الحكم المحلي العربي: إلى أين ؟!
إن مما اتفق عليه أهل الاختصاص ، ووافق العقل والمنطق ، أنه بقدر ما ينجح المجتمع في تفعيل مركباته المختلفة ، واستخراج أقصى ما فيها من إمكانات وقدرات وطاقات ، ونَظْمِها في إطار يتسم بالانسجام والتكامل ، بقدر ما ينجح في تحقيق ذاته ، وهزيمة التحديات التي تواجهه ، وبلوغ أقصى غاياته ...
ما هي هذه المركبات التي نتحدث عنها ؟... يمكن الإشارة إلى أربعة أساسية : الأول – الجماهير ، الثاني – الحكم المحلي بما يمثله من بلديات ومجالس محلية معترف بها وتلك غير المعترف بها ، ثالثا - الأحزاب والحركات الفاعلة على الساحة بكل أطيافها وألوانها وأجنداتها ، والرابعة – منظمات المجتمع الأهلي الملتزمة ثوابت الأمة
ما من شك أن مجتمعنا العربي بكل مركباته يعاني التمييز القومي، والقهر العنصري منذ قيام الدولة وحتى الآن... فإن سَلَّمْنا بأن تَحَسُنّاً ما قد طرأ على مستوى حياة الأقلية العربية في البلاد ، فليس هذا بالتحسن الحقيقي ، وهو أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة المؤَسِّسَّةِ لتقدم جدي في مجالات الحياة المختلفة . مرجع ذلك إلى البنية الأيدلوجية للدولة والتي ترى في العرب تهديدا استراتيجيا ، يجعل من إمكانية تحقيق الذات أمرا شبه مستحيل ، سواء كان ذلك في المجال المدني / الحياتي / ألمطلبي ،لأن الدولة ترى في قوة المجتمع العربي في هذه المجالات تمهيدا للخروج عن الطوق بكل ما تعني الكلمة من معاني ، أو كان ذلك في المجال القومي السياسي ، والذي لا تطيق إسرائيل أن تسمع به ،ولذلك نراها في سباق محموم وعلى الدوام لفرض مزيد من القيود على المجتمع العربي حتى يظل مقطوعا من شجرة كما يقولون في المثل العامي ..
سنتناول في هذه الافتتاحية ملف الحكم المحلي والذي يعتبر وبامتياز أحد أخطر الملفات العربية ذات التأثير المباشر على مئة بالمائة من المواطنين العرب في إسرائيل ، والأداة التي من حق المجتمع العربي أن يصوغها بنفسه كل خمس سنوات بالشكل الذي يراه مناسبا خدمة لأهدافه الكبرى، في إطار انتخابات ديمقراطية نزيهة وسرية ، أو هكذا يجب أن تكون ولو حسب ما جاء في ( الكراريس ) على ذمة الرئيس الراحل صدام حسين ...
للحركة الإسلامية – والحمد لله – إرثها الذي لا يُنكَرْ في هذا المجال منذ أن خاضت الانتخابات للسلطات المحلية في العام 1983 في قرية كفر برا برئاسة فضيلة الشيخ كامل ريان ، وحتى اليوم ... لقد حققت الحركة الإسلامية نجاحات مميزة في الحكم المحلي ، وما تزال رغم كل الظروف ، مما جعلها واحدا من العناوين الأصيلة التي أيدتها نسب عالية من المصوتين في أكثر من مرة وفي أكثر من موقع ...
تجربة الحركة الإسلامية في هذا المجال أوصلتنا إلى قناعة نرى من الضروري أن نضعها بين يدي جماهيرنا وقياداتنا إذا كنا فعلا حريصين على حماية هذه المؤسسات الهامة ، والقلاع القومية والوطنية الخطيرة ... نعم الحكومة تتحمل المسؤولية الكبرى فيما آلت إليه سلطاتنا المحلية بسبب السياسة الظالمة ، والتقليصات المستمرة ، والتضييق المستديم وفي جميع المجالات الحياتية ... هذه حقيقة ... لكننا لا بد أن نصارح أنفسنا بان هنالك أيضا مسؤولية ذاتية ... مسؤولية المواطن ... مسؤولية الرئيس ... مسؤولية النخب ... ومسؤولية الهيئات التمثيلية العليا للجماهير العربية بلده.الك نقص خطير في كم الوعي لدى المواطن العربي تجاه بلده ... ضعف في الانتماء ينعكس في نسبة الجباية المتدنية في أغلب البلدات العربية ، في الوقت الذي يدفع فيه المواطن لكل الجهات ذات الصلة بحياته ما لم تكن بلديته أو مجلسه المحلي ، رغم ما يدعيه من ضيق ذات اليد ومحدودية الدخل وضعف القدرات المادية ، وينعكس كذلك في أعمال التخريب المستمرة للمرافق العامة ، وفي اتساع نطاق العنف الذي بدا يهدد امن الجميع ، إضافة إلى استفحال ثقافة الاتكال على البلدية والمجلس كما لو كانا هيئة تشغيل ، يجب عليها لاعتبارات في اغلبها غير عادلة وغير مقبولة قانونا أو عقلا ، تأمين العمل لكل من هب ودب ، لحاجة أو لغير حاجه ، بكفاءة أو بغيرها ...
من جهة أخرى نرى أن قسما لا بأس به من الرؤساء تحولوا إلى جزء من المشكلة المستعصية والمتفاقمة بسبب سياساتهم العمياء ، الخارجة من رحم الانتماءات العائلية أو حتى الحزبية ، والتي تجر وراءها في الغالب ممارسات تهد كيان السلطة المحلية الذي يعاني من ضعف أصلا ، بدل أن يكونوا أداة الحل وصمام الأمان !!!...
يبدو لي ، وحتى نستطيع أن نخرج من أزمة السلطات المحلية العربية التي توشك على الانهيار ، والتي بدأت تعطي أكلها المر في حل كثير من البلديات والمجالس العربية وتعيين مندوبين سامين يهود ، ليسوا في الحقيقة أكثر من معاول هدم ، ما استجلبهم أسيادهم إلا من اجل استكمال حلقات الحصار على ما تبقى من الأرض والمقدرات ، وإعادة هيكلة المجتمع العربي على عين زبانية الحكم العسكري ، وبذلك يجهضون الإنجاز الأكبر التي حققه مجتمعنا العربي بعد سنوات طويلة من النضال والجهاد المدني ، والذي دفع في سبيله ثمنا باهظا من دماء وعرق وحرية أبنائه وبناته وقطاعاته المختلفة وما يزال ، وهو التحرر إلى حد ما من قبضة السلطة المركزية من خلال انتخابات نختار فيها قياداتنا المحلية ، ونصوغ من خلالها صورتنا المدنية وهويتنا الدينية والقومية والوطنية ...
ليس أمامنا من أجل إنقاذ حكمنا المحلي إلا أن نؤمن جميعا جماهيرا وقيادات ، أن البلدية أو المجلس هي أحد قلاعنا الهامة ، إضافة إلى الأحزاب والحركات الفاعلة عل الساحة ، والتي تجسد حقنا في الاختيار الحر لقيادتنا ، والتي ستحمل بدورها همنا جميعا ، إن سقطت سيكون لهذا السقوط أثره المدمر بعيد المدى على قدرة هذه الجماهير على الصمود في وجه العواصف والرياح القواصف من التحديات ...
لا بد لنا جميعا كجماهير وكقيادات وكنخب من إعادة النظر في إرثنا السياسي المحلي بما يضمن تحقيق قفزة نوعية تضعنا في موقف أقوى في مواجهة سياسات الحكومة ووزاراتها المختلفة : قيادة مسئوله تعلن التزامها فقط للمصلحة العليا لمجموع السكان في كل مدينة وقرية ، جماهير تعتز بالانتماء لبلدها ، تعلن استعدادها بلا حدود لأداء ما عليها تجاه سلطتها دون تأخير ،وتؤمن بان السلطة المحلية لها لا عليها ، وإنها مستهدفة كما جماهيرها بل وأكثر ، إضافة إلى نخب تتجند هي أيضا من وراء مشروع إنقاذ شامل يضع الجميع على الطريق الصحيح ..
عندها سننجح في أن تكون يدنا هي العليا في المعركة مع الحكومات ، مهما كان الخلل في توازن القوى حاليا في صالح الحكومة ... سلطات تحظى بدعم وإسناد جماهيرها قولا وفعلا، ستحقق المراد بعز عزيز أو بذل ذليل...