها على حسب معتقداتهم دون أن يضطهدهم أحد ووصل من بينهم إلى أعلى المراكز في الدولة وعلى هذا النمط من الممكن أن نبحث ونجد صيغ للتعايش والعيش المشترك في أحلام الباحثين عن المساواة الحقيقية، السائرين على درب حرية الانسان وكرامته.
وإن عدنا إلى مُلهم العبيد والمظلومين في الثورة ضد قهر الأسياد وظلم الظالمين نجد أن سبارتاكوس لم يكن مدعومًا بالمال، وإنّما بسلاح الحرية، حُلم كل الناس، الحرية التي لا تشترى بالمال ولا تعطى على طبقٍ من ذهب، ولم تكن ثورة الشعوب في كل العصور مرهونة بالمال المقدّم من حامل السوط ومفتاح القيد، فلا يلتقى العبد والسيد ولا الظالم والمظلوم إلاّ في حلبة الصراع، صراع الحياة.
بعد أن ذهبَ الاتحاد السوفيتي العظيم من حلبة الصراع ومعهُ منظومة الدول الاشتراكية في شرق أوروبا، التفت السيد الأوروبي الغربي ومعهُ الوحش الأمريكي إلى منطقة البركان في المشرق العربي، وبعد أن تبين مدى تأثير مؤسسات "الدعم" تحت شعار حقوق الانسان وحرية العبادة وحرية الرأي والديمقراطية – وهي بالمناسبة شعارات حق يُراد بها باطل – فهذه المؤسسات المانحة مرتبطة وممولة من قبل ال C.I.A ووزارة الخارجية الأمريكية وأجهزة الاستخبارات الغربية، بدأت منذُ عقدين بالتحول الكبير باتجاه المنطقة العربية وخاصة في فلسطين، وكان منذ البداية على راس سلم أوليات هذه المنظومة العمل على تهيئة أرضية لعملية سياسية بين م.ت.ف والدولة العبرية تخرج المقاومة من ثيابها الحقيقية وتحوّلها من الخنادق إلى الفنادق لتساوم على أبسط الحقوق، الحق في السيادة والحرية والكرامة.
لقد شكلّت هذه المرحلة استدارة قوية بإتجاه المنطقة من قبل الولايات المتحدة وإن لم تكن جديدة، ولكنّها هذه المرّة كانت تحملُ العصا لمن عَصى وتغدقُ الدولارات لمن استجاب. فضُرب العراق وأُغتيل المشروع القومي وانهار اليسار وناخ اليمين وطفى على السطح جُند المنظمات المسماة أهلية، وأصبح الشغل الشاغل لبعضها أو لمعظمها تحصيل الدعم القادم على حساب دماء أطفال العراق وفلسطين، حتى غدت بعض هذه الجمعيات أقوى من بعض الأحزاب والتنظيمات اليسارية والقومية.
هذا الحال والواقع المرير لعلاقة معظم الصناديق المانحة بأجهزة استخبارات غربية تحت مُسميات مراكز أبحاث ودعم وما إلى ذلك، إنما يعكس نفسهُ على واقعنا المُعاش هنا في هذه البلاد، ويختلط الحابل بالنابل وتصبح أحوال الناس الصعبة والسيئة بفعل الاحتلال والتمييز والمصادرة مدخلاً للسمّسَرة والربح الشخصي وتموّل مشاريع بحثية وتعقد المؤتمرات وكأنّ هؤلاء يكتشفون القمر من جديد، ويتعجّب الممول الأجنبي وهو غالبًا صهيوني، من التمييز ويعد برفع توصية بهذا الشأن.
وإن عُدنا إلى سوء الحال في حياة الناس، في مختلف المجالات وبحثنا عن مفعول هذه المؤسسات في هذا المجال فلا نجد في حقيقة الأمر إلا مبالغ طائلة جدًا تذهب إلى جيوب أصحاب هذه الدكاكين وهم غالبًا "ما يرتكزون على تاريخهم" كونهم "أعضاء" في أحزاب أو حركات يسارية، وتصبح مشاريع "التعايش" المزعومة نافذة لسياسة المؤسسات الصهيونية على مختلف مسمياتها لتلج إلى فعل الحياة في قرانا ومدننا العربية وعلى راس سلم أولياتها ضرب كل فعل يقاوم تشويه الواقع والحقيقة، والدفع باتجاه الدمج والأسرلة والمواطنة المشوّه في دولة الأبرتهايد.