الذاكرة الفحماوية بلسان الحاج رمزي
عندما تجلس في حضرته، يسلبك بسرعة البرق، يحملك ويطير بك ليضعك أينما يريد، في الزمان والمكان الذي يقرره، تكتشف منذ الوهلة الأولى انك أمام مخزون هائل من المعرفة، عجزت السنون التي غيّرت الملامح وأثرت في سمعه وبصره وحركته، عن أن تنال من ذاكرته، بل تأبى الذاكرة مفارقته وكأنها لا تأتمن غيره على ميراثها وروايتها.
إنه العم أبو فاروق - الحاج رمزي حسين الحج داهود - من أم الفحم، عمره( 82 عاما )،" كما يحب أن يؤكد"- بسبب صعوبة توثيق التواريخ الفعلية للميلاد في تلك الفترة -.ومناسبة حديثنا، إن العم "أبو فاروق" قدّم ما يستحق أن يسمى شهادته على العصر الفحماوي منذ المرحلة العثمانية وحتى نهاية الانتداب البريطاني لفلسطين، وهذه الشهادة ينتظر أن ترى النور قريبا في كتاب جامع لم يغفل شاردة ولا واردة عن أم الفحم وكل ما انتسب إليها.
عندما زرناه في بيته الكائن في حي الخضور في حارة المحاميد للحديث عن الكتاب، استحوذ العم أبو فاروق على عقولنا وقلوبنا، فهو وبكل ما تحمله الكلمة من معنى موسوعة تدب على الأرض، عشق القراءة منذ الصغر، فحفظ عن ظهر قلب آلاف الأبيات من الشعر، للمتنبي وكثير عزة وجميل بثينة وحافظ ابراهيم وشوقي وغيرهم الكثير، أما عن إطلاعه ومدارسته لباقي العلوم، كعلوم القرآن والتفسير والتاريخ، فتجده يتحدث عن تفسير القرطبي وطريقته التي اعتمدها بالتفسير بكل ثقة ومسؤولية، ويحدثك عن صاحب كتاب الأغاني كمن عايشه وشهد حكاياته وتراجمه في الأعلام، وهكذا في حديثه عن الجاحظ وكتبه، ومصطفى مراد الدباغ وموسوعته "بلادنا فلسطين"، باختصار، تجد العم الكاتب أبو فاروق يجمع في ذاكرته كنزا علميا شاملا للقديم والحديث من الكتب. عن سر هذه المعرفة وإحاطته بهذا الكم الغزير من العلوم يقول:"ترعرعت في بيئة حرصت على تربيتي التربية السليمة، فوالدي هو المرحوم حسين الحج داهود وكان عمدة أم الفحم في مطلع الثلاثينات من القرن الماضي، وقد تعهدني بالرعاية، وعمل على ترغيبي بالقراءة والمطالعة، ورغم أنني درست حتى الخامس الابتدائي وفي مرحلة لاحقة درست على يد أحد المشايخ - حيث انصرفت إلى الاشتغال بالتجارة مع والدي - لكن ذلك زاد من شغفي وحبي للمطالعة والقراءة، كما ساهمت مجالستي لأصدقاء والدي من شتى البلدان بإثراء ثقافتي وتطويرها".
بدأ أبو فاروق قبل أكثر من 20 عاما بنبش الذاكرة الفحماوية، فعمد إلى توثيق وتسجيل كل مخزونه المعرفي الذي تراكم عنده على مدار السنين: "اعتمدت على عناصر مختلفة أهمها المشاهدة الحية والرواية التاريخية الشعبية التي نقلتها عن الآباء والأجداد، بالإضافة إلى اعتمادي على المصادر التاريخية في الكتب التي تناولت تاريخ فلسطين وتطرقت بطبيعة الحال إلى تاريخ أم الفحم وقراها".
هذه هي إذا، أدواته وطريقته في التأسيس لمشرع كتابه عن أم الفحم، وكأنه خاض غمار التعليم الأكاديمي، مستفيدا من كل الآليات المعتمدة في كتابة البحث العلمي والرواية التاريخية، ما يجعلك تحترم عبقريته وتدرك أنك بصدد رجل غير عادي من حيث قدراته الإبداعية الفائقة.
كما أسلفنا، فالشهادة الموثقة للعصر الفحماوي التي يرويها "أبو فاروق" لم تترك "شاردة أو واردة " عن أم الفحم أو كما يخبرنا :"يتحدث الكتاب عن أم الفحم بأهلها، عاداتهم وتقاليدهم، أفراحهم وأحزانهم، الحكايات المفيدة والضارة، وهذا كله في مرحلة تمتد من أواخر العهد العثماني حتى أواخر الانتداب البريطاني في فلسطين، فهو تاريخ موثق ليس لام الفحم وحدها بل لكل القرى المحيطة والتي لا يمكن فصلها وجدانيا أو جغرافيا عن أم الفحم، فالفحماوي في الكتاب هو كل من له صلة الانتساب إلى أم الفحم والقرى المحيطة من اللجون وزلفة شمالا إلى معاوية البطيمات والبويشات غربا ومرورا بمشيرفة ومصمص وحتى طيبة أم الفحم شرقا".
قرأوا الكتاب وكتبوا عنه
كما أشرنا، فالكتاب الجامع لأخبار أم الفحم وذاكرتها، للكاتب الجليل رمزي حسين الحج داهود، سيرى النور قريبا، لكنه وجد طريقه قبل ذلك، إلى أيدي عدد من الباحثين والمطلعين الذين سمعوا به ووصلتهم أخباره، فعمد عدد منهم إلى المساهمة في تجميعه وتبويبه، وأشاد آخرون بالكتاب بعد أن قرؤوه، فضمّنوه ملاحظاتهم المكتوبة، يقول الدكتور محمود مصالحة من دبورية في تعقيبه على الكتاب: "الكتاب عبارة عن توثيق لصفحات رائعة من حياة الشعب الفلسطيني، كتب بطريقة علمية وموضوعية، صريحة وواضحة، ليكون رائدا في هذا المجال وصادقا لكل من ينشد الحرية ويعشق الكلمة النقية، لقد جاء التاريخ ليعانق الحياة الاجتماعية والسياسية والنضالية للأهل في أم الفحم على مر الأيام".
يتابع الدكتور مصالحة: "أبو فاروق هو الشاهد على العصرن ويساهم شيخنا الجليل في إثراء الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية في فلسطين عامة وفي أم الفحم خاصة، وبهذا يشترك في معركة الثقافة لكي تتلاحم الجهود لتغيير خارطة الوجود في النظام العالمي الجديد".
أما الدكتور حاتم محمد محاميد - محاضر في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة بئر السبع - فكتب: "عندما أطلعني العم رمزي على أوراق هذا الكتاب، وأخذت في تصفح موضوعاته، دهشت من الكم الهائل للتفاصيل التي تحويها هذه الأوراق ومدى أهميتها، ورأيت المؤلف يجمع الموضوعات من حيث الأحداث والعادات والتقاليد والتراث، وخلال ذلك نرى تأثير الحياة الاجتماعية والسكانية، والاقتصادية وغيرها من الأحداث قد صقلت أم الفحم بطابعها الخاص والمميز، وهذا ما يستعرضه الكاتب من خلال عرضه للعادات والتقاليد الفحماوية، ويجعل هذا الكتاب ذا صبغة مميّزة عمّا صدر من انتاجات مماثلة عن القرى والبلدات الفلسطينية".
الشيخ هاشم عبد الرحمن - رئيس بلدية أم الفحم، اطلع بدوره على الكتاب، مشيدا بكاتبه العم "أبو فاروق" وأشار إلى القيمة العظيمة لهذا الإنتاج وتوثيقه الرائع للأحداث التي مرت بها أم الفحم، وانه يستحق فعلا أن يكون رواية ام الفحم التاريخية لتلك المرحلة التي يستعرضها, وأضاف الشيخ هاشم: "إن هذا الكتاب شاهد على تاريخ أم الفحم المشرف، وقد استوقفتني محطات كثيرة من هذا الإنتاج، كان أبرزها وأكثرها تأثيرا الرواية، التي تتحدث عن زيارة القائد العسكري العراقي, فوزي القاوقجي إلى منطقة المعلقة في أم الفحم، ويصف العم "أبو فاروق" كيف جاءت النساء بالطعام، وشاهد الرجال وهم يأتون بالمئات ليتبرعوا بالمال والسلاح من اجل الانضمام إلى معركة الدفاع عن أرضهم ووطنهم، حينها قال القائد فوزي قاوقجي، هذه هي أم الفحم، ام الخير، أم العطاء " وتابع الشيخ هاشم: "إن الكلمات تعجز عن التعبير عن سعادتي وشكري للعم "أبو فاروق" الذي وضع ثقته وكنزه الثمين بين يدي، حيث قال لي: "إني أضع بين يديك هذا الكتاب الذي هو أثمن وأعز ما عندي، وأنت المسؤول عن كل شيء فيه وافعل به ما تشاء" وهذه أمانة أعتز بها وأسأل الله أن يصدر هذا الكتاب قريبا، ليكون شاهدا على العصر، لرجل كان يخبيء على مدار السنين هذا الكنز الثمين الذي لم يسبقه إليه أحد، وكم كانت المفاجأة الطيبة وأنا اقرأ وأتصفح هذا الكتاب، رصانة الكلمات وفصاحة اللغة وبلاغتها، فلم يكن العم "أبو فاروق" مؤرخا فقط، بل كان أديبا وبليغا ومفكرا ومعلما".
لم نشأ المغادرة
لما تشرفنا بزيارة كاتبنا العم "أبو فاروق" لم نشأ أن نغادر لسببين، أولا كون مضيفنا قد غمرنا بضيافته وكرمه، وثانيا، لما وقعت العيون على الكتاب وبعض أوراقه، تلك التي تتحدث عن أبطال الثورة الفحماويين وغيرهم من أنحاء البلاد، فكيف نغادر!! أو عندما قرأنا بعض الأشعار الشعبية والزجليات التي تحكي وجع الفلسطيني وألمه لما غادر أرضه إبان النكبة، كيف نترك مضيفنا وكتابه عندما يستعرض تاريخ العائلات الفحماوية وبطونها بأسلوب متماسك في الشكل والمضمون، ونحن على ثقة أن القارئ العزيز عندما يقتني نسخته من الكتاب ويتصفح محطاته، لن يرغب كذلك في مغادرته وطيّه وسيكتشف انه ملتصق به فيلتمس لنا العذر لأننا لم نشأ مغادرة بيت العم "أبو فاروق".