عن التعليم العربي في إسرائيل
* التعليم العربي في إسرائيل: ما بين خطاب الهوية المتعثر والإخفاقات التحصيلية
* هناك العديد من النجاحات على المستوى التحصيلي لأبناء المجتمع العربي الفلسطيني في البلاد
* التحديات التي يقف حيالها جهاز التعليم العربي والعملية التربوية عديدة. ويمكن اختزالها في تحديين اثنين: تنشئة الشباب الطلبة على تعزيز الهوية والانتماء الديني والقومي بالاعتماد على الموروث التاريخي والحضاري، وإكساب الطلبة المعرفة والآليات والمهارات العلمية
لقد طرحنا في أكثر من مناسبة وفي العديد من المقالات التي تطرقت بها إلى التعليم العربي في إسرائيل، بأن الجهاز لا يقوم بدوره المنشود. قلنا ذلك ليس من باب مقارعة من هو مسؤول بشكل مباشر أو غير مباشر عن عمل الجهاز وأدائه (مع اعتقادنا بضرورية المساءلة)، وليس فقط من باب اتباع أسلوب النقد كأسلوب فكري وتوجه أكاديمي (وهذا مقبول علمياً وأكاديميا)، إنما كواقع نشهد نتاجه مع انتهاء وأثناء كل عام دراسي، عند نشر النتائج الرسمية المحلية منها والدولية للتحصيل الدراسي على كل المستويات وفي كل المراحل التعليمية، كما ونلمس نتائج وانعكاسات إخفاق الجهاز في واقع الجمهور العربي الفلسطيني في البلاد سواء كان ذلك على مستوى الثقافة السياسية تنظيمياً وممارسة ام على مستوى المكانة الاقتصادية والاجتماعية المتدنية لدى هذا الجمهور مقارنة بجمهور الأغلبية من اليهود في الدولة. قد يدعي البعض بأننا نحمل جهاز التربية والتعليم ما لا طاقه له به، وإننا نعول عليه في إصلاح كل سلبيات وإخفاقات المجتمع وأزماته الأخلاقية والقيمية تعويلا مبالغاً فيه، على مثل هذا الادعاء نجيب باختصار، بان العملية التربوية والتعليمية هي حجر الأساس في أي بناء اجتماعي وفي أي تنمية مجتمعية واقتصادية كانت، بل ان العملية التربوية والتعليمية تعتبر المشروع الحضاري والثقافي الإنساني والتنموي الأساسي لأي مجتمع. إن كل جهاز تربوي تعليمي في أي بلد كان وفي أي ظرف سياسي واجتماعي اقتصادي وجد، يعمل على تحقيق أهداف ثلاثة: الأول: تنشئة جيل المستقبل، معتمداً من اجل ذلك على الموروث التاريخي الحضاري والثقافي للهوية والانتماء للدين والأمة والوطن، مع فتح فرصة لإمكانية التغيير والتكيف وفق المنظومة القيمية المتعارف عليها. والثاني: تمكين المتعلمين من حقهم في بناء شخصيتهم ومساعدتهم على الترشد الذاتي حتى ينشئوا على الفضيلة والأخلاق الحسنة، مسلحين بقيم الاعتدال والتسامح، بحيث يتمكنوا من أخذ دورهم ومكانتهم الاجتماعية وفق قدراتهم ومكتسباتهم وليس وفق حسبهم ونسبهم (انتماءاتهم العائلية والطائفية والعشائرية والطبقية). أما الهدف الثالث: فيتمثل بمنح الفرصة لكل متعلم في استغلال أقصى قدراته الذهنية ومميزاته الشخصية من اجل ان تتاح له فرصة في الحراك الاجتماعي والاقتصادي، ليعود ذلك بالمنفعة عليه على الصعيد الشخصي والمجتمعي برمته.
عودة إلى جهاز التعليم العربي من خلال متابعة مدى قدرته أو فرصته في تحقيق هذه الأهداف الثلاثة، يمكن لنا ان نعتقد بل وأكثر من ذلك ان نجزم على ان الجهاز بطريقته التي يعمل بها، ومن خلال تطبيقه لأهدافه (أهداف المشّرع وصاحب القول الفصل سياسياً) لا يستطيع ان يحقق هذه الأهداف، بل انه ومن ضروب الخيال - وفي ظل الواقع السياسي - ان يعمل الجهاز الرسمي على تحقيق الأهداف التي ذكرناها مجتمعة. الأمر الذي يدعونا إلى الطلب من مؤسساتنا (لجنة متابعة قضايا العليم العربي) ومن مثقفينا الأكاديميين والمهنيين والنخب السياسية القطرية والمحلية وكذلك من قبل مؤسسات المجتمع المدني، إلى ضرورة التكاتف معاً بغرض طرح نموذج تعاضدي تآزري (Synergy model) قادرٍ على مؤازرة الجهاز التربوي الرسمي وغير الرسمي في اجتياز محنته بغية الوصول إلى الأهداف التي يرمي إليها العمل التربوي والتعليمي.
على النموذج التعاضدي التآزري المقترح العمل على مواجهة مجموعة من التحديات التي تحتكم وتخضع إلى عقبات ومحدوديات جمة. قبل الشروع بالعمل التآزري يتوجب على الشركاء في العمل - وقبل تحملهم لمسؤولياتهم - ان يتفقوا مسبقاً حول تشخيص هذه التحديات وتعريفها. وتحديد الغايات والأهداف التي يراد الوصول إليها، لان معايير النجاح في مثل هذه الحالة هي الوصول إلى الغاية والهدف وعدم الاكتفاء بجودة السيرورة.
أن التحديات التي يقف حيالها جهاز التعليم العربي والعملية التربوية عديدة. ويمكن اختزالها في تحديين اثنين: تنشئة الشباب الطلبة على تعزيز الهوية والانتماء الديني والقومي بالاعتماد على الموروث التاريخي والحضاري، وإكساب الطلبة المعرفة والآليات والمهارات العلمية للتمكن من الانخراط في التعليم العالي لمن تؤهله قدراته لذلك، وانخراط من لا تمكنه قدراته التحصيلية في الحياة العملية والمهنية وفق قدراته بغرض العيش بكرامة أسوة بالآخرين، مرتكزين في هذا المطلب على حقه كمواطن في الحصول على المساواة المدنية الفردية والجماعية.
لا يختلف اثنان على ان احتلال إسرائيل المكان الأول من حيث الفوارق في التحصيل بين الطلبة بناء على انتمائهم الاثني والطبقي، ما هو إلا نتاج سياسة مرسومة واضحة المعالم، بحيث تفضل هذه السياسة التقدم النوعي والكيفي على جسر الهوة بين الفئات والشرائح الاجتماعية المختلفة- أي انتهاج سياسة التمييز لفئة وشريحة معينة على حساب سياسة المساواة في الفرص (الهوة الخيالية في الاستثمار على مستوى الفرد تشير وتدلل على انتهاج مثل هذه السياسة، ضاربين عرض الحائط بسياسة دولة الرفاه، والتي أكل الدهر عليها وشرب وأصبحت في خبر كان في سياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في السنوات ال 20 الأخيرة).
باعتقادي، ان التحديات التي يقف حيالها المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل بما يتعلق بالجهاز التربوي، انتقلت من مرحلة المعرفة (المعطيات والمعلومات حول وضع الجهاز متوفرة في النشرات والدراسات الرسمية وغير الرسمية)، كما وانتقلت من مرحلة التشخيص (انظر على سبيل المثال، ورقة التربية والتعليم في التصور المستقبلي). الامر الذي يدعو إلى فتح باب الاجتهاد من خلال الولوج إلى مرحلة محاولة طرح الحلول. أي إلى مرحلة طرح نماذج للعمل بحيث تعتمد على المنطلقات والثوابت وتحتوي على آليات عمل كفيلة بالخروج من الوضع الراهن المأزوم إلى وضع يعطي العمل التربوي الوظيفة التاريخية الأخلاقية والمهنية المنوطة به.
وفاتحة أي نموذج مقترح يجب ان تأخذ التعامل مع الهوية على أشكالها المختلفة كعامل أساسي لا غنى عنه ولا مفر منه؛ لأنه ومن غير الممكن التعامل مع التربية والتعليم في ظل غياب هذا العامل الأساسي والمركزي. لان العملية التربوية ببساطة من غير المعقول وغير المنطقي اعتبارها عملية حيادية. نحن نعي جيداً تخوف البعض من الخوض في موضوع الهوية والانتماء كرافد من الروافد الأساسية للعملية التربوية، بل هناك حتى تخوف من التعامل مع خطاب الهوية بحد ذاته، وذلك لأنه وعند النقاش بما يتعلق بخطاب الهوية يتداخل ويلتحم الموقف السياسي والثقافي من جهة، والتوتر القائم بين الدولة كنظام سياسي والمجتمع كنظام اجتماعي- اقتصادي وثقافي.
في واقع المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل، لا وجود للندية في الصراع القائم بين الدولة والمجتمع في تحديد المنظومة التربوية والتعليمية التي تعتبر البوصلة الموجهة لتشكيل الهوية والانتماء. الحاصل في واقعنا يدل على أن الدولة صاحبة القوة والنفوذ، تضع إستراتيجياتها وبرامجها ومؤسساتها وأيديولوجيتها أو أيديولوجية قادتها موضع التنفيذ من أجل أن تنتج المجتمع الذي تريد ان يوجد. لا شك بأن المؤسسات التعليمية تأخذ على عاتقها هذه المهمة وذلك لما لها من تأثير، خاصة على الشريحة الشبابية الناشئة والمستهدفة، باعتبارها النواة الصلبة لأي مجتمع مستقبلي. إن تشكيل الهوية الشبابية هو تشكيل لهوية المجتمع بأسره. قد يكون للدولة تأثيرا بالغا في تشكيل الهوية السياسية، حيث ان لها نفس القدر من التأثير البالغ على تشكيل الهوية الثقافية من خلال الحيز العام الذي يعيشه فيه المجتمع العربي في إسرائيل. هذا الحيز الذي يحدد لجميع شرائح وفئات المجتمع جميع متطلبات الحياة بدءاً من الحاجة إلى الحراك الاجتماعي والاقتصادي وانتهاء بإمكانيات وأساليب قضاء أوقات الفراغ. ومع ذلك ندعي بان تشكيل الهوية ليس بالعملية التي تخضع لهوى الدولة والجماعات من خارج او من داخل المجموعة، وحتى الأفراد من داخل المجموعة لا يمكنهم ان يغيروها كلما رأوا ضرورة لذلك. فرغم ان "الهوية ليست معطاة وثابتة وإنما تبنى، إلا أن هذا البناء لا بد له من أن يستند إلى موروث ثقافي حضاري تاريخي مما يجعل الهويات تتمتع بنوع من الثبات، بحيث يمثل هذا الثبات عاملاً مؤسساً للتغيير المطلوب والمنشود.
نلخص مقالنا بالقول: بأنه وبرغم الواقع والذي يشير إلى عدم قدرة الجهاز على التعاطي مع الأهداف الثلاثة التي كنا قد اشرنا إليها، إلا أن هناك العديد من النجاحات على المستوى التحصيلي لأبناء المجتمع العربي الفلسطيني في البلاد. فقد استطاع البعض ورغم ما هو معروف من شح في الميزانيات والاستثمار من اختراق السقف الزجاجي (بل الفولاذي) والوصول إلى الحراك المهني والاقتصادي. إلا أن مثل هذه النجاحات تبقى فردية ويبقى مردودها على المستوى الفردي. لذا نتوقع من النموذج التعاضدي والتآزري الذي تحدثنا عن وجوب طرحه، ان يعمل على إيجاد الصيغة العملية في كيفية تحويل الطاقات البشرية الهائلة في مجتمعنا العربي الفلسطيني في إسرائيل إلى مورد اجتماعي ملكاً للجميع. من خلاله تتكون المجموعة القيمية الموجهة والداعمة للتوجه العلمي الذي يؤهل أبناءنا لمواكبة تطورهم ونموهم السليم وكذلك تفاعلهم مع الثقافة الإنسانية الكونية..