رمضان وظواهر العنف المستفحل
من الظواهر الملفتة في شهر رمضان لهذا العام انه يدخل علينا ، بينما العنف بصوره المختلفة مستمر في فرضه لإيقاع حركة المجتمع وإلى حد بعيد ، رغم أن من أخص خصائص هذا الشهر انه شهر ترويض النفس وضبطها ، ولجم نزواتها وقهر شهواتها وترشيد رغباتها وتوجيه نزغاتها ، في خطوة مهمة نحو وضعها في سياقها الايجابي خدمة للذات والمجموع ... هذا الواقع المخالف لطبيعة الأشياء يدل على أحد أمرين أو عليهما معا ، الأول – جهل مطبق بطبيعة هذه الفريضة الجميلة وبغاياتها الجليلة في تهذيب سلوكيات الفرد والمجتمع ، والثاني – تمرد عارم وغاشم لشرائح مجتمعية اغلبها من الشباب ، استباحت كل محظور تعارف عليه المجتمع ، دينا كان أو عرفا أو تقليدا ، أو نظما اجتماعية فاضلة ورثناها أبا عن جد ، ما تزال تشكل المادة اللاصقة لقطاعات المجتمع المختلفة على اختلاف أطيافها وألوانها ، والضمانة للحصانة الذاتية في مواجهة الأخطار والتحديات ...
رأيت من المناسب التذكير هنا بان الله قد جعل من المعاني العظيمة لشهر رمضان المبارك والتي تربينا عليها منذ الصغر ، هو ذلك التصنيف الرائع للصيام ، والذي يعكس حالات متفاوتة لفهم المسلمين لطبيعة هذه الفريضة الخالدة من فرائض الإسلام ، وتذويتهم لأسرارها وأبعادها ، وهو الذي نحتاج إلى توعية الشباب به ، ولفت انتباههم إليه . فقد جعل الإسلام أعظم أنواع الصيام ما التقى فيه المعنى ( التقني ) ، وهو الإمساك عن المُفَطِّرات المحددة شرعا ، مع صيام الجوارح عن فعل المخالفات وعلى رأسها ( العنف ) ، وصيام القلب عما سوى الله ، والذي يعتبر الإسلام هدوء النفس والروح وصفائها وتألقها ، من التجليات الجليلة لهذه الفريضة العظمى ...
من متابعتنا لظواهر العنف في مجتمعنا، وجدنا أن مبتدأ الظاهرة فعل اللسان والذي أداته الكلمة... وقد قيل أن للكلمة خطرها، فما خُلِقَ اللسان ليكون أداة تدمير، وما خُلِقَتْ الكلمة لتكون مِعْوَلَ هدم... والمرء كما قيل في أمثال العرب بأصغريه : قلبه ولسانه ...
وعليه فقد لفت الإسلام الانتباه إلى أهمية اللسان والكلمة ، وحذر من مغبة الوقوع في حبائلهما والانجرار وراء سحرهما ، وقد جاء جواب الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم حاسما ردّا على سؤال معاذ بن جبل رضي الله عنه : " أنؤاخذ بما نقول ؟ فقال ( ثكلتك أمك يا ابن جبل ، وهل يكب الناس في النار يوم القيامة على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم !!! ) " ... وسأل عقبة ابن عامر فقال: " يا رسول الله ما النجاة ؟ قال : ( أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك . ) ...
المتأمل في أحوال مجتمعاتنا اليوم لا بد أن يلمس حقيقة ماثلة لا تُنْكَر ، وهي أن أكثر مشاكلنا وأزماتنا تنبع أساسا مما يمكن تسميته ( بالانفلات اللساني ) ، وهو أشد خطرا من ( الانفلات الأمني ) ، بل أكاد أجزم أن الأول هو مقدمة الثاني ، وأن الثاني هو الثمرة النكدة المترتبة على الأول ... من آفات اللسان المشتهرة بين الناس : فضول الكلام ، الخوض في الباطل ، ألمراء والجدال ، الفجور في الخصومة ، الفحش والسباب وبذاءة اللسان ، المزاح الفاحش ، السخرية والاستهزاء ، الكذب وإفشاء الأسرار ، خيانة العهد وعدم الوفاء بالوعد ، الغيبة ، النميمة ، النفاق ، المدح والقدح بغير الحق ، التحريض ، إشاعة الفاحشة ، الدعاية الكاذبة ، نشر الإشاعة ، المفاخرة الجوفاء ، إلى غير ذلك من الآفات التي يصعب إحصاؤها ويستعصى عَدُّها ، والتي امتدت لتشمل كل مجالات الحياة تقريبا ، كالعنف الذاتي والاجتماعي والسياسي والثقافي والاقتصادي وغيره , كما وتتجلى هذه المظاهر في شتى الأساليب .
كيف يمكن أن يكون الصيام سببا في تعزيز السلم الأهلي في المجتمع من خلال التخفيف إلى الحد الأدنى من ظاهرة العنف الكلامي ( عنف اللسان ) ، والذي لا يختلف اثنان على انه أصبح في هذه الأيام من الأسباب المباشرة لكثير من الكوارث التي اجتاحت مجتمعاتنا ، حتى كادت أن تهدها هَدّأ فتجعلها قاعا صفصفا لا ترى فيها عِوَجاً ولا أمْتا ؟؟!!! للإجابة على هذا السؤال يطالعنا مباشرة حديث الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، والذي حفظناه منذ الصغر حتى أصبح أنشودة رمضان بلا منازع... فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو قاتله، فليقل: إني صائم " متفق عليه... وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " رواه البخاري...
نعم ، إن من أهداف الصيام العظمى تدريب أفراد المجتمع ، كل أفراد المجتمع على ضبط النفس ، والتحكم بالمشاعر والعواطف ، والتسامي عن الصغائر ، والتحلي بأعظم الفضائل : الرحمة ، العفو ، المغفرة ، المسامحة ، الإيثار ، كظم الغيظ ، الإحسان لمن أساء ، الوصل لمن قطع ، العطاء لمن منع ، خفض الجناح ، التواضع ، الصبر ، الجود والكرم ، العفة ، إلى غير ذلك من الصفات الحميدة ...
( 2 ) سيناريو 1948 يهدد القدس من جديد...
المؤامرة ضد القدس والأقصى مستمرة ... السباق المحموم لاغتيالها إنسانا وأرضا ومقدسات تسير بوتيرة غير مسبوقة... إسرائيل ترفض وبعناد وبإصرار أن تكون ( القدس الموحدة ) جزءا من أية مشاورات تهدف إلى تجميد الاستيطان ولو ( مؤقتا!!! ) ... القدس بالنسبة لكل الحكومات الإسرائيلية بما فيها حكومة نتيناهو الحالية طبعا ، خارج نطاق لعبة المفاوضات ( الوهمية !!! ) حتى الآن ، وغدا أيضا ... قالها نتنياهو بملء فمه في لقائه مع جوردون براون رئيس الوزراء البريطاني : القدس الموحدة ليست مستوطنة !!!! ... الموقف الأمريكي هو هو ، فالمؤسسة الأمريكية أل - ( إستابلشمنت ) ستبقى هي صاحبة الصلاحية المطلقة في تحديد أولويات أمريكا ... إسرائيل ما زالت حتى اللحظة وللألف عام القادمة هي الأولوية الأولى بالنسبة للإدارات الأمريكية بما فيها إدارة الرئيس أوباما الحالية ، بينما العرب لا يحتلون مكانا في حسابات هذه الإدارات . ما نراه من علاقات خجولة مع الأنظمة العربية المسماة بالمعتدلة ، ليست أكثر من وجه مزيف وشاءه للعبة أمريكية هدفها خدمة منظومة المصالح الأمريكية والتي تحتل إسرائيل الصدارة فيها وبلا منازع ...
من هنا فنحن لا نتوقع من هذه الإدارة ، ولا من الحكومات الأوروبية أي موقف جاد يمكن أن يفرض على إسرائيل معادلات جريئة تضع منطقة الشرق الأوسط على سكة ما يسمى ( بالمصالحة التاريخية ) ، والتي تعني في حدها الأدنى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي ، والذي يعني الانسحاب الكامل حتى خطوط الرابع من حزيران 1967 بما في ذلك القدس ، وإقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة ، وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين ...
ستكتفي هذه الدول بعبارات ( الأسف ) على جرائم إسرائيل في القدس وفي كل أرجاء فلسطين ، في وقت لن تترد معه في استعمال القوة الغاشمة إذا ما هدد احدهم إسرائيل ... هذا ما حدث في كل حروب إسرائيل ضد العرب ... إسرائيل واعية تماما لهذه الحقيقة، ولذلك فهي ماضية في تنفيذ خططها الرامية إلى تشديد الخناق على القدس والضفة الغربية، وهي مطمئنة إلى أن أحدا لن يحاسبها على احتقارها للشرعية الأممية... إنها مطمئنة أيضا إلى أن العالم سيسلم بما تفرضه من أمر واقع وإن خالف القانون والقرارات الدولية، ولن يجد العرب مفرا من التسليم هم أيضا بذلك، على اعتبار إلا مجال لتغيير هذا الواقع...
الذي يخيفني في حالة القدس فوق ما ذكرت ، هو الذاكرة القصيرة للعرب ... من منا يذكر أن قرار التقسيم ( 181 ) عام 1947، قد حدد إقامة دولتين على أرض فلسطين، واحدة إسرائيلية على 51% من فلسطين، والأخرى عربية على 49 % منها، بينما تظل القدس تحت إدارة دولية... هذا هو القرار، ولكن ما هو الواقع الذي فرضته إسرائيل بقوة السلاح في حرب عام 1948 ؟؟!!.. نجحت إسرائيل في بسط نفوذها على 75% من مساحة فلسطين التاريخية بما في ذلك القدس الغربية، وبما يخالف القرار الدولي بنسبة 24%... من يتحدث اليوم من العرب عن هذه الحقيقة ، فالكل سلم لإسرائيل بما احتله بالقوة وإن كان مخالفا للشرعية الدولية ، فمن الذي سيضمن في ظل الزمن العربي الرديء الحالي ، أن يسلم العرب لإسرائيل بسيادتها على كل القدس بحكم الأمر الواقع فعلا وإن خالفوه قولا ، مقابل إذن إسرائيلي للمسلمين بالصلاة في الأقصى في سلام وأمان ؟؟!!
هذا هو الأمر المخيف الذي أراه يتحقق على الأرض، إن لم يتحرك العرب والمسلمون لإنقاذ القدس قبل فوات الأوان....