نعم، كفى للقسام
في خطوة نادرة للغاية هاجم قبل عدة أيام الدكتور احمد يوسف، المستشار السياسي لرئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية، ظاهرة إطلاق الصواريخ من جانب المقاومة الفلسطينية باتجاه جنوب الدولة العبرية.
وقال الدكتور يوسف، وهو من قياديي حركة حماس في مقابلة مع القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي إنّ القسام لا يجدي نفعا، وعلى المقاومين الفلسطينيين الكف عن إطلاقه.
وأضاف يوسف، الذي كان يتحدث لمراسل التلفزيون من احد البيوت التي اختبأ فيها خشية استهدافه من جانب جيش الاحتلال، إنّ على الفلسطينيين أن يكونوا واقعيين وأن يفهموا معادلة القوة بينهم وبين إسرائيل وجيش احتلالها. وتابع قائلا إنّ صواريخ القسام التي أُطلقت باتجاه جنوب إسرائيل أدت إلى مقتل إسرائيليين، بينما انضم إلى قافلة شهداء فلسطين جراء القصف الإسرائيلي المكثف على قطاع غزة أكثر من 65 شهيداً.
وزاد المستشار يوسف أنّه لا يمكن المقارنة بين العصا والسيف، فنحن نحمل العصا، والإسرائيليون يحملون السيف، ونحن نعلم أنّ إسرائيل تتفوق علينا من ناحية الأسلحة ومن ناحية التطور التكنولوجي، لأنها دولة تملك الكثير مما لا نملكه نحن، أبناء الشعب العربي الفلسطيني .
وشدد في سياق حديثه على أنّ صواريخ القسام التي تُطلقها المقاومة الفلسطينية هي عبارة عن إشارات لا أكثر ولا أقل لإسرائيل، لكي تقوم بشن العدوان تلو العدوان على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وفي الضفة الغربية المحتلة، على الرغم من أننا، نحن مشاريع شهادة، إلا أنّه يتحتم علينا فهم الواقع الذي نعيش فيه والتصرف بحكمة وبحنكة، وعاد وكرر في نهاية اللقاء المتلفز أنّ صواريخ القسام ما هي إلا مفرقعات نارية ليس إلاّ.
لا يساورنا أدنى شك في هذه العجالة أنّ تصريحات الدكتور يوسف غير المألوفة لم تأت في فراغ ولا تدور في فراغ، وأنها أٌطلقت بموافقة رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية، وباقي أعضاء القيادة السياسية لحماس في قطاع غزة. علاوة على ذلك، من اللافت في هذه الأقوال أنّ المستشار عاد وأكد رفضه للقسام دون أن يضع شروطاً للاحتلال الإسرائيلي بوقف العدوان الشرس على أهلنا المحاصرين في قطاع غزة. من هنا يمكننا أن نصل إلى النتيجة شبه الحتمية أنّ داخل حماس توجد اصطفافات جديدة، ويلاحظ التحول في المواقف إزاء ظاهرة القسام وتبعاتها وتداعياتها وإرهاصاتها. إنّ المستشار كغيره من أبناء الشعب العربي الفلسطيني ذوت الحقيقة المرة أنّ القسام لا يجدي نفعا، بل بالعكس يجيء بالنتائج السلبية على الفلسطينيين، ويقضي على كل إمكانية للبدء في ما يُسمى العملية السلمية بين إسرائيل والفلسطينيين.
ولكن من ناحية أخرى، من الصعب إن لم يكن مستحيلاً التحرر من الانطباع أنّ أقوال المستشار أنفة الذكر لم تلق أذاناً صاغية بسبب حالة الفتان الأمني التي تسود القطاع. حركتا فتح وحماس والفصائل الفلسطينية الأخرى حوّلت قطاع غزة إلى مدينة أشباح، السكان يختبئون في بيوتهم ويخشون على أرواحهم ليس فقط من الاحتلال، إلا من ظاهرة المسلحين الفلسطينيين الذين يسيطرون عملياً على مجريات الأمور في غزة هاشم. المواجهات الدموية بين مسلحي فتح من جهة وبين مسلحي حماس من الجهة الأخرى، تجاوزت جميع الخطوط الحمراء، وباتت مقولة حرمة الدم الفلسطيني في خبر كان. هذه المواجهات غير المبررة تثير في نفوس السواد الأعظم من الفلسطينيين الاشمئزاز والامتعاض الشديدين، لان فصائل مقاومة الاحتلال لا تتصرف بهذا الشكل المخزي، وأيضاً اتهام الاحتلال بأنه المسؤول الأول والأخير عن الاقتتال الداخلي بات غير مقنعاً.
ولكن أكثر ما يُقلق في الساحة الفلسطينية هو أنّ الأجنحة المسلحة للفصائل المختلفة باتت تسيطر على الأمور، ولا نبالغ إذا قلنا أنها أصبحت تُحدد الاجندة السياسية، وليس سراً أنّ هذه الحالة خطيرة للغاية، إذ أنه من غير المعقول أن تكون البندقية هي التي تُقرر، في حين يرفض المسلحون الانصياع إلى قرارات المستوى السياسي في السلطة الوطنية الفلسطينية. هذا الوضع غير الصحي باعتقادي المتواضع سيستمر، وفي هذه الحالة لا يستغربن احد أن يجد الشعب العربي الفلسطيني نفسه معزولاً في الحلبة الدولية، حتى من الدول العربية المؤازرة لقضيته العادلة، ناهيك عن أنّ العداء الإسرائيلي والأمريكي والأوروبي للفلسطينيين سيتأجج.
وهناك قضية أخرى يجب أن نطرحها بشفافية وبمسؤولية وطنية: حركة المقاومة الإسلامية (حماس) شاركت في شباط (فبراير) من العام الماضي في الانتخابات التي جرت للمجلس التشريعي الفلسطيني، والكل يعرف أنّ هذه الانتخابات هي من إفرازات اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في العام 1993، وبالتالي يحق لنا أن نسأل بصوت مرتفع: كيف تُشارك حماس في الانتخابات الاوسلوية من ناحية، ومن الناحية الثانية تُعلن أنها ترفض هذا الاتفاق. باعتقادنا أنّ حماس في هذا الموقف وقعت في الفخ الذي نٌصب لها، وباتت انتهازية فيما يتعلق بأوسلو ونتائجه.
خلاصة القول: المقاومة الفلسطينية بدأت بإطلاق صواريخ القسام البدائية على جنوب إسرائيل قبل حوالي ست سنوات، والمؤسف انه عندما يسمعون في الغرب أنّ جنوب إسرائيل تعرض لقصف صاروخي يعتقدون أنّ الحديث يدور عن صواريخ غير تقليدية.
من هنا نناشد إخوتنا في القطاع أن يتوقفوا فوراً عن إطلاق القسام باتجاه إسرائيل، ولا نعتقد أنّ هناك حاجة للسفر إلى القاهرة لعقد الاجتماعات بين الفصائل للوصول إلى التهدئة مع الاحتلال. القرار يجب أن يكون فلسطينياً خالصاً، بدون تدخل المصريين أو أطراف أخرى. هذا الوضع، أي إطلاق القسام ومنح إسرائيل الذريعة لكي تواصل جرائمها ضد شعبنا في القطاع والضفة الغربية المحتلة لا يمكن أن يستمر، فمن غير المعقول أن لا يجد السكان الأكل في غزة، وصواريخ القسام تٌطلق باتجاه جنوب إسرائيل.