فخ الخدمة المدنية / الوطنية- بقلم: الشيخ إبراهيم صرصور
* قبولنا بهذا الاشتراط للحصول على المواطنة والحقوق الكاملة كعرب ، معناه على المدى القريب والبعيد تسليم بمنطق ليبرمان
* منحة دراسية محدودة لا يمكن أن تغير واقع التعليم العربي الذي يعاني بسبب سياسة التجهيل والتمييز التي تمارسها الحكومات الإسرائيلية على طول الطريق
* الأخطر من ذلك كله أننا لا نلمس من خلال الدراسة الموضوعية للمشروع فصلا واضحا بين الخدمة المدنية / الوطنية وبين الخدمة العسكرية ، لكن العكس هو الصحيح
أشرنا في المقال السابق إلى أن هنالك من قد يدعي أن مشروع ( الخدمة المدنية / الوطنية ) ( أحسن من بلاش ) ، وهو يعين بشكل أو بآخر في مساعدة الشباب والشابات في حل بعض مشاكلهم المادية ويفتح أمامهم بعض الأبواب الموصدة ، إلى غير ذلك من الأسباب ؟؟!! سؤال في ظاهره مشروع ومنطقي ، إلا أن نظرة متعمقة في النتائج المدمرة المترتبة على هذا المنطق ، يضعنا حتما أمام خيار واحد : الرفض الكامل ، ولا أقل من ذلك ... إن قبولنا بهذا الاشتراط للحصول على المواطنة والحقوق الكاملة كعرب ، معناه على المدى القريب والبعيد تسليم بمنطق ليبرمان الذي يقول : ولاء كامل يساوي مواطنة كاملة ، في الوقت الذي يُحَرِّمُ المنطق والشرائع والقوانين الإنسانية مثل هذه المساومة .. القبول بهذا المنطق اليوم يعني أننا بأيدينا اعترفنا بأن سياسة إسرائيل وتمييزها الصارخ ضدنا أكثر من ستة عقود كان أمرا منطقيا ، وأنه لو أن العرب ( رقصوا!! ) منذ البداية على أنغام ( ناي ) الإسرائيليين لحصلوا عل حقوقهم الكاملة منذ أمد بعيد ، وهذا محض تضليل وخداع ...
يحلو للقائمين على المشروع أن يصفوه بجواز الدخول للشباب العرب إلى فضاء المساواة ، وأنه يأتي ليفتح المجال أمامهم للانخراط في خدمة مجتمعهم من خلال تعزيز العمل التطوعي كقيمة سامية إلى حد كبير ، وأن المشروع سيخلق إحساسا ( بالانتماء !!! ) إلى الدولة ، وشعورا بعدم التهميش ، وهذه كلها مزاعم يحسبها الظمآن ماء ، بينما هي في الحقيقة أقرب إلى السراب والوهم ... فمشروع الخدمة المدنية / الوطنية لا يمكنه أن يحقق المساواة بمفهومها الصحيح ، وأن أقصى ما يمكن أن يقدمه بعض ( الامتيازات ) المحدودة ، والتي بدورها ستضيع وسط زحام التمييز بكل أشكاله : العلني الصريح ( overt discrimination ) ، والخفي المقنع covert discrimination ) ) ، والتمييز المؤسساتي ( institutional discrimination ) ... فوق ما سيشكله في المقابل من خطر على خصوصيات الشباب العرب كجزء من عملية كفاح عابرة للحدود ( القضية الفلسطينية ) ، وكامتداد لأمة لها تاريخها السامق وحاضرها الحزين ومستقبلها الذي تحاول أن تبنيه رغم الألغام التي تملأ كل الطرق المؤدية إلى الغاية والهدف ...
فمنحة دراسية محدودة لا يمكن أن تغير واقع التعليم العربي الذي يعاني بسبب سياسة التجهيل والتمييز التي تمارسها الحكومات الإسرائيلية على طول الطريق ، كما أن عملا تطوعيا بالنكهة اليهودية لن يغير من الواقع المدني المزري الذي يعاني منه المجتمع العربي منذ عقود في كل مجالات الحياة ولنفس الأسباب ، مما يُبقي وبشكل دائم على الفوارق الواضحة والصارخة بين المجتمعين اليهودي ( المُرَفَّه ) والعربي ( البائس ) ... واضح من الدراسات العلمية لواقع المشروع أن التركيز موجه في الأساس إلى التجمعات العربية الأكثر فقرا وعوزا ، الأمر الذي لن يبقي أمام الشباب العربي أي خيار وسط واقع اقتصادي واجتماعي تعيس ، مع الإشارة هنا إلى أن أكثرية المنخرطين في المشروع – رغم قلتهم حسب الإحصائيات - هم من الإناث اللواتي يعانين من ظلم مضاعف : القومي كجزء من المجتمع العربي ، وكإناث في مجتمع ذكوري إلى حد كبير لم يعط المرأة بَعْدُ ، حقها في صياغة المشهد المجتمعي جنبا إلى جنب مع الرجل ، تحقيقا لفلسفة وضعت قواعدها ( بلقيس ) رحمها الله ، كما وردت قصتها في القرآن الكريم ، في قوله تعالى : " قيل لها ادخلي الصرح ، فلما رأته حسبته لُجَّةً وكشفت عن ساقيها ، قال انه صرح ممرد من قوارير ، قالت رَبِّ إني ظلمت نفسي وأسلمت مَعَ سليمان لله رب العالمين . "... أسلمتْ ( مع ) وليس من وراء أو ( تحت ظل ) ، أو ( في حماية ) ، ولكن (مع ) سلميان – عليه السلام - ، في إشارة إلى المعية والمشاركة وإن كان في أكثر القضايا أهمية ( العقيدة والتوحيد ) ...
الأخطر من ذلك كله أننا لا نلمس من خلال الدراسة الموضوعية للمشروع فصلا واضحا بين الخدمة المدنية / الوطنية وبين الخدمة العسكرية ، لكن العكس هو الصحيح ... بذلك تكون المشاركة في المشروع غير أخلاقية حتى النخاع ، لأنها تأتي في إطار سعي الدولة إلى تمييع انتماء الشباب العرب لثوابتهم ولقضيتهم ، لصالح خلق واقع نفسي جديد لدى هذه الشريحة المهمة في المجتمع العربي ، يجعل من التماوه مع ثوابت الدولة الصهيونية أمرا مستساغا ، وهو بلا شك المرحلة التي تسبق السقوط والاندثار بعد الانهيار والانصهار .... وهذا ما نرفضه جملة وتفصيلا ... إضافة إلى أنه قد تم نقل الملف بقرار حكومي ليصبح تحت إشراف وزاري تابع لحزب ( البيت اليهودي ) اليميني المتطرف ، والذي لا يخفي قناعاته الرافضة للتعامل مع المجتمع العربي كصاحب حق في المساواة على أساس قومي ... أما التطور الجديد في المسألة فهو قرار الحكومة الأخير بخصوص التقليص العَرْضي لميزانية الدولة ،والذي بدوره خفض الميزانيات المخصصة للمشروع بشكل بدا يهدد إمكانية صموده حسبما ورد في تصريحات القائمين الجدد عليه ... خلاصة القضية ، أن الفوائد المحدودة جدا والفردية جدا ، لا يجب أن تلفتنا عن الأضرار الجسيمة المترتبة على قبولنا ولو المحدود بالمشروع ...
الملاحظ أنني لم أضع البديل لهذا المشروع حتى هذه اللحظة رغم إشارتي السريعة حول هذه النقطة بين ثنايا مقالاتي السابقة ، وعليه أرى من واجبي هنا أن أكون صريحا إلى ابعد الحدود في الحديث عن هذه ألنقطه ، لأنني أرفض أن أكون جزءا من حالة رفض لا تجرؤ على وضع البديل حيثما كان ذلك ممكنا ... أبدأ بالإشارة إلى أن الحركة الإسلامية أثبتت منذ انطلاقتها في بداية السبعينات أنها من الحركات الأكثر قدرة على تنظيم المشروعات التطوعية وتعميق ثقافة العطاء كجزء من انتمائنا لديننا ولشعبنا ، وكوسيلة من وسائل المقاومة لسياسة التمييز الإسرائيلية الممارسة ضدنا . وقد كانت وما تزال معسكرات العمل الإسلامي وإقامة المؤسسات الخدماتية ، أحدى سمات هذه الثقافة التي تسعى إلى تطوير وبناء المجتمع ذاتيا من خلال رؤية جامعة .
تؤمن الحركة الإسلامية أن هنالك ضرورة لعمل جماعي جاد من اجل مواجهة هذه المشاريع الإسرائيلية التدميرية ، والتي تهدف إلى تصفية ما تبقى لدينا من عناصر الممانعة والصمود ، وذلك من خلال وضع تحد أمام الحكومة يتلخص في رؤية نقدمها تكون أساسا لمشروعنا العربي ( للخدمة التطوعية ) ، وكبديل عن مشروع ( الخدمة المدنية / الوطنية ) ... على كل الهيئات والحركات والأحزاب والمراكز الحقوقية والبحثية العمل المشترك والسريع على وضع صيغة لما نراه مناسبا في هذا الشأن ، تمنع الكارثة قبل وقوعها . جوهر المشروع كما نقترحه هو نقل الميزانيات وضمان الامتيازات من الحكومة إلى المجالس والبلديات العربية ، والتي بدورها تقوم على تنفيذ المشروع برؤية عربية ، وبعيون عربية وبأيد عربية ، تحقيقا لأهداف تضعها هي ، تنسجم انسجاما كاملا مع مفاهيمنا وقيمنا وقناعاتنا ، ومستمدة من هويتنا الدينية والقومية والوطنية ، ودون أدنى تدخل من الحكومة في التفكير والتخطيط والتنفيذ ... نحن بهذا نكون صادقين مع أنفسنا ومع جماهيرنا من جهة ، وبعيدين عن مرمى سهام من يتهمنا دائما بالسلبية ( جبهة رفض !!! ) من جهة ثانية ، وفي نفس الوقت لا نترك لحكومة إسرائيل منفذا للهرب من تحمل مسؤولياتها من جهة ثالثة ...