جنة مجنون
يحاول الكاتب العربي المصري أسامة أنور عكاشة في روايته الخامسة" جنة مجنون" الصادرة قبل فترة ضمن سلسلة "روايات الهلال"، الشهرية التي تصدر في العاصمة المصرية وتصل إلى بلادنا بانتظام، أن يقتفي اثر الحلم الذي يخطر في تهويمات الدغل الموحش المتشابك التي تخلقه الكوابيس والمخاوف والشكوك..النفس البشرية، كما يقول.
تدور الرواية حول شخص لا نعرف اسمه إلا ضمن إجابة عن سؤال يوجه إليه، هو "س"، يتلقى فجأة رسالة من صديق طفولته عاطف درويش، رفيقه في قراءة الروايات، وليس في إعداد الوظائف المدرسية كما يعتقد والده.
الرسالة تأتي بعد أن يختفي صديقه بسبب الإقامة في موقع آخر، وتفيد بأنه يريد أن يراه، يتردد الصديق في مقابلة صديقه، إلا انه يقرر مقابلته، فهر لن يخسر شيئا، ويفاجأ بملامح الثراء البادية عليه، ويعلم منه انه إنما توجد وراء هذه الملامح، قصة مؤسية، تدور حول ترك والده له تركة عبارة عن ثروة، ومحاولة أعمامه للإيقاع به، ونجاحهم عبر استدرار عاطفته، بواسطة احد أعمامه، ما يؤدي به إلى عنبر الأمراض النفسية، هناك يتعرف إلى شقيقة نزيل آخر تم الإيقاع به بالطريقة التي أوقع هو بواسطتها، فادخل العنبر وهو غير مريض ومعافى، هذه المرأة تدعى، كما يقول عاطف درويش، نجاة عبدا لله معتصم، يوصي أخوها بها صديقه ويذهب، ليتكشف الأمر في اليوم التالي عن انتحاره بشنقه لذاته.
القصة تنمو بعد ذلك باتجاه آخر، هنا تتوقف قصة الراوي مع صديق طفولته، الذي يظهر بعد غياب، لتبدأ في اتجاه آخر اقرب ما يكون إلى المسلسلات التلفزيونية التي برع عكاشة في كتابتها، وفي طليعتها مسلسل"ليالي الحلمية"، وتأتي زوجة عاطف وشقيها، لتخبر الراوي أنها إنما وصلت إليه عن طريق عاطف، في هذا اللقاء يتكشف للراوي بعض ما كان خافيا من أمر، لا سيما بعد أن اختفى عاطف فجأة وبدون إشعار، ويعلم الراوي من نجاة، زوجة عاطف، أنها شقيقة الطبيب في العنبر، وان طارق إنما يتقمّص شخصيات أخرى، وانه حاليا يعيش شخصية إنسان فنان مرفه. الراوي لا يصدق، يذهب الراوي إليه، ويبدأ الأمر بالتكشف له رويدا، وتبلغ الرواية ذروتها الأخيرة، بان طارق يختفي مرة أخرى، هذه المرة يسافر الراوي إليه بواسطة ترغيبه بان ما أراده تم له تحقيقه، ويذهب إليه ليتكشف له أن طارق ما هو إلا هو ذاته، الرواية لا تقول هذا صراحة ومباشرة وإنما هي تتوسل في توصيلها له، بالإشارة والتلميح.
هذه الرواية الخامسة لصاحبها، أما الروايات الأربع السابقة فهي:"أحلام برج بابل" صدرت عام 1984، "منخفض الهند الموسمي" 2003،" وهج الصيف" 2004، و"تلك الأيام" 2005، وهي الأولى التي اقرأها له.
واضح أن هذه الرواية تريد أن تطرح واقعا بديلا متخيلا لذاك الواقع الذي يدفع ناسه وأشخاصه دفعا بالعقلاء، القارئ في الرواية، إلى الجنون، لكن الكاتب لا يستسلم إلى ما يدفع إليه هذا الواقع، وإنما هو يشطح شطحات، في " جنة مجنون" وكأنما هو يريد أن يؤكد على وجود واقع آخر بالإمكان تحققه على الأرض، انه واقع يوتوبي، حافل بما تضمنته صفحات روايات سبق وقراها الراوي برفقة زميل الطفولة والقراءة، الذي قد يكون الكاتب ذاته، مثل رواية" الأفق البعيد" لجيمس هلتون، التي يرد فيها ذكر مكان اسمه" واد القمر الأزرق" ويستعيره "طارق درويش" في الرواية للتعبير عن العزبة التي يلتقي فيها مع صنوه، مع تغيير طفيف هو" واد القمر الأخضر". ويرد في الصفحات الأخيرة من الرواية ذكر لروايتين عربيتين، يتوجه الروي إلى صديقه سائلا:
لماذا أتيت بي إلى هنا يا طارق؟
إنها أشواقك القديمة يا صديقي!هل نسيت جنونك بهاتين الروايتين اللتين قراناهما في بكورة صبانا؟ "نداء المجهول" لمحمود تيمور، و"غادة حمانا" لمحمود طاهر لاشين، ربما تنسى أنت! لكن عاطف درويش لا ينسى.
السؤال الذي تبادر إلى ذهني بعد الانتهاء من قراءة الرواية، هو ذاك الذي اطرحه على نفسي كلما أقبلت على قراءة عمل أدبي جديد، خاصة في مجالي الرواية والقصة، وهو ماذا أراد الكاتب أن يقول لنا؟ ما هي الكلمة الأخيرة الذي أراد أن يقولها؟ هل أراد أن يقتفي اثر الحلم التي تخلقه الكوابيس والمخاوف؟ أم أراد أن يفتح كوة على فضاء مرغوب فيه ومتمنى، أم أراد أن يقول إن الوادي الأخضر والورشة الفنية وما إلى هذه من جماليات الحياة موجودة، رغم كل ما في الواقع من قتامة وظلام؟.
اعتقد انه أراد أن يقول هذا وأكثر، لهذا اعتبر أن هذه الرواية جاءت تعبيرا عن رؤية فنان توسل بالجنون، لعرض عالم مناقض لعالم الوقع، عالم يريد أن يهرب من الكابوس، إلى اليوتوبيا.