في ظل المزاجية المفتعلة والإنتقاء
1- بتاريخ 29/5/2006م سيمثل الأستاذ محيي الدين خلايلة من مجد الكروم صباحا أمام قاضي محكمة الصلح في مدينة عكا !! لماذا؟! لأنه متهم أنه قد زار سورية قبل سنوات معدودات وكان قد حشد لهذه الزيارة مجموعة من الفتية الطلاب والطالبات من وسطنا العربي الفلسطيني في الداخل !! ولأنه قام بهذه الزيارة العلنية المكشوفة فهو الآن سيقف متهما أمام قاضي محكمة الصلح !! ولأنه قام بحشد هذه المجموعة من الفتية فسيقف متهما امام قاضي محكمة الصلح !! والعجب العجب بل كل العجب في هذا الموقف المبهم والغامض من قبل المؤسسة الاسرائيلية تجاه الأستاذ محيي الدين خلايلة !!
2- فهو انسان قد زار سورية أكثر من مرة قبل هذه الزيارة التي أثارت حفيظة المؤسسة الاسرائيلية ، وقبل كل تلك الزيارات وبعدها لم يسأله أي مسؤول رسمي ولم تبادر المؤسسة الاسرائيلية الى محاكمته ، والسؤال الذي يُسأل لماذا الآن قررت المؤسسة الاسرائيلية محاكمته بعد هذه الزيارة ؟! ثم ماذا ؟! من المعروف أن الاستاذ محيي الدين خلايلة كان ممن أشرف على تنظيم الزيارة المشهورة التي ضمت عددا كبيرا من وسطنا العربي الفلسطيني في الداخل والتي كانت خلال فترة الرئيس الراحل حافظ الأسد والتي ضمت من ضمن ما ضمت قيادات سياسية ودينية واعضاء كنيست ورؤساء سلطات محلية ، وبطبيعة الحال كان الأستاذ محيي الدين من ضمن ذاك الوفد الكبير !! إلا انه وبعد تلك الزيارة المشهورة لم يسأله أي مسؤول رسمي ولم تبادر المؤسسة الاسرائيلية الى محاكمته ، والسؤال الذي يعود على نفسه لماذا الآن قررت المؤسسة الاسرائيلية محاكمته بعد هذه الزيارة التي حشد لها تلك المجموعة من الفتية ؟! واذا كان لهذه الزيارة وقع الصاعقة على المؤسسة الاسرائيلية فلماذا لم تمنعه اصلا ولماذا لم تمنع تلك المجموعة من الفتية أصلا من القيام بتلك الزيارة ؟!
3- نعم انها اسئلة كثيرة بلا جواب ومما يزيد من عدد هذه الأسئلة ان هناك الكثير من مجتمعنا العربي الفلسطيني في الداخل قد زاروا سورية قبل الأستاذ محيي الدين خلايلة وبعده وظلت الأمور عادية ولم يقدم أحد الى محاكمة فلماذا يقدم الاستاذ محيي الدين خلايلة لوحده الى محاكمة على ضوء زيارة قام بها البعض عشرات المرات ولم يحاكموا وقام بها البعض قبل أشهر معدودات ولم يحاكموا ؟! وبطبيعة الحال حاشا لله تعالى ان أطرح هذه الأسئلة وكأني أطالب بمحاكمة الآخرين ، بل أطرح هذه الأسئلة كي أثبت ان هناك مزاجية مصطنعة في محاكمة الاستاذ محيي الدين خلايلة !! نعم هناك مزاجية إنتقائية لدى المؤسسة الاسرائيلية دفعتها ان تنفرد به لوحده وان تحاكمه وحده دون سائر مجتمعنا العربي الفلسطيني في الداخل !!
4- فلا أدري هل المؤسسة الاسرائيلية قد استفزها في هذه الزيارة تحديدا وجود هذه المجموعة من الفتية ولذلك ارادت ان تمنع تكرار مثل هذه الزيارة بهذه النوعية من الفتية فبادرت الى محاكمة الاستاذ محيي الدين خلايلة ؟! ام ان المؤسسة الاسرائيلية تريد أن تقول لنا من خلال هذه المحاكمة ان كل من زار سورية منا فهو متهم وانه قابل ان يحاكم في كل لحظة إذا ما رغبت المؤسسة الاسرائيلية ان تحاكمه ؟! ام ان المؤسسة الاسرائيلية تريد ان تقول لنا من خلال هذه المحاكمة ان بيدها الأمر كله وانها تحاكم من تشاء وتعفو عمن تشاء ، وتقيد من تشاء وتتغافل عمن تشاء ، وتحاصر من تشاء وتلقي الحبل على غاربه لمن تشاء ؟! ام ان وراء الأكمة من المفاجآت غير السارة ما وراءها ونحن لا ندري عنها شيئا ؟!
5- لذلك لا أتردد ان أقول ان ما يدور حول هذه المحاكمة مجرد مهزلة بكل ما تعني الكلمة من معنى ، وان ما يدور حول هذه المحاكمة يضيف لنا شاهدا آخر أننا كنا وما زلنا مطاردين من قبل المؤسسة الاسرائيلية في كل حركاتنا وسكناتنا !! وأننا في الأصل متهمون حتى تثبت براءتنا وهيهات هيهات ان نُثبت براءتنا امام المؤسسة الاسرائيلية إذا ما خطر على بالها ان تحاكم واحدا منا !! وما أسهل عليها ان تفتعل أسباب المحاكمة !! وما أسهل عليها أن تنسج تهمة مزاجية من لا شيء !! وما أسهل عليها أن تنفخ في هذه التهمة وأن تضخمها لدرجة ان المراقب لهذه التهمة يظن ان السلام العالمي مربوطة امكانية تحققه بمدى نجاح المؤسسة الاسرائيلية في اثبات هذه التهمة المزاجية المفتعلة او تلك ، وما ملف رهائن الأقصى عنا ببعيد !!ثم ما أسهل على المؤسسة أن تلبس كل هذه السلوكيات المزاجية والمفتعلة لباس القانون وان تخرجها في مشهدها الاخير باسم المحاكم وسيادة القضاء .
6- ومن الواضح أن نتيجة كل ذلك هو شرعنة للظلم ، وهذا ليس بالجديد على المؤسسة الاسرائيلية ، فهي التي شرعنت ظلمنا يوم أن امتدت بنادق الجيش علينا خلال هبة القدس والأقصى وقتلت منا ثلاثة عشر شهيدا !! وحتى هذه اللحظات لم تقم المؤسسة الاسرائيلية بمحاكمة واحد من كل أولئك القتلة ، رغم أن منهم من اعترف بعظمة لسانه ، ورغم ان منهم من اجتمعت على ادانته الأدلة الدامغة ، إلا ان كل ذلك ذهب مع الريح في حسابات المؤسسة الاسرائيلية لا بل ان البعض منهم قد تمت ترقيته بعد ان كان في دائرة الشبهات والمساءلة ولكن ضاع كل شيء وكأن قتلنا لا يعتبر قتلا في عيون المؤسسة الاسرائيلية ، وكأن إراقة دمائنا هي من قبيل إراقة المياه ليس إلا ، ثم ماذا ؟! يأتي ملف الأستاذ محيي الدين خلايلة ليميط اللثام من جديد عن قبح هذا الظلم الكالح والاستهتار الاستعلائي بنا .
7- ولذلك ليس غريبا أن تتراكم هذه الشواهد التي يقوي بعضها بعضا في سجلات الظلم الرسمي الذي باتت تمارسه بعض أذرع المؤسسة الاسرائيلية باسم القانون ، وها هي قصة ذاك التنظيم الأرهابي اليهودي شاهد من بين هذه السجلات السوداء التي تحفظ كل هذه الشواهد ، فهو تنظيم ارهابي يهودي قام بقتل طالبين من جامعة الخليل وقام بجرح العشرات من الطلاب في تلك الجامعة ، ثم قام هذا التنظيم بتفخيخ سيارات رؤساء البلديات في الضفة الغربية فانفجرت بأولئك الرؤساء وألحقت بهم الجراح البالغة ، وفي نفس الوقت سعى هذا التنظيم لتفجير قبة الصخرة المشرفة وتفجير حافلات تقل مسافرين من شعبنا الفلسطيني ، ولكن تم كشف امرهم واعتقالهم ، وبعد الإعتقال حُكم على ثلاثة منهم من أصل أحد عشر معتقلا بالسجن المؤبد ، وحكم على كل واحد من البقية بالسجن لمدة سبعة أعوام ، ثم تعرضت أحكامهم للتخفيف ثلاث مرات ، ثم تم اطلاق سراحهم كلهم بعد مرور أقل من سبعة أعوام !! وها هي قصة المدعو (دفيد شيمون) شاهد آخر ، فهو الذي أطلق صاروخ (لاو) على حافلة تقل مسافرين من شعبنا الفلسطيني فقتل أحد المسافرين وجرح العشرات ، ثم حكم بالسجن المؤبد إلا ان حكمه تعرض للتخفيض أكثر من مرة وتم اطلاق سراحه بعد مرور أحد عشر عاما على سجنه !! وها هي قصة المدعو ( ناحشون فالس) شاهد آخر ، فهو الذي قتل امرأة عربية فلسطينية وهي حامل ، ثم حكم بالسجن المؤبد ، ثم تم تخفيض حكمه من مؤبد الى ثلاثة عشر عاما ، ثم تم اطلاق سراحه قبل انتهاء هذه المدة !! وها هو ملف الاستاذ محيي الدين خلايلة يأتي ليميط اللثام من جديد عن هذه المزاجية المتلونة التي جعلت ثمن دمائنا وثمن التراب سواء !! وهي نفس هذه المزاجية الإنتقائية التي اختارت اليوم الأستاذ محيي الدين من بين عشرات الآلاف الذين زاروا سورية لتقوم بتقديمه للقضاء خلال الايام القريبة القادمة !!
8- وها هو المدعو منير عفروني قتل رجلا عربيا فلسطينيا ثم حُكم بالسجن المؤبد ، ثم تم تخفيض حكمه من مؤبد الى خمسة عشر عاما ثم تم اطلاق سراحه قبل هذه المدة !! وها هو المدعو إيلين جوتمن اقتحم المسجد الأقصى وقام بقتل وجرح العشرات من المصلين ، ثم حُكم بالسجن المؤبد ، ثم تم تخفيض حكمه من مؤبد الى اربعة وعشرين عاما ، ثم تم اطلاق سراحه بعد مضي أربعة عشر عاما على سجنه فقط!! وها هو المدعو داني أيزن وميخال هلل وجالي فوكس قاموا بقتل رجل عربي فلسطيني ثم حكموا بالسجن المؤبد ثم تم اطلاق سراحهم قبل مرور عشرة أعوام على سجنهم !! وها هي مجموعة القاصرين من تنظيم كهانا ألقوا قنبلة وقتلوا رجلا عربيا فلسطينيا وجرحوا سبعة آخرين فحوكموا بفترات تتراوح ما بين ثماني سنوات الى خمسة عشر عاما إلا أنه قد تم اطلاق سراحهم جميعا بعد مرور اقل من أربعة أعوام !! وها هو المدعو يورم شكولنيك قام بقتل رجل عربي فلسطيني وهو مقيد ثم حُكم بالسجن المؤبد ، ثم تم تخفيض حكمه مرتين ثم تم اطلاق سراحه قبل مرور سبعة اعوام على سجنه ، ها هي كل هذه الشواهد تخلع القناع عن وجوه كل من يتشدقون بالحديث عن سيادة القانون وتظهرها على حقيقتها من خلال ممارستها التي طبطبت على ظهر من أزهقوا أرواحنا واستباحوا دماءنا لدرجة ان هذه الوجوه ولولا الحياء لكادت ان تمنح أولئك القتلة أوسمة الشرف الفخرية الرفيعة !! وفي هذا السياق يدخل ملف الاستاذ محي الدين ويسلط الضوء على نفس هذه الوجوه المقنعة بقناع الحديث عن سيادة القانون .
9- وفي مقابل كل هذه الشواهد الرديئة والمؤذية فإن هذه المزاجية المتلونة والانتقائية هي التي لا تزال تذيق أسرانا اسرى الحرية ما يُخفي صدورها من اصرار على فرض المحكوميات بالسجن المؤبد لمرة ومرتين ومرات على أسرانا دون أدنى استعداد لاعادة النظر في احكامهم اطلاقا مهما طالت الأيام ومهما تغيرت الظروف !! لدرجة أن هذه المزاجية المتلونة والإنتقائية هي التي حرمت على المتفاوضين عشية التوقيع على وثيقة اوسلو مجرد الحديث عن اسرانا اسرى الحرية من الداخل الفلسطيني وظلوا في دائرة المستقبل المجهول !! ولدرجة أن هذه المزاجية المتلونة والانتقائية هي التي رفضت بشدة الموافقة على ادراج ولو اسم واحد من اسرانا اسرى الحرية من الداخل الفلسطيني عند عقد صفقة التبادل مع حزب الله !! وهذا يعني ان مساحة امتداد هذه المزاجية المتلونة والانتقائية واسعة جدا لدرجة أنه قد يخيل للواحد منا انها بلا حدود ، فهي التي جعلت قيمة دمائنا وقيمة التراب سواء وقامت بالافراج عن كل قتلتنا من أعضاء التنظيمات الارهابية اليهودية المختلفة !! وهي التي قد صممت على ترك اسرانا اسرى الحرية خلف القضبان وان بلغوا سن الشيخوخة وما بعد سن الشيخوخة وبلغوا من العمر عتيا !! وهي التي قد صممت ان تتنكر لكل حقوق اسرانا اسرى الحرية التي تحفظها لهم كل المواثيق الدولية العادلة كسجناء سياسيين وكأسرى حرية وان قبعوا في السجون خلف القضبان !! وهي التي جاءت اليوم لتختار لها واحدا من كل الآلاف الذين كانوا ولا يزالون يزورون سورية حتى الآن !! نعم اختارت هذا الواحد من بين تلك الآلاف لتقدمه للقضاء خلال الأيام القريبة القادمة !! انه الاستاذ محيي الدين خلايلة .
10- من هنا وعلى ضوء كل ما تقدم فإننا اذا اردنا ان نقف في وجه هذه المزاجية المفتعلة والانتقائية فعلينا وفق قانون أضعف الإيمان ان نحضر جلسة محاكمة الاستاذ محيي الدين خلايلة القريبة التي ستكون بتاريخ 29/5/2006م صباحا في محكمة الصلح بمدينة عكا!! فماذا نحن فاعلون ؟! وما هو ردنا دفاعا عن انفسنا وليس من باب الدفاع عن شخص الاستاذ محيي الدين خلايلة ؟! ماذا نحن فاعلون ؟! وأين سنكون عند انعقاد تلك المحاكمة ؟!