حوار مع الذات ومع الآخر بظل الأزمة
منذ نجاح حماس في تصحيح الأوضاع في قطاع غزة فيما يمكن تسميته ( بحركة حزيران التصحيحية ) ، انبرى كثير من أزلام السلطة الفلسطينية يتهمون حماس بما لم يجرؤ عليه فقهاء التحليل السياسي والإستراتيجي في العالم ، ويرفعون في وجهها لائحة طويلة عريضة من الإفتراءات والإتهامات ، أصابت اصحابها في مقتل اخلاقي أكثر مما أساءت إلى حماس والحركة الإسلامية الفلسطينية ...
من أكثر هذه الإتهامات سخفا ، والتي ما زالت تذكرنا بالذي مارسته في التاريخ القريب وحتى الآن بعض الأنظمة العربية الظلامية ضد الإخوان المسلمين ، هو تخويف الرأي العام من أن حماس في طريقها إلى إقامة ( إمارة ظلامية ) في قطاع غزة ، ستكون ، كما ذهب إلى ذلك رأس الدولة في فلسطين ، قاعدة ( للقاعدة – قاعدة الشيخ بن لادن طبعا ) . لم اكن اتصور ان يجنح خيال بعض القيادات الفلسطينية إلى هذا الحد من الشطط مهما كانت الأسباب والمبررات ، وإن كنت ارى انه لا مبرر أبدا لمثل هذا النوع من اللغط الذي سيعرض مليونين من الفلسطينيين تقريبا إلى ان يكونوا ضحايا حرب دولية ظالمة ، أسموها ( الحرب ضد الإرهاب ) ، تُضاف إلى حرب الإحتلال الإسرائيلي الذي يفتك بفلسطين أنسانا وأرضا ومقدسات ....
لا شك عندي في ان هذا الإتهام لحماس لا ينبع عن قناعات عند قائليه بقدر ما يعبر عن إحباط مزلزل وجدنا اثره في توصيات لجنة التحقيق التي شكلها الرئيس الفلسطيني أبو مازن لبحث السقوط المدوي والسريع لنمر الأجهزة الأمنية الكرتوني ، والذي ولغ في دماء وأقوات وأعراض ومقدرات الفلسطينيين حتى الثمالة ، فما هي إلا لحظات إلا وأنهد السقف من فوقه ، لأن القاعدة مضطردة ثابتة لا تتغير : " كذلك يضرب الله الحق والباطل ، فاما الزبد فيذهب جفاء ، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ، كذلك يضرب الله الأمثال ) .... لا أتردد في تقرير هذه الحقيقة ، رغم اني لا ازعم – وهذا خُلُقٌ تعلمناه من كتاب ربنا وهدي نبينا - أن ( حماساَ ) حقٌ خالصٌ لا باطل معه ، وأن ( فتحاً ) باطلٌ خالصٌ لا حق معه .... إلا ان الذي لا يساورني فيه شك ان الحركة الإسلامية الفلسطينية صادقة كل الصدق في خدمة قضايا شعبها ، وجدية الى أبعد الحدود في ايمانها بالشراكة الحقيقية المبنية على أسس اسلامية – وطنية – قومية طاهرة وشفافة ، مع غيرها من أطياف الشعب الفلسطيني ، على قاعدة ان الكل شركاء في المصير وفي المسير ، ولا فضل لأحد على احد إلا بما يقدم في خدمة قضيته من نفسه وماله ، لا يخاف إلا الله ولا يبتغي في عمله إلا وجهه ورضاه سبحانه ...
إن المسارعة والإصرار على اتهام حماس بما ليس فيها من التهم الباطلة والخطيرة ، رغم إنكارها لها وتاكيدها على وحدة الشعب والجغرافيا الفلسطينيين ، واستعدادها الفوري للعودة الى طاولة المفاوضات والحوار الداخلي على أسسٍ متفقٍ عليها تصب في مصلحة مجموع الشعب بعيدا عن المصالح الفصائلية والفئوية ، تدفعنا إلى الحديث بجرأة وصدق عن الدوافع الحقيقية وراء دفع هذه العناصر المتنفذة في فتح ومنظمة التحرير ، والتي لا تمثل ثقلا يُذكر على مستوى الشعب الفلسطيني ، نحو مزيد من القطيعة والصدام ، وكاني بهم لا يريدون المصالحة لعلمهم انها ستدفع بهم الى عالم المجهول ، وستقصيهم عن مواقع التأثير ، وهم الذين عاشوا حياتهم ( يقضمون ) ما شاءوا من جسد القضية والشعب دون رقيب ولا حسيب ....
من حقنا ان ننبه من ( .. كان له قلب او ألقى السمع وهو شهيد ..) من الثقلين الإنس والجن ، أن اساس المشكلة تكمن في ( ثنائية الإسلامية والقومية ) وطبيعة العلاقة بينهما ، وجودا او عدما ، سلبا او ايجابا ، إقداما او إحجاما ... الذي لا جدال فيه ان بين التيارين عداء قديم ، لا لأنهما متناقضان يستحيل التعايش بينهما ، ولكن لميراث أسود كان ثمرةَ ممارساتٍ لقيادة التيار القومي الذين لم يروا في التيار الإسلامي رافدا أصيلا من روافد المجتمع يمكن ان يكون شريكا فاعلا في بناء حاضر ومستقبل الأمة ، ولكنهم رأوا فيه تهديدا لوجودهم ولنفوذهم ... والسبب في ذلك يكمن في ان التيار القومي كان وما يزال ، إلا من تغيير بسيط ، لا يؤمن بالديموقراطية ولا بتداول السلطة السلمي ، كما لا حصانة له ولا لكوادره من آفات الحكم القاتلة والتي لا تعدو ان تكون ألوهية إبليسية مُقَنَّعَةً ، او سياسية فرعونية طاغية ، أو اقتصادية قارونية فاحشة ... وكل ذلك نعتبره المدخل الواسع لكل انواع السقوط ، ولعل فيما كتب عن فضائح النظام المصري وغيره بعد حرب عام 1967 ، وما كشفته حماس بعد سيطرتها على الأجهزة الأمنية من وثائق فاضحة وبينات دامغة ، ما يشير الى ما ذهبت اليه ...
لا أعتقد ان حلا ما سينفع الشعب الفلسطيني ما لم يقتنع لأطراف وعلى رأسهم فتح أنه لا خيار امامهم إلا العودة الى الحوار ... ولكن ليس أي حوار .... فهذا - وربي – لا يسمن بعد ان عاش الشعب سنوات طويلة عجاف ، ولا يغني من جوع الشعب الى حل جذري يؤسس لنظام سياسي توافقي تتعايش فيه الأفكار ولا تتناحر ، وتتلاقى على أرضه الإجتهادات ولا تتنافر .... انا اومن ان الجامع لنا مسلمين ومسيحيين ،سنيين وشيعيين ، إسلاميين وقوميين ، عربا وغير عرب ، هو الأسلام العظيم ... هذه مُسَلَّمَةٌ بالنسبة إلي ... والأيمان بها فريضة ... والتاريخ على مدى اربعة عشر قرنا يحكم لها لا عليها ، بعكس غيرها من الأطروحات التي لم تُحقق وجودا يذكر حتى الان يجعلها ندا للطرح الإسلامي .... مع ذلك لا اتردد في القول من انه لا بد من تجميع القوى الإسلامية والقومية والوطنية، بغض النظر عن اختلافاتها ، على أساس المرجعية الربانية ( الدين ) ، والوطن أي : ( الدار ) ، والتي نترجم عنها الان باسم " المواطنة " .... هذا اللقاء والتعانق بين التيارين الإسلامي والقومي المعتدلين هو السبيل إلى عملية الإنقاذ التي يتوق اليها الشعب الفلسطيني .... أنا واع تماما إلى ان هنالك غلاة من الطرفين يتبنيان فلسفة الإقصاء ، فذاك إسلامي يرى في القومية مروقا من الدين وجاهلية جديدة ، وهناك قومي يرى في الدين تخلفا ورجعية وظلامية ... هؤلاء لا مكان لهم في هذه الرؤية .. لكن الأكثرية الوسطية في الطرفين يعون انه قد آن الأوان للقائهم واتفاقهم ، وإلا فلن تشهد المنطقة إلا مزيدا من النكبات والأزمات ...
وهنا أسأل : ما السبيل الى رأب الصدع الفلسطيني على ضوء ما ذكرت ؟؟؟!!!.. بعيدا عن الإتهامات المتبادلة والتي يجب ان تتوقف ، لا بد من طرح وجهات نظر الأطراف بشكل ( بارد ) ولكن بعقل متقد وعاطفة مرهفة ... الرئيس ابو مازن يطالب بما يلي : 1- عودة حماس عن كل ما فعلته في قطاع غزة . 2 – الإعتذار للشعب الفلسطيني عما فعلته . 3 – الإعتراف بشرعية الرئيس عباس والسلطة الوطنية الفلسطينية . 4 – الإعتراف بشرعية حكومة فياض ، باعتبارها حكومة تصريف أعمال . 5 – الموافقة على إجراء انتخابات مبكرة .
أما رد حماس والذي جاء على لسان السيد خال مشعل ، فكان على النحو التالي : 1 – الإعتراف بشرعية الرئيس عباس رئيسا للسلطة الوطنية الفلسطينية . 2 – عدم الإعتراف بحكومة فياض باعتبارها غير قانونية وفقا لأحكام القانون الأساسي للسلطة . 3 – الإستعداد لإعادة المقرات الأمنية للسلطة بعد تشكيل جهاز امني وطني فلسطيني على أسس وطنية مهنية وغير فصائلية . 4 – تكون حكومة اسماعيل هنية حكومة تصريف اعمال ، ريثما يتم الإتفاق على موعد جديد لإنتخابات تشريعية ورئاسية جديدة ...
وهنا نسأل مرة اخرى : اين الحق والباطل في طرح الطرفين ؟؟!!... نبد ا بالحق ، وكل شيئ نسبي كما هو معروف ... الإعتراف بابي مازن رئيسا للسلطة ، هذا حق اتفق عليه الطرفان ... ' إعادة المقرات الأمنية للسلطة هذا حق ، ولكن على اسس جديدة كما تطلب حماس ، وكما طالبت بذلك لجنة التحقيق التي شكلها ابو مازن ... إجراء انتخابات مبكرة كمخرج للأزمة حق ، ولكن باتفاق كما تطلب حماس وفي إطار اتفاق شامل ....
أما ا الباطل ، وهذا ايضا نسبي أيضا ، فهو كما يلي ... عودة حماس عما فعلته ، وإعادة الأوضاع الى ما كانت عليه مطلقا ، هذا باطل صريح ... فماذا تعني العودة بالأوضاع الى سابق عهدها بعد نتائج لجنة التحقيق الفتحاوية ، وما كشفته حماس من فضائح تستدعي إعادة بناء جذرية لهذه الأجهزة ؟؟؟!!... هل يريدون إعادة الأجهزة الى ايدي من ادانتهم لجنة التحقيق ، وهل يريدون عودة الفساد والعبث بأعراض الفلسطينيين وسيادة قانون الغاب ؟؟!!.. الإعتذار للشعب الفلسطيني حق ، ولكنه ينقلب الى باطل يوم يطال طرفا دون طرف ، والحل هو اعتذار القيادات الفلسطينية كلها عن قصورها في النهوض بالقضية بالشكل الذي تمنى الشعب ، وإلا فأين نضع جرائم فتح ضد الأبرياء والمؤسسات الخيرية التابعة لحماس في الضفة والمستمرة الى هذه اللحظة ؟؟!!... المطالبة بالإعتراف بحكومة فياض باطل ، لأنه يتعارض مع الدستور وإرادة الشعب واتفاق مكة الذي أفرز حكومة الوحدة الوطنية ... والحق في هذا ان يُعترف بحكومة الوحدة الوطنية حكومة تصريف اعمال حتى يتم الأتفاق على انتخابات جديدة ....
لا مفر إذا من التحرر الفوري من سياسة الإتهامات المتبادلة ، والرجوع الفوري الى الحوار ، وتحكيم العقل والإستجابة الى صوت القضية المتحشرج ... وإلا فلن يرحم التاريخ احدا ، ولن يغفر الشعب الفلسطيني لأحد عبث في قضيته المقدسة .. والله غالب على امره ولكن اكثر الناس لا يعلمون .....