كل العربالنسخة الكاملة ↗
اخبار

الانتماء وأزمة البحث عن الهوية!

كل العرب · 17/06/2006 الساعة 13:35

من نوافل القول التأكيد على أن العرب الفلسطينيين الذين يعيشون في إسرائيل ما زالوا يتخبطون في مسائل المواطنة والهوية والانتماء. 58 عاما مرت على إقامة هذه الدولة وما زالت هذه الأقلية القومية تبحث عن تعريف نفسها من الناحية القومية والوطنية، نتحدث عن المواطنة الكاملة والمساواة التامة، ولكننا لا نفحص ونمحص تداعياتهما وأبعادهما. وما من شك أن الولوج في هذه القضية صعب وشائك ومعقد، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار انه في صفوف فلسطينيي الداخل هناك العديد من التيارات السياسية التي تفرز اجتهادات مختلفة تتعلق بمسالة علاقتنا مع الأكثرية اليهودية وتعاملنا مع الدولة، أو بالأحرى تعامل الدولة معنا.
نسوق هذا الكلام عشية افتتاح العاب المونديال في ألمانيا الأسبوع القادم. لا يخفى على احد ان أعلام الدول المشاركة في بطولة كاس العالم لكرة القدم ترفرف على البيوت في القرى والبلدات والمجمعات العربية من الشمال مرورا بالمثلث وانتهاء بالنقب، والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق: ما هو الدافع الذي يجعلنا نؤيد هذا المنتخب أو ذاك؟ هناك بطبيعة الحال أسباب رياضية بحتة، ولكننا نميل إلى الاعتقاد أن هذا التصرف الجماعي نابع من منطلقات سياسية، وقد يكون تعبيرا صادقا وحقيقيا وتجسيدا دقيقا للعلاقة المركبة بين إسرائيل و"ومواطنيها" العرب الفلسطينيين. على أية حال نرى انه من الضرورة بمكان التوقف عند عدد من النقاط المحورية في هذه القضية المركزية التي تلقي بظلالها على رؤيتنا القومية والوطنية:

أولا، على صناع القرار في هذه الدولة أن يوجهوا لأنفسهم سؤالا، طبعا إذا أرادوا: قبل عدة أسابيع أحيت إسرائيل استقلالها، لماذا حتى هذا اليوم ما زال "عرب إسرائيل" يعتبرون هذا اليوم يوم نكبة شعبهم؟ لماذا لا ترفرف أعلام "دولتنا" على شرفات بيوتنا؟. ما هي الأسباب والدوافع التي أدت إلى تأجيج العلاقة بين الفلسطينيين في الدولة وبين إسرائيل؟. لا شك لدينا أن حكومات إسرائيل المتعاقبة انتهجت سياسة مدروسة وخبيثة منذ العام 1948 والقاضية بتهميشنا والتعامل معنا على أننا مجموعة طوائف وقبائل وحمائل، وكنتيجة طبيعية لهذه السياسة البغيضة اتسعت الفجوة بيننا وبين إسرائيل، وباعتقادنا فإن هذه الفجوة آخذة بالاتساع يوما بعد يوم، وبالتالي لا يستغربن احد إذا وقعت المواجهة القادمة على نمط عدوان أكتوبر 2000 الذي راح ضحيته 13 شابا عربيا فلسطينيا برصاص قوات الأمن الإسرائيلية. نقول ذلك في ظل تنامي ظاهرة العنصرية المؤسساتية والشعبية في إسرائيل ضدنا والمطالبات المتكررة بطردنا من بلادنا، ونحن الأبناء الأصلانيين في هذا الوطن.

ثانيا، لست من عشاق لعبة كرة السلة، ولكن عندما يلعب فريق مكابي تل أبيب في بطولة أوروبا، فإنني لا اخفي بأنني أتابع المباريات على مضض، وأشجع بطريقتي الخاصة الفريق الخصم لمكابي تل أبيب، ولا يهمني إلى أية دولة ينتمي، المهم أنني بتصرفي هذا أرى نوعا من التحدي للدولة التي تضطهدني على مدار الساعة، وتعاملني بفوقية واستعلائية، ولا ضير في هذه العجالة أن أقول بأنني كنت في غاية السعادة عندما خسر الفريق الإسرائيلي أمام الفريق الروسي في المباراة النهائية الشهر الماضي.

ثالثا، قضية أعلام الدول التي ترفرف على المنازل العربية من الشمال إلى الجنوب هي ظاهرة طبيعية لأقلية تتواجد في وضع دفاع عن نفسها وكينونتها وصيرورتها. فالعلم الإسرائيلي لا يعني شيئا بالنسبة لنا والنشيد الوطني الإسرائيلي يتحدث عن اليهود، وبالتالي فإننا نبحث عن أعلام أخرى للتضامن معها بهدف التعبير عن رفضنا القاطع التماثل مع الدولة العبرية، التي تعمل بكل ما أوتيت به من قوة لتعزيز هذا الشعور لدينا.

رابعا، بشكل شخصي فانا أؤيد المنتخب الايطالي وأتمنى ان يفوز بكاس العالم في ألمانيا. لماذا؟ لأنني في العام 1982 عندما كنت طالبا في روما تابعت المباريات وتابعت أيضا العدوان السافر الذي تعرض له أبناء شعبي في المخيمات من قبل آلة الحرب الإسرائيلية وعملائها من الكتائب المسيحية اللبنانية. وفازت ايطاليا بكأس العالم وشعرت من حيث ادري أن هذا البلد تحول إلى موطني الثاني، ولم اشعر خلال خمس سنوات تواجدي هناك بأنني غريب، كما تحاول إسرائيل بأذرعها المختلفة أن تنمي لدي شعور الغربة والاغتراب في وطني.

خامسا، فلننطلق من أنني أيدت ايطاليا وما زلت لأنني درست فيها وعوملت من قبل مؤسساتها وشعبها بصورة حضارية، ولكن لماذا يقوم ابني في الثانية عشرة من عمره بتأييد ايطاليا؟ الجواب باعتقادي بسيط، فهو يسير على التربية التي تلقاها في البيت، وهذا يذكرني بأمر يغيظ الإسرائيليين جدا: عندما اجتاحوا لبنان بهمجية، كتب ضابط إسرائيلي رفيع المستوى من الناحية العسكرية، وليس من الناحية الأخلاقية، في مذكراته بأنه فوجئ عندما كان يسأل أطفال المخيمات من أين هم؟ فهذا كان يجيبه أنا من لوبية، والثاني من صفد، والثالث من اليازور، لان قوة الشعب العربي الفلسطيني في مسألة العودة تكمن في أن الوالدين اللذين شردا من وطنهما خلال النكبة يربيان أولادهما على الانتماء لوطنهم باعتبار أن مخيمات اللاجئين ستزول بعد عودة المهجرين إلى أراضيهم.

سادسا، يتحتم علينا أن نتحدث بصراحة في زمن المحاسبة والمكاشفة والمساءلة: حتى لو شاركت إسرائيل في مباريات كاس العالم، فإننا كنا سنتصرف على شاكلة تشجيعنا لخصوم مكابي تل ابيب، لأننا لا نشعر بأي انتماء لهذه الدولة، ولذلك فانه من الطبيعي أن نشجع المنتخبات التي تلعب ضد إسرائيل، وهذا الأمر يحتم على الحكومة الإسرائيلية دراسته بشكل معمق وعدم استغلاله لتأليب الرأي العام الإسرائيلي ضدنا.

سابعا، والشيء بالشيء يذكر: لماذا لا نؤيد منتخب العربية السعودية أو تونس، ونحن نؤمن بمبادئ القومية العربية؟ الجواب نابع من إيماننا المطلق بان المملكة السعودية هي دولة شمولية وديكتاتورية تعمل ضد مصالح الأمتين العربية والإسلامية بأوامر صادرة مباشرة من قبل الإدارة الأمريكية. بالنسبة لتونس، فكيف يمكن أن نؤيد منتخب هذه الدولة التي تستقبل حكام إسرائيل على أراضيها وتقوم بقمع أية مظاهرة ضد التطبيع مع اسرائيل، أو مظاهرة ضد سياسة كم الأفواه المتبعة في جميع الدول العربية بدون استثناء.

واتساب فيسبوك تيليجرام
اقرأ الخبر كاملًا على الموقع