فخ الخدمة المدنية/ الوطنية- بقلم: الشيخ النائب إبراهيم صرصور
* حركتنا الإسلامية واعية تمام الوعي لأهمية هذه القضايا ومركزيتها في المرحلة المقبلة في حياتنا كأقلية قومية في هذه البلاد
* الخطط الإسرائيلية في رأينا هي في الحقيقة سم ناقع وان اختلط ببعض العسل المتوهم والخادع، مما لا يجب أن ينطلي على احد منا
ما زال الجدل محتدما ومنذ سنوات حول عدد من القضايا والملفات الهامة والمتعلقة بمستقبل الجماهير العربية في هذه البلاد ، ومنها طبعا الخطط الإسرائيلية الداعية إلى فرض الخدمة المدنية أو الوطنية أو حتى العسكرية على المواطنين العرب داخل إسرائيل ، ومنها أيضا المطلب الملح بوضع تصور مستقبلي شامل لنا كأقلية قومية تضعنا في موضع متقدم جدا لمواجهة أية برامج إسرائيلية خبيثة يمكن أن تفرضها السلطات علينا دون أن نكون مستعدين لمواجهتها ، ومنها قبل ذلك وبعده المطلب الملح لإعادة بناء لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية على ضوء المستجدات ، كمرجعية عليا تتمتع بالأهلية الكافية لقيادة مجتمعنا العربي في الداخل وفي جميع المجالات من جهة ، وتحظى بالاحترام والدعم والإسناد الشعبي المطلوب لتمثل الجماهير العربية في وجه السلطة المركزية من جهة أخرى ...
حركتنا الإسلامية واعية تمام الوعي لأهمية هذه القضايا ومركزيتها في المرحلة المقبلة في حياتنا كأقلية قومية في هذه البلاد ، وعليه فهي تسعى جاهدة لبلورة موقفها منها ، حتى تساهم ولو بشكل متواضع في صياغة المشهد النهائي أو المرحلي لمجتمعنا العربي نحو تحقيق الأهداف المرجوة ...
إسرائيل لم تتوقف ولن تتوقف عن تحديث خططها بكل ما يتعلق بنا كأقلية فلسطينية قومية ما زالت تصر على العيش على أرض وطنها ، معتزة بماضيها وحاضرها وواثقة في مستقبلها ، ومحافظة على ثوابتها التي لن تساوم عليها أبدا ، ولن تفرط بها مطلقا مهما بلغت التحديات ، ومهما ارتفع لهيب العنصرية الإسرائيلية رسميا وشعبيا ... نؤكد على هذه الحقيقة لا من باب المزايدة الشعاراتية أو الترف الفكري ، ولكن لأسباب مبدئية صرفة ، وأخرى موضوعية محضة ... أما المبدئية فذلك لأننا جزء من شعب ومن امة ومن قضية ، سيبقى لها تأثيرها على عقلنا الواعي واللاواعي ، وستبقى الموجهة لنضالنا والهادية لمراحل كفاحنا من اجل تحقيق الحقوق والحفاظ على الوجود في ظل ظروف شبة مستحيلة . وأما الموضوعية فلأننا أقلية قومية تعيش في وطنها تحت حكم دولة ذات غالبية يهودية ، تعيش حالة ساخنة على أقل احتمال مع شعبنا الفلسطيني وامتنا العربية والإسلامية ، وتتحدى بعنجهية كل أمل نحو حل سلمي للصراع المستمر لأكثر من مائة عام ، وتقتل كل جهد يبذل في سبيل وضع أطراف النزاع على سكة المصالحة التاريخية ، في الوقت ذاته تمارس سياسة قهر وظلم تاريخي ، وتمييز فاضح ضدنا رغم مواطنتنا الإسرائيلية ، وتتشدد بشكل متصاعد في تعاملها معنا في جميع مجالات الحياة ، على اعتبارنا خطرا استراتيجيا ، مما نعتبره تهديدا حقيقيا غير متوهم لوجودنا ومستقبلنا ...
لتلك الأسباب ولغيرها نعتبر في الحركة الإسلامية هذه الملفات من اخطر ما يواجه جماهيرنا العربية في هذه المرحلة ، خصوصا وأننا نعلم أن إسرائيل ومنذ سنوات تحاول إطلاق مشروع دستور للدولة قد قطع مشوارا طويلا فعلا من البحث في أكثر من دائرة منها أيضا لجنة القانون والدستور البرلمانية. هذا الوضع يفرض علينا استعدادا وتوحدا لكل الطاقات من اجل العمل على مواجهة هذه المشاريع على كل الصعد الشعبية والقانونية والإعلامية .
أحد هذه المشاريع التي تحاول إسرائيل فرضها على الشباب العرب ( ذكورا وإناثا ) منذ أكثر من سنتين تقريبا ، الخدمة المدنية / الوطنية ، حيث أقامت الحكومة لتحقيق هذه الغاية هيئة أسمتها ( الهيئة من أجل الخدمة المدنية – الوطنية – המנהלת לשירות אזרחי – לאומי ) ، وضعت على رأس أهدافها تجنيد الشباب والشابات العرب في صفوفها ، حيث نجحت المفوضية في العام 2009 بتجنيد حوالي الألف شاب وشابة من العرب ، والتي لا تتعدى نسبتهم من الشريحة الشبابية ( جيل 21 – 18 ) العرب ـ الواحد بالمائة فقط ...
نؤكد ابتداء ومنعا لأي سوء فهم أو خلط ، أن الحركة الإسلامية ترى في أية صورة من صور الخدمة العسكرية أو المدنية أو القومية حسبما تروج لها الدوائر الإسرائيلية خطرا حقيقيا يهدد هويتنا الدينية والقومية والوطنية ، ولن يساهم إلا في مزيد من التمييز العنصري والذي أصبح السمة الغالبة لسياسة إسرائيل تجاهنا وتجاه القضايا العربية عموما والفلسطينية خصوصا ، كما لن يزيد مجتمعنا إلا تفككا وضعفا وانهيارا وذلك لأسباب سنتطرق إليها لاحقا...
أعلنت الحركة الإسلامية منذ البداية عن رفضها لهذا المشروع بصيغته التي وضعته الحكومة ، وكذلك فعلت كل الهيئات والفعاليات العربية ، رغم تأكيدنا وبلا تردد عن دعمنا لمشروع يضمن تطوع الشباب العرب لخدمة مجتمعاتهم ، ولكن بعيون عربية وبسيطرة عربية كاملة ، وبلا أية علاقة مع المشروع الذي وضعته الحكومة ، والذي ستكون له أضراره غير القابلة للإصلاح على المدى القريب والبعيد ... وعليه فلسنا ضد مبدأ التطوع لخدمة المجتمع كما يحاول المروجون لهذا المشروع اتهامنا ظلما وزورا ، لكننا ضد مشروع الخدمة بصورته الإسرائيلية الصهيونية ، والذي يجعل من التطوع لخدمة المجتمع جزءا من إطار سياسي ، يرتكز في الأساس إلى توجه عنصري يميز ضد العرب في كل المجالات وبشكل منهجي ، على اعتبارهم عربا ولا لأي سبب آخر ، كربط الحقوق بالواجبات ، وهو أمر يُحَرَّمُ على احد في المجتمع اليهودي الحديث فيه وبهذه الصورة ، فلا يتصور مثلا حرمان اليهود المتدينين من حقوقهم ، أو اشتراط منحهم هذه الحقوق بالخدمة المدنية / الوطنية ، والذي يعتبر مسا خطيرا بالأسس الديمقراطية للدولة ( وبالستاتوس كفو ) ، الذي أصبح جزءا من عقيدة أفشلت وعلى مدى تاريخ إسرائيل الحديث كل المحاولات الهامشية لتغييره ... لقد أثبت الواقع أن هذه المعادلة مجرد كذبة لا يصدقها حتى من وضعوها ، فالتمييز ضد أقليتنا القوية هو جزء من البنية التحتية الفكرية لإسرائيل ، ولا نعتبر خروجها علينا بعروضها الحالية حول العلاقة بين الحقوق والواجبات إلا تبريرا مفضوحا لاستمرار سياسة التمييز التي ترفض إسرائيل التخلي عنها رغم مرور أكثر من ستة عقود على قيامها .
لا يمكننا أن تثق بالعروض الإسرائيلية ، فما زلت أذكر زمانا ليس ببعيد كنت عندها أول من اعترض على نشر الإعلان الداعي إلى التجنيد في جيش الاحتلال في بعض الصحف العربية ، تبعتني بعد ذلك جهات أخرى انتهت باعتراف رئيس تحرير احد هذه الصحف بمدى الابتزاز الذي يمارس عليها من الجهات الحكومية المعنية بهدف نشر " زبالة " تضر مباشرة بثوابتنا ، وتعرض وحدتنا إلى خطر حقيقي . هذه الخطط الإسرائيلية في رأينا هي في الحقيقة سم ناقع وان اختلط ببعض العسل المتوهم والخادع، مما لا يجب أن ينطلي على احد منا أبدا.
وللحديث بقية إن شاء الله ...